هل يمتلك الذكاء الاصطناعي شعرية؟
ارتبطت الشعرية عبر قرون بالخيال والذاكرة والتجربة الإنسانية، وعدت من أبرز السمات التي تمنح الأدب فرادته وقدرته على التأثير في المتلقي،غير أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج النصوص الأدبية أعاد طرح سؤال نقدي وفلسفي مهم: هل يمكن لخوارزمية لا تحلم ولا تتذكر ولا تعاني أن تنتج شعرية حقيقية؟ وهل ما يكتبه الذكاء الاصطناعي يعد إبداعاً بالمعنى الأدبي أم أنه مجرد إعادة تنظيم لأنماط لغوية أنتجها الإنسان من قبل؟
لقد أصبح من المألوف اليوم أن نقرأ قصيدة أو قصة قصيرة أو مقطعاً أدبياً كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي، ولم يعد القارئ يندهش حين يعلم أن الآلة هي من صاغت النص بل إن بعض النصوص التي تنتجها هذه الأنظمة تبدو قادرة على محاكاة الصور الشعرية والاستعارات والإيقاع واللغة المجازية، لكن هذا يطرح سؤالاً يتعلق بطبيعة الشعرية ذاتها: هل الشعرية تكمن في جمال اللغة وحدها أم أنها ترتبط أيضاً بالتجربة الإنسانية التي تقف خلف النص؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من الوقوف عند مفهوم الشعرية فقد ارتبطت في بداياتها بالشعر وحده، ثم تطور المفهوم حتى أصبح الحديث ممكناً عن شعرية الرواية والمسرح والصورة والمكان والأشياء، وأصبحت الشعرية في النظريات الحديثة ترتبط بالخصائص التي تجعل النص نصاً أدبياً متميزاً وقادراً على التأثير في المتلقي.
وقد اختلف النقاد في تحديد مفهومها؛ فأرسطو ربطها بالمحاكاة وإعادة تشكيل الواقع في صورة فنية، بينما نظر رومان جاكبسون إليها بوصفها مرتبطة باللغة ووظائفها، وركز على الوظيفة الشعرية للغة، أما جون كوهن فعد أهم ما يميز اللغة الشعرية هو الانزياح والخروج عن الاستعمال العادي، في حين رأى تزفيتان تودوروف أن الشعرية تدرس القوانين التي تجعل النص أدباً، وفي النقد العربي ربط أدونيس الشعرية بالحداثة والتجديد، وربطها كمال أبو ديب بالعلاقات المركبة داخل النص وكسر الأنماط اللغوية الجاهزة.
ومن خلال هذه التصورات يمكن ملاحظة أن معظم النظريات الحديثة ربطت الشعرية باللغة وبنيتها وأساليبها وانزياحاتها وإيقاعاتها، ويمكن أن نطلق على هذا الاتجاه اسم الشعرية اللغوية،لأنها تنطلق من دراسة النص بوصفه بنية لغوية مستقلة نسبياً عن منتجها.
غير أن غاستون باشلار يربط الشعرية بالخيال والذاكرة والأحلام والتجربة الوجدانية، ويرى أن الصورة الشعرية تنبع من أعماق الوجدان الإنساني، ومن هنا يمكن التمييز بين مستويين للشعرية: شعرية لغوية تقوم على البناء والأسلوب، وشعرية تخييلية وجدانية تقوم على الخبرة الإنسانية والذاكرة والخيال والأحلام.
فالكاتب حين يكتب نصاً أدبياً لا ينقل كلمات فحسب، بل ينقل تجربة حياة كاملة؛ وخلف كل قصيدة حزن أو فرح أو فقد أو انتظار، ولذلك يشعر القارئ بأن النص الأدبي الحقيقي يحمل حرارة إنسانية، فالشعرية هنا لا تتولد من اللغة وحدها، بل من العلاقة العميقة بين التجربة والشعور والتعبير.
أما الذكاء الاصطناعي فإنه لا يعيش التجربة الإنسانية بالمعنى الحقيقي؛ فهو لا يعرف معنى الخسارة أو الشوق أو الخوف أو الأمل، وإنما يتعامل مع كميات هائلة من النصوص ثم يعيد تركيبها في صورة جديدة، ومع ذلك قد تبدو نصوصه شديدة الشعرية، لأنه قادر على إنتاج صور بلاغية وصياغة استعارات ومحاكاة أساليب كبار الشعراء والروائيين، لكن القضية الأساسية لا تتعلق بشكل النص، وإنما بمصدر هذه الشعرية.
يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لا ينتج شعرية خاصة به بالمعنى الوجداني العميق، وإنما يعيد تدوير الشعرية الإنسانية التي تعلمها من النصوص التي كتبها البشر؛ فهو يستطيع وصف الألم لكنه لا يتألم، والحديث عن الحب لكنه لا يحب، ورسم مشهد للحنين لكنه لا يشتاق.
وتتضح هذه الإشكالية بصورة أكبر إذا تأملنا تجربة الروائية البولندية الحائزة على جائزة نوبل في الأدب أولغا توكارتشوك، وفق ما نقلته سوسن الأبطح في صحيفة الشرق الأوسط ،حيث أشارت الى استعانتها بالذكاء الاصطناعي أثناء إعداد إحدى رواياتها فقد استخدمته في البحث عن بعض التفاصيل التاريخية ،وفي الوصول إلى معلومات تتعلق بالأغاني التي كان الناس يرقصون عليها في القرن التاسع عشر، كما وظفته في عمليات التوثيق والأرشفة والتحقق من بعض المعلومات، لكنها في الوقت نفسه أكدت أنها لم تستخدمه في كتابة الرواية نفسها وأنها ما تزال تؤمن بأن فعل الكتابة الإبداعية فعل إنساني في جوهره.
كما يمكن الإشارة إلى ما يعرف بـ”هلوسة” الذكاء الاصطناعي، أي إنتاجه أحياناً لمعلومات غير دقيقة، وهو ما يكشف جانباً آخر من الفرق بين الوعي الإنساني والمعالجة الآلية للبيانات.
فالإنسان يكتب انطلاقاً من إدراكه للعالم ومن موقعه داخله، أما الذكاء الاصطناعي فيعتمد على معالجة النصوص والبيانات المتاحة له دون أن يمتلك وعياً حقيقياً بمعانيها أو خبرة مباشرة بها.
ومن هنا يمكن القول أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نصوص تتمتع بدرجة عالية من الشعرية اللغوية، لأنه يستطيع توظيف الصور والاستعارات والإيقاعات والأساليب الفنية المختلفة، لكنه يظل عاجزاً عن امتلاك الشعرية الإنسانية بالمعنى الذي تحدث عنه باشلار، أي الشعرية القائمة على الذاكرة والخيال المعاش والتجربة الوجدانية الحية.
فالآلة تستطيع أن تحاكي الأنماط الجمالية، لكنها تظل محكومة بحدود المحاكاة، بينما يبقى الإنسان المصدر الأول للخلق الأدبي، ويظل الذكاء الاصطناعي شريكاً تقنياً قادراً على المساهمة في إنتاج النص، لا بديلاً عن الروح التي منحت الأدب فرادته وطاقته الجمالية
د. جبَّار ماجد البهادليّ
عبدالکریم السعید
التعليقات