ثلاجة الموتى

صورة الكاتب
بقلم: أبو الحسنين الدعساوي
التاريخ: 15 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2637
ثلاجة الموتى

….. ثلاجة الموتى…..

لم اكن اتخيل يوما ان عملي خلف هذه الابواب الحديدية الصامتة سيكون مراة تعكس لي حقيقة المجتمع الذي نعيش فيه انا اعمل موظفا في مشرحة المستشفى الحكومي بالمحافظة وفي البداية كان الجميع يسالني بخوف كيف تتحمل البقاء مع الموتى وكنت ابتسم دائما بالاجابة ذاتها ان الموتى لا يوذون احدا وان الخوف الحقيقي يجب ان يكون من الاحياء ف هنا في هذا الممر الضيق ذي الاضاءة الباهتة تفوح رائحة الموت الممتزجة بالمعقمات وتصطف الادراج المعدنية الباردة لكن المفارقة ان هذه الثلاجة لا تجمد الاجساد فقط بل تكشف ايضا عن القلوب المتجمدة في الخارج وفي ليلة باردة استقبلت المشرحة حالتين في الوقت ذاته وهنا تجسدت لي المأساة الاجتماعية باقسى صورها حيث كانت الحالة الاولى لرجل مسن وجد متوفى في شقته الفاخرة بعد ثلاثة ايام من وفاته دون ان يسال عنه احد وكانت الحالة الثانية لشاب في مقتبل العمر توفي في حادث عامل بناء بسيط وهو يحاول كسب قوت يومه لعائلته ليتضح لي ان الموت لا يغير النفوس بل يرفع القناع عن وجوهنا الحقيقية التي نسترها خلف المظاهر وقد تجمع اقارب الرجل الثري خارج المكتب ولم اسمع صوت بكاء واحد بل كان الضجيج كله يدور حول الاوراق والتركة وسمعت ابنه الاكبر يهمس لاخيه بحدة اين مفاتيح الخزنة ويجب ان ناخذها قبل ان يعلم بقية الاقارب ف كانوا يتعجلون انهاء اجراءات الدفن ليس اكراما للميت بل رغبة في تقسيم الميراث وشعرت بغثيان شديد وانا انظر الى جثة الاب المستلقية في الداخل وهو الرجل الذي امضى حياته يجمع المال ولم يترك خلفه سوى وحوش تتصارع على حطام الدنيا وعلى الجانب الاخر من الالم وفي زاوية اخرى من الممر كان يجلس والد الشاب الراحل عامل البناء وهو رجل طاعن في السن يرتدي ثيابا رثة لكن وجهه كان يشع وقارا وحزنا يفتت الصخر وكان يبكي بصمت ويمسح دموعه بطرف غترته ويتمتم الحمد لله وانا لله وانا اليه راجعون وعوضي عليك يا رب وعندما اقتربت منه لانهي اجراءات استلام الجثة نظر الي بعينين حمراوين وقال بصوت متهدج يا بني ليس معي ثمن كفن فاخر فهل سيغضب الله على ابني وفي تلك اللحظة شعرت بغصة في حلقي لان هذا الرجل لا يملك شيئا لكنه يملك اثمن ما في الوجود وهو الوفاء والرحمة ثم اغلقت باب الثلاجة الحديدي على جثة الثري وجثة الفقير وفي الداخل تلاشت الفوارق الطبقية ف كلاهما في درج متطابق وكلاهما غادر الدنيا بقطعة قماش بيضاء وفي تلك اللحظات الساكنة التي تلت اغلاق الباب خيل الي ان صمتا غريبا قد انكسر خلف الحديد وتبدل السكون لتبدا الارواح في عتاب مرير فسمعت صوت الرجل الثري يخرج واهنا مخنوقا بالخيبة وهو يقول قضيت عمري اجمع لهم المال واحرم نفسي من متعة الحياة لكي أامن مستقبلهم فاذا بهم يتسابقون على مفاتيح خزائني قبل ان يوارى جسدي التراب لم اجد منهم دمعة صادقة بل وجدتها وحوشا تنهش تركتي وانا لم ازل بين ايديكم ليرد عليه صوت الشاب الراحل بنبرة يعتصرها الالم والتفجع على حال ابيه قائلا ليتني عشت اكثر لاخفف عن ابي إعباء الحياة فقد تركته وحيدا مكسور الظهر يبكي علي بدموع من دم وهو لا يملك ثمن كفني لكنه يملك قلبا يفيض بالحب والوفاء ليت مالك كان لابي ليرتاح وليت وفاء ابي كان في ابنائك ليرحموا شيبتك فاجابه الثري بحسرة قاتلة يا بني ان مال الدنيا كله لا يشتري دمعة صادقة من قلب وفي وقد تساوت جسومنا هنا في هذا الصقيع لكن شتان بين روح ترحل محفوفة بالدعاء والرحمة وروح تترحم عليها الاموال وتلعنها الاطماع ولما خرجت من نوبتي الليلية مع شروق الشمس تنفست الهواء النقي بعمق ونظرت الى المارة في الشارع وتيقنت تماما ان ثلاجة الموتى ليست مجرد مكان لحفظ الاجساد بل هي محطة تعري زيف العلاقات الاجتماعية وتذكرنا بان القيمة الحقيقية للانسان لا تقاس بما يملكه في جيبه بل بما يتركه في قلوب الاخرين

عن الکاتب / الکاتبة

أبو الحسنين الدعساوي
أبو الحسنين الدعساوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أحلام مهدومة

أحلام مهدومة

أحلام مهدومة…….. كان طقسي المفضل كل مساء هو تنظيف حقيبتي المدرسية وكي صدريتي الكحلية وترتيب…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
3 يوليو 2026
اقرأ المزيد
الفصلية

الفصلية

الفصلية ​(عندما تصبح الروح ثمناً لدم لم تسفكه) لم يكن لي ذنب بما حدث، حتى…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
22 يونيو 2026
اقرأ المزيد
 مقصلة العادات

 مقصلة العادات

مقصلة العادات في تلك البلدة التي لا تسمع فيها سوى زقزقة العصافير وصوت المعاول كانت…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
15 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ثلاجة الموتى

بقلم: أبو الحسنين الدعساوي | التاريخ: 15 يوليو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

….. ثلاجة الموتى…..

