أحلام مهدومة

صورة الكاتب
بقلم: أبو الحسنين الدعساوي
التاريخ: 3 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2327
أحلام مهدومة

أحلام مهدومة……..

كان طقسي المفضل كل مساء هو تنظيف حقيبتي المدرسية وكي صدريتي الكحلية وترتيب الدفاتر كنت اجد في تلك الصدرية درع يمنحني الامان وفي تلك الدفاتر بوابتي الوحيدة لانتشال عائلتي من قاع الفقر كنت اقول لنفسي دائما ساكبر سادرس ساصبح معلمة او طبيبة وساشتري لوالدي بيت جديد لا تسكنه الرطوبة ولاخواني الصغار احذية جديدة لا تشيخ قبل وقتها لكن الفقر في بيتنا لم يكن مجرد زائر عابر كان وحش حقيقي ينهش جدراننا كل يوم وبدا الامر في ليلة شتوية شديدة البرودة جلست في زاوية الغرفة اراجع درس الجغرافيا بينما كان صوت والدي المتهدج يصدر من خلف الستار الفاصل ممزوج بسعال حاد ونبرة عجز كسرته امام اصحاب الديون كان يتحدث عن الديون التي تراكمت وعن اخواني الذين ينامون احيانا ببطون خاوية ثم سمعت اسمي تكرر كثيرا برفقته كلمة الستر والرجل المقتدر والعادات التي لا ترحم من تكبر ابنته بلا زواج في تلك الليلة شعرت بصقيع لم ينبع من الطقس بل تسلل مباشرة الى قلبي وفهمت ان احلامي المعلقة على جدران الصفوف الدراسية صنفت فجاة كرفاهية لا نملك ثمنها وفي الصباح التالي لم تكن هناك مواجهات الصراخ بل كان هناك صمت اشد قسوة شاهدت في عيون امي نظرة اعتذار منكسرة وهي تقدم لي كوب الشاي الساخن وشاهدت والدي يتجنب النظر الى عيني تماما كانه يخجل من النظر الى الضحية التي اختارها لينقذ بقية السفينة من الغرق حاولت براسي الصغير ان احتج بصمت اغلقت قفل حقيبتي المدرسية بقوة واحتضنت دفاتري واردت ان اصرخ دعوني اكمل دراستي انا ساساعدكم انا ساعمل ليل نهار حين اكبر لكن ميزان الحاجة كان اثقل من ان تغيره دموع طفلة في الرابعة عشرة من عمرها المال الذي سيعطيه ذلك الغريب الاربعيني كمهر كان يعني بقاء عائلتي على قيد الحياة لبضعة اعوام اخرى والعادات التي تحكم قريتنا كانت ترى في اعتراضي خروجا عن الطوق وجاء يوم الزواج بسرعة لم اتخيلها لم يكن هناك فستان زفاف في عيني بل كان هناك حصار نزعوا عني صدريتي المدرسية التي كانت تشبهني والبسوني ثوب ابيض ثقيل مطرز بخرز بدا لي كانه مسامير تدق في نعشي تطلعت الى صورتي فلم اجد العروس التي تتحدث عنها الحكايات بل شاهدت طفلة غريبة خائفة مرعوبة من عالم الكبار الذي اقحمت فيه عنوة نظرت نظرة اخيرة الى دميتي المتروكة فوق الفراش والى حقيبتي المدرسية التي ركنت في زاوية مظلمة غطاها التراب كانها تعلن نهاية عهد البراءة انا احدى الصغيرات التي ارتدت كفن الزواج بدل صدرية المدرسة بسبب العادات والحاجة للمال جسدي لم يكن مستعد للزواج ولا نفسي الطفوليه ماتت احلامي بمهدها دون اكمل دراستي واحقق احلامي

عن الکاتب / الکاتبة

أبو الحسنين الدعساوي
أبو الحسنين الدعساوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الفصلية

الفصلية

الفصلية ​(عندما تصبح الروح ثمناً لدم لم تسفكه) لم يكن لي ذنب بما حدث، حتى…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
22 يونيو 2026
اقرأ المزيد
 مقصلة العادات

 مقصلة العادات

مقصلة العادات في تلك البلدة التي لا تسمع فيها سوى زقزقة العصافير وصوت المعاول كانت…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
15 يونيو 2026
اقرأ المزيد
أرواح في السراديب

أرواح في السراديب

أرواح في السراديب في البداية، لم أكن أشعر بالغربة في هذا السرداب البارد، فعندما أُغلق…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
6 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أحلام مهدومة

بقلم: أبو الحسنين الدعساوي | التاريخ: 3 يوليو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

أحلام مهدومة……..

