لا تنسوني

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 28 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 1797
لا تنسوني

لا تنسوني

من مكانها في الغرفة، من الأريكة التي تجلس عليها دائما ، انطلق صوتها الطفولي، واضح ومشرق، يحمل تلك النبرة التي تجمع بين البراءة والإصرار:
“لا بابا، مو هيج! القلب لازم يصير أكبر… حتى يكفّي كل الحب للحُسين عليه السلام .” تسلل الضوء الخافت إلى غرفة الجلوس، يرسم هالة ناعمة على سطح الطاولة البيضاء البلاستيكية اللامعة. كان حسين، رجلٌ في منتصف العمر، ينحني فوقها بهدوء، يصفف أكياس الحلوى الملونة بعناية مفرطة. أصابعه الخشنة كانت تتحرك ببطء، كأنها تؤدي طقسًا مقدسًا، ترسم بها شكل قلب صغير في منتصف الطاولة. ابتسم حسين ابتسامة متعبة، امتزج فيها الحنين مع طمأنينة غامضة. لم يلتفت، كأن الصوت كان جزءًا من الهواء، وأجاب ببساطة: “حاضر، ست زينب. مثل ما تريدين بالضبط. قلب كبير.” بدأ يفكك الترتيب ويعيد بناءه من جديد، يوسع حدود القلب كما طلبت. “وهسه؟ زين هيج؟” سأل وهو يضع آخر كيس في موضعه. “إي، هسه أحسن.” وكان صوتها مصحوبًا بضحكة صغيرة. “ولا تنسى، كل وحدة بيها دعاء كميل الصغير اللي كتبناه البارحة. حتى اللي ياخذها، الله يحفظه. “ما أنسى أبد.” همس، كأنه يقطع وعدًا لا يقبل التراجع. “دعاؤك يوصل قبل الحلوى.” تابع عمله بصمت، يلتقط الحلوى الواحدة تلو الأخرى، يلفها، يضع الدعاء ويرتبها بدقة كأنها هدايا للغائبين. زينب بصوتها الناعم: “والملصقات التي كتبت. السلام عليك يا أبا عبد الله عليه السلام خلّيها بالنهاية، هي اللي تحضن التوزيع كله.” هز حسين رأسه موافقًا، وكأن كل شيء يجب أن يكون على ما يرام، تمامًا كما أرادت زينب.
بعد أن أنهى، خرج إلى الشارع حاملاً قطعة قماش سوداء كبيرة، مطرزة بخيوط ذهبية. وقف على سلم معدني صغير وبدأ بتثبيت الراية فوق باب المنزل.
“بابا، علّگها زين!” جاءت اوامر زينب. “حتى يشوفها الإمام من بعيد ويعرف هذا بيتنا!” ابتسم ونظر إلى الراية التي بدأت ترفرف مع نسمة الهواء المساء . شدّ آخر دبوس وقال: “تدللين يا روح أبوچ. راح يشوفها أكيد.” عندما نزل، أخرج هاتفه المحمول واتصل برقم يعرفه عن ظهر قلب.
“هلو أم زينب… إي، آني وزينب دنرتب… لا، بعدها متحمسة مثل كل سنة، يمكن أكثر هالسنة… أي، جبتلها الكاكاو أبو الأرنب، ما أقبلت بغيره… والعصير هم… لا، لا، ماكو بيبسي، تدرين بيها تگول ‘الغاز يوجع بطني’… كلشي تمام. خليچ مرتاحة انتي.”