لم اكن اتخيل يوما ان عملي خلف هذه الابواب الحديدية الصامتة سيكون مراة تعكس لي حقيقة المجتمع الذي نعيش فيه انا اعمل موظفا في مشرحة المستشفى الحكومي بالمحافظة وفي البداية كان الجميع يسالني بخوف كيف تتحمل البقاء مع الموتى وكنت ابتسم دائما بالاجابة ذاتها ان الموتى لا يوذون احدا وان الخوف الحقيقي يجب ان يكون من الاحياء ف هنا في هذا الممر الضيق ذي الاضاءة الباهتة تفوح رائحة الموت الممتزجة بالمعقمات وتصطف الادراج المعدنية الباردة لكن المفارقة ان هذه الثلاجة لا تجمد الاجساد فقط بل تكشف ايضا عن القلوب المتجمدة في الخارج وفي ليلة باردة استقبلت المشرحة حالتين في الوقت ذاته وهنا تجسدت لي المأساة الاجتماعية باقسى صورها حيث كانت الحالة الاولى لرجل مسن وجد متوفى في شقته الفاخرة بعد ثلاثة ايام من وفاته دون ان يسال عنه احد وكانت الحالة الثانية لشاب في مقتبل العمر توفي في حادث عامل بناء بسيط وهو يحاول كسب قوت يومه لعائلته ليتضح لي ان الموت لا يغير النفوس بل يرفع القناع عن وجوهنا الحقيقية التي نسترها خلف المظاهر وقد تجمع اقارب الرجل الثري خارج المكتب ولم اسمع صوت بكاء واحد بل كان الضجيج كله يدور حول الاوراق والتركة وسمعت ابنه الاكبر يهمس لاخيه بحدة اين مفاتيح الخزنة ويجب ان ناخذها قبل ان يعلم بقية الاقارب ف كانوا يتعجلون انهاء اجراءات الدفن ليس اكراما للميت بل رغبة في تقسيم الميراث وشعرت بغثيان شديد وانا انظر الى جثة الاب المستلقية في الداخل وهو الرجل الذي امضى حياته يجمع المال ولم يترك خلفه سوى وحوش تتصارع على حطام الدنيا وعلى الجانب الاخر من الالم وفي زاوية اخرى من الممر كان يجلس والد الشاب الراحل عامل البناء وهو رجل طاعن في السن يرتدي ثيابا رثة لكن وجهه كان يشع وقارا وحزنا يفتت الصخر وكان يبكي بصمت ويمسح دموعه بطرف غترته ويتمتم الحمد لله وانا لله وانا اليه راجعون وعوضي عليك يا رب وعندما اقتربت منه لانهي اجراءات استلام الجثة نظر الي بعينين حمراوين وقال بصوت متهدج يا بني ليس معي ثمن كفن فاخر فهل سيغضب الله على ابني وفي تلك اللحظة شعرت بغصة في حلقي لان هذا الرجل لا يملك شيئا لكنه يملك اثمن ما في الوجود وهو الوفاء والرحمة ثم اغلقت باب الثلاجة الحديدي على جثة الثري وجثة الفقير وفي الداخل تلاشت الفوارق الطبقية ف كلاهما في درج متطابق وكلاهما غادر الدنيا بقطعة قماش بيضاء وفي تلك اللحظات الساكنة التي تلت اغلاق الباب خيل الي ان صمتا غريبا قد انكسر خلف الحديد وتبدل السكون لتبدا الارواح في عتاب مرير فسمعت صوت الرجل الثري يخرج واهنا مخنوقا بالخيبة وهو يقول قضيت عمري اجمع لهم المال واحرم نفسي من متعة الحياة لكي أامن مستقبلهم فاذا بهم يتسابقون على مفاتيح خزائني قبل ان يوارى جسدي التراب لم اجد منهم دمعة صادقة بل وجدتها وحوشا تنهش تركتي وانا لم ازل بين ايديكم ليرد عليه صوت الشاب الراحل بنبرة يعتصرها الالم والتفجع على حال ابيه قائلا ليتني عشت اكثر لاخفف عن ابي إعباء الحياة فقد تركته وحيدا مكسور الظهر يبكي علي بدموع من دم وهو لا يملك ثمن كفني لكنه يملك قلبا يفيض بالحب والوفاء ليت مالك كان لابي ليرتاح وليت وفاء ابي كان في ابنائك ليرحموا شيبتك فاجابه الثري بحسرة قاتلة يا بني ان مال الدنيا كله لا يشتري دمعة صادقة من قلب وفي وقد تساوت جسومنا هنا في هذا الصقيع لكن شتان بين روح ترحل محفوفة بالدعاء والرحمة وروح تترحم عليها الاموال وتلعنها الاطماع ولما خرجت من نوبتي الليلية مع شروق الشمس تنفست الهواء النقي بعمق ونظرت الى المارة في الشارع وتيقنت تماما ان ثلاجة الموتى ليست مجرد مكان لحفظ الاجساد بل هي محطة تعري زيف العلاقات الاجتماعية وتذكرنا بان القيمة الحقيقية للانسان لا تقاس بما يملكه في جيبه بل بما يتركه في قلوب الاخرين