كان طقسي المفضل كل مساء هو تنظيف حقيبتي المدرسية وكي صدريتي الكحلية وترتيب الدفاتر كنت اجد في تلك الصدرية درع يمنحني الامان وفي تلك الدفاتر بوابتي الوحيدة لانتشال عائلتي من قاع الفقر كنت اقول لنفسي دائما ساكبر سادرس ساصبح معلمة او طبيبة وساشتري لوالدي بيت جديد لا تسكنه الرطوبة ولاخواني الصغار احذية جديدة لا تشيخ قبل وقتها لكن الفقر في بيتنا لم يكن مجرد زائر عابر كان وحش حقيقي ينهش جدراننا كل يوم وبدا الامر في ليلة شتوية شديدة البرودة جلست في زاوية الغرفة اراجع درس الجغرافيا بينما كان صوت والدي المتهدج يصدر من خلف الستار الفاصل ممزوج بسعال حاد ونبرة عجز كسرته امام اصحاب الديون كان يتحدث عن الديون التي تراكمت وعن اخواني الذين ينامون احيانا ببطون خاوية ثم سمعت اسمي تكرر كثيرا برفقته كلمة الستر والرجل المقتدر والعادات التي لا ترحم من تكبر ابنته بلا زواج في تلك الليلة شعرت بصقيع لم ينبع من الطقس بل تسلل مباشرة الى قلبي وفهمت ان احلامي المعلقة على جدران الصفوف الدراسية صنفت فجاة كرفاهية لا نملك ثمنها وفي الصباح التالي لم تكن هناك مواجهات الصراخ بل كان هناك صمت اشد قسوة شاهدت في عيون امي نظرة اعتذار منكسرة وهي تقدم لي كوب الشاي الساخن وشاهدت والدي يتجنب النظر الى عيني تماما كانه يخجل من النظر الى الضحية التي اختارها لينقذ بقية السفينة من الغرق حاولت براسي الصغير ان احتج بصمت اغلقت قفل حقيبتي المدرسية بقوة واحتضنت دفاتري واردت ان اصرخ دعوني اكمل دراستي انا ساساعدكم انا ساعمل ليل نهار حين اكبر لكن ميزان الحاجة كان اثقل من ان تغيره دموع طفلة في الرابعة عشرة من عمرها المال الذي سيعطيه ذلك الغريب الاربعيني كمهر كان يعني بقاء عائلتي على قيد الحياة لبضعة اعوام اخرى والعادات التي تحكم قريتنا كانت ترى في اعتراضي خروجا عن الطوق وجاء يوم الزواج بسرعة لم اتخيلها لم يكن هناك فستان زفاف في عيني بل كان هناك حصار نزعوا عني صدريتي المدرسية التي كانت تشبهني والبسوني ثوب ابيض ثقيل مطرز بخرز بدا لي كانه مسامير تدق في نعشي تطلعت الى صورتي فلم اجد العروس التي تتحدث عنها الحكايات بل شاهدت طفلة غريبة خائفة مرعوبة من عالم الكبار الذي اقحمت فيه عنوة نظرت نظرة اخيرة الى دميتي المتروكة فوق الفراش والى حقيبتي المدرسية التي ركنت في زاوية مظلمة غطاها التراب كانها تعلن نهاية عهد البراءة انا احدى الصغيرات التي ارتدت كفن الزواج بدل صدرية المدرسة بسبب العادات والحاجة للمال جسدي لم يكن مستعد للزواج ولا نفسي الطفوليه ماتت احلامي بمهدها دون اكمل دراستي واحقق احلامي