أغلق الخط، أعاد الهاتف إلى جيبه، ثم توجه إلى صندوق سيارته، وأخرج منه كرتونة كبيرة مليئة بعلب العصير وقطع الكيك الصغيرة. حملها بحرص إلى داخل البيت، خطواته كانت مزيجًا من تعب وشوق، كأن كل خطوة تقربه من موعدٍ ينتظره القلب طوال العام. وضع الصندوق قرب الباب ونظر إلى الطاولة. عينيه لمعتا بلحظة رضا، كأنهما تبحثان عن تصفيق غير مسموع. “ها بابا، شرايج؟ حلو صار الترتيب؟” سألها بصوت منخفض. صمت قليلاً، ثم أومأ برأسه كما لو أنه تلقى إجابة أكيدة. “الحمد لله عجبتچ.”
الشمس بدأت بالهبوط، وألقت أشعتها البرتقالية على واجهات البيوت. أشعل حسين عود بخور ووضعه في زاوية الغرفة، ثم أخرج شمعة سوداء وأشعلها، وضعها وسط الطاولة، تمامًا كما كانت تفعل زينب في كل عام.
البيت بدا هادئًا بشكل غريب. كل شيء كان جاهزًا، لكن الغائبة الوحيدة لم تظهر بعد. مشى حسين بخطى ثقيلة نحو غرفة النوم زينب ، واختفى خلف بابها للحظات. وعندما عاد، لم يكن وحده.
كان يحمل بين ذراعيه مجسمًا خشبيًا صغيرًا لطفلة.
مجسم دقيق، بوجه طفلة في السادسة، ترتدي فستانًا ورديًا، وضفائرها السوداء الطويلة تنسدل على كتفيها. عيناها الواسعتان مطليتان بلونٍ لامع، كأنهما تحدقان مباشرة في من يقف أمامها. مشى نحو الطاولة بهدوء، وركن المجسم في المقعد الذي كانت زينب تجلس فيه كل عام. في تلك اللحظة، تهاوى الوهم. لم يكن هناك صوت. لم تكن هناك طفلة. كان هناك رجل وحيد، وطاولة بيضاء تحولت إلى مذبحٍ صغير للذكرى.
خرج حسين بعد نقل اغراض التوزيع للخارج وجلس على كرسي بلاستيكي بجانب الطاولة، عند الرصيف. بدأ الناس يمرّون. بعضهم توقف، ربت على كتفه، وقال كلمات المواساة.
“عظّم الله أجرك، أبو حسين… الله يرحمها… توزيع زينب ماكو مثله.” لم يردّ. اكتفى بإيماءة، وشعور بالغصة يشتعل في حلقه.
مرّ طفل صغير. تقدم حسين وناول كيسًا من الحلوى بيد مرتجفة. سقطت دمعة حارقة على يده، ثم تبعتها أخرى. حاول أن يبتسم، لكنه فشل.
ثم جاءت طفلة أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة… وبدأت الدموع تنهمر بحرية. لم يعد يخفيها. كان يوزع الحلوى والدموع معًا، كأن كل كيس هو وداع جديد، وكل نظرة لطفل هي ارتجاع لذاك الوجه الغائب الذي لا يغيب. وفي النهاية، جاء طفلٌ أخير، وأخذ آخر كيس من شكل القلب. فتحه وهو يمشي، فسقطت منه ورقة صغيرة مطوية. التقطها وقرأها تحت ضوء الشارع: “إذا وزّعتوا الحلوى بدوني… لا تنسوني.

