ممكن للرواية أن تتجاوز وظيفتها السردية لتصبح مرآة تعكس فيها تحولات المجتمع وهموم الإنسان، وتكون وسيلة للكشف عن القضايا الاجتماعية والإنسانية التي يعيشها الفرد داخل بيئته.
ومن هذا المنطلق تأتي رواية لن تنقذك أغنية للروائي العراقي كرار أحمد الدحبوش بوصفها نصاً ينطلق من الواقع الاجتماعي، ويعيد تشكيله عبر قصة حب تنمو في بيئة مثقلة بالفقر والتفاوت الطبقي والقيود الاجتماعية فالرواية لا تقف عند حدود الحكاية العاطفية، إذ تجعل من الحب وسيلة للكشف عن التناقضات التي يعيشها الإنسان حين يصطدم حلمه الشخصي بواقع لا يسمح له بتحقيقه.
ويبدو منذ الصفحات الأولى أن الكاتب لا يريد تقديم قصة رومانسية تقليدية، بل يسعى إلى تصوير الإنسان البسيط الذي يواجه قسوة الحياة اليومية، ويجد نفسه محاصراً بأسئلة الفقر والرزق والكرامة والطبقية لذلك تتشكل شخصية أدهم بوصفها شخصية مأزومة تحمل هموم المجتمع أكثر مما تحمل همومها الفردية، حتى يصبح الحب نفسه عبئاً أخلاقياً يخشى أن يورثه لمن يحب، ويكشف الحوار الذي يدور بينه وبين صديقه أحمد عن هذه الرؤية حين يرفض فكرة الزواج معللاً ذلك بخوفه من أن يجر المرأة التي يحبها إلى حياة يملؤها الحرمان ويرى أن الفقير لا يملك حق إدخال شخص آخر في معاناته.
حيث يتحول الواقع الاجتماعي الى قوة فاعلة في بناء الشخصيات وصياغة مواقفها النفسية والفكرية فالفقر يظهر على أنه حالة وجودية تؤثر في رؤية الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين، وتدفعه إلى الشك في المستقبل بل وفي استحقاقه للحب والسعادة، ولهذا يبدو أدهم شخصية تعيش اغتراباً داخلياً؛ إذ يشعر منذ طفولته بأنه يحمل مسؤوليات لم يخترها، ويعبر عن ذلك بقوله أنه وُلد هو ليحمل الأعباء.
و من تجليات الواقع الاجتماعي في الرواية هو عامل الفقر الذي يكون أكثر تأثيراً في تشكيل شخصية البطل حين يصوره على أنه أسير لإحساس دائم بالنقص والعجز، ويتجلى ذلك في المشهد الذي يذهب فيه أدهم إلى المسجد طلباً للعون الروحي من الشيخ، فيطلب منه الشيخ أن يتصدق على أسرة فقيرة لكنه يكتشف أنه لا يملك ديناراً واحداً يستطيع تقديمه، فيغادر مثقلاً بالخجل والانكسار، وتكمن أهمية هذا المشهد في كشفه حجم المفارقة الاجتماعية التي يعيشها البطل؛ فهو فقير يُطلب منه أن ينقذ فقيراً آخر، الأمر الذي يعمق شعوره بالعجز ويجعله يرى الفقر بوصفه قيداً يلاحق الإنسان في كل تفاصيل حياته.
والفقر يجعل أدهم ينظر إلى الحب بوصفه مسؤولية ثقيلة لايستطيع الوفاء بها، ولذلك يردد أن الفقير لا ينبغي له أن يحب حتى لايحرم محبوبه من حياة كريمة، وهنا ينجح الكاتب في تصويره للواقع الاجتماعي وكيف أنه يصبح حاجز غير مرئي يقف بين الإنسان وأحلامه، ويصبح الحب نفسه ضحية للفقر والحرمان.
أما الطبقية الاجتماعية التي تشكل موقعاً محورياً في الرواية، إذ يجعلها الكاتب أحد أهم العوامل التي تحكم مصائر الشخصيات، حيث يقيم الشخص وفق مكانته الاقتصادية والاجتماعية ،ومن هنا تصبح العلاقة بين ادهم وسارة محكومة بقيود هذه الطبقية، أدهم ابن النجار وسارة بنت التاجر.
ويؤكد الكاتب هذا الوعي الطبقي منذ اللحظات الأولى التي يعرف فيها أدهم هوية سارة، إذ يحمل في نفسه شعور مؤلم بالفارق الاجتماعي بينهما ، وكأن المجتمع يفرض عليه حدوداً لا يستطيع تجاوزها مهما بلغت قوة مشاعره، وبهذا تكشف الرواية أن الطبقية تشكل بنية ذهنية تتحكم في وعي الشخصيات ونظرتها إلى ذواتها، وكذلك الحوارات التي تجمع أدهم بصديقه أحمد، إذ يحاول الأخير باستمرار تذكيره بالفارق بينه وبين سارة محذراً إياه من أن المجتمع لن ينظر إلى العلاقة بعين القبول، بل سيجعل منها سبباً للسخرية والرفض، حيث يكون أحمد بمثابة صوت الواقعية الاجتماعية التي تفرض على أدهم القيود لم يجعل الدحبوش شخصيات روايته أسيرة للعاطفة وحدها، بل أوجد في شخصية أحمد نقيضاً لأدهم، فهو صوت العقل والاتزان والوعي بحدود الواقع الاجتماعي. ومن اللافت أن الكاتب يمنح سارة رؤية إنسانية تختلف عن رؤية المجتمع، فهي تنظر إلى أدهم من خلال أخلاقه وإخلاصه في العمل وليس فقره، وتؤكد له أن المال ليس معياراً للحب وأن القلب الصادق أثمن من القصور والثروة فتكون سارة نموذجاً للوعي الإنساني الذي يحاول تجاوز التصنيفات الطبقية، في مقابل مجتمع ما يزال أسيراً لها. غير أن الرواية تكشف عن سلطة المجتمع التي تظل أقوى من رغبات الأفراد، وهو ما يظهر في موقف والد أدهم الذي يرفض فكرة زواج ابنه من سارة خوفاً من نظرة أهل القرية، وعدِّ هذا الزواج خروجاً على الأعراف الاجتماعية، وهنا يصدر الرفض عن الأب بدافع الخوف من المجتمع وليس بدافع الكراهية، مما يجعل السلطة الاجتماعية تتجسد في الأسرة نفسها.
وكذلك سلطة والد سارة التي تنتهي بمقتله، حيث يجسد الكاتب هذه المواقف كلها بأنها قيود أجتماعية، وبذلك يعد أدهم الشخصية الأكثر تعرضاً لتأثير الواقع الاجتماعي في الرواية، إذ تتغير ملامحه النفسية والفكرية على أمتداد الرواية بصورة واضحة، حيث تخلق عنده أزمات نفسية تجعل من الحب مصدراً للألم وهو ما يوحي عنوان الرواية (لن تنقذك أغنية) فالأغنية التي ترمز إلى الحب والجمال لا تستطيع أن تنقذ الإنسان عندما يقف الواقع الاجتماعي في وجه أحلامه.
ومن هنا تكتسب عتبة العنوان (لن تنقذك أغنية) دلالتها الأعمق؛ فالأغنية والذكرى والفن قد تمنح الإنسان عزاءً مؤقتاً وتساعده على أحتمال قسوة الواقع، لكنها لا تملك وحدها القدرة على تغيير الشروط الاجتماعية التي تحاصره، وبذلك ينجح كرار أحمد الدحبوش في تحويل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني وأجتماعي يتجاوز شخصيات الرواية وأحداثها، ليضع القارئ أمام مفارقة واضحة بين الحلم والواقع، وبين ما يتمناه الإنسان وما تسمح له به البنية الاجتماعية، وفي هذه المفارقة تحديداً تتجلى قوة الرواية في مساءلة واقع لا يكفي فيه صدق المشاعر وحده ما لم تتغير الشروط التي تجعل الإنسان قادراً على تحقيقها.
إذ تكشف الرواية أن الإنسان ابن بيئته، والمجتمع ليس خلفية محايدة للأحداث، بل قوة فاعلة تسهم في تشكيل مصائر الشخصيات وتوجيه قراراتها، فأدهم يواجه منظومة أجتماعية تجعل الفقر عائقاً أمام الحب، وتجعل الانتماء الطبقي معياراً للحكم على الإنسان.
وبذلك تتضح القيمة الاجتماعية لرواية (لن تنقذك أغنية) اذ تصور لنا حكاية حب تتقاطع فيها الفوارق الطبقية فيصبح الفقر أكثر من مجرد حالة أقتصادية؛ إذ يتحول إلى قوة تحدد موقع الفرد وفرصه في تحقيق أحلامه.
ماجد القيسي
د. هاني كنهر العتّابيّ
یوسف عبود جویعد
التعليقات