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

ساعات الاربعة الاخيرة

ساعات الاربعة الاخيرة

ساعات الاربعة الاخيرة كان البرج الإسمنتي يضيق عليه مع كل رصاصة ترتطم بجدرانه. في البداية…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
16 يونيو 2026
اقرأ المزيد
حيث تنتهي الأسقف

حيث تنتهي الأسقف

حيث تنتهي الأسقف في قرية صغيرة محاطة بالتلال عاش الأقزام منذ أجيال طويلة. كانت بيوتهم…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
9 يونيو 2026
اقرأ المزيد
الثانية وسبع عشرة دقيقة

الثانية وسبع عشرة دقيقة

الثانية وسبع عشرة دقيقة كان أول ما لاحظته المحققة ليان حمزة في منزل فاضل هو…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
26 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


لا تنسوني

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 28 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

لا تنسوني

من مكانها في الغرفة، من الأريكة التي تجلس عليها دائما ، انطلق صوتها الطفولي، واضح ومشرق، يحمل تلك النبرة التي تجمع بين البراءة والإصرار:
“لا بابا، مو هيج! القلب لازم يصير أكبر… حتى يكفّي كل الحب للحُسين عليه السلام .” تسلل الضوء الخافت إلى غرفة الجلوس، يرسم هالة ناعمة على سطح الطاولة البيضاء البلاستيكية اللامعة. كان حسين، رجلٌ في منتصف العمر، ينحني فوقها بهدوء، يصفف أكياس الحلوى الملونة بعناية مفرطة. أصابعه الخشنة كانت تتحرك ببطء، كأنها تؤدي طقسًا مقدسًا، ترسم بها شكل قلب صغير في منتصف الطاولة. ابتسم حسين ابتسامة متعبة، امتزج فيها الحنين مع طمأنينة غامضة. لم يلتفت، كأن الصوت كان جزءًا من الهواء، وأجاب ببساطة: “حاضر، ست زينب. مثل ما تريدين بالضبط. قلب كبير.” بدأ يفكك الترتيب ويعيد بناءه من جديد، يوسع حدود القلب كما طلبت. “وهسه؟ زين هيج؟” سأل وهو يضع آخر كيس في موضعه. “إي، هسه أحسن.” وكان صوتها مصحوبًا بضحكة صغيرة. “ولا تنسى، كل وحدة بيها دعاء كميل الصغير اللي كتبناه البارحة. حتى اللي ياخذها، الله يحفظه. “ما أنسى أبد.” همس، كأنه يقطع وعدًا لا يقبل التراجع. “دعاؤك يوصل قبل الحلوى.” تابع عمله بصمت، يلتقط الحلوى الواحدة تلو الأخرى، يلفها، يضع الدعاء ويرتبها بدقة كأنها هدايا للغائبين. زينب بصوتها الناعم: “والملصقات التي كتبت. السلام عليك يا أبا عبد الله عليه السلام خلّيها بالنهاية، هي اللي تحضن التوزيع كله.” هز حسين رأسه موافقًا، وكأن كل شيء يجب أن يكون على ما يرام، تمامًا كما أرادت زينب.
بعد أن أنهى، خرج إلى الشارع حاملاً قطعة قماش سوداء كبيرة، مطرزة بخيوط ذهبية. وقف على سلم معدني صغير وبدأ بتثبيت الراية فوق باب المنزل.
“بابا، علّگها زين!” جاءت اوامر زينب. “حتى يشوفها الإمام من بعيد ويعرف هذا بيتنا!” ابتسم ونظر إلى الراية التي بدأت ترفرف مع نسمة الهواء المساء . شدّ آخر دبوس وقال: “تدللين يا روح أبوچ. راح يشوفها أكيد.” عندما نزل، أخرج هاتفه المحمول واتصل برقم يعرفه عن ظهر قلب.
“هلو أم زينب… إي، آني وزينب دنرتب… لا، بعدها متحمسة مثل كل سنة، يمكن أكثر هالسنة… أي، جبتلها الكاكاو أبو الأرنب، ما أقبلت بغيره… والعصير هم… لا، لا، ماكو بيبسي، تدرين بيها تگول ‘الغاز يوجع بطني’… كلشي تمام. خليچ مرتاحة انتي.”
أغلق الخط، أعاد الهاتف إلى جيبه، ثم توجه إلى صندوق سيارته، وأخرج منه كرتونة كبيرة مليئة بعلب العصير وقطع الكيك الصغيرة. حملها بحرص إلى داخل البيت، خطواته كانت مزيجًا من تعب وشوق، كأن كل خطوة تقربه من موعدٍ ينتظره القلب طوال العام. وضع الصندوق قرب الباب ونظر إلى الطاولة. عينيه لمعتا بلحظة رضا، كأنهما تبحثان عن تصفيق غير مسموع. “ها بابا، شرايج؟ حلو صار الترتيب؟” سألها بصوت منخفض. صمت قليلاً، ثم أومأ برأسه كما لو أنه تلقى إجابة أكيدة. “الحمد لله عجبتچ.”
الشمس بدأت بالهبوط، وألقت أشعتها البرتقالية على واجهات البيوت. أشعل حسين عود بخور ووضعه في زاوية الغرفة، ثم أخرج شمعة سوداء وأشعلها، وضعها وسط الطاولة، تمامًا كما كانت تفعل زينب في كل عام.
البيت بدا هادئًا بشكل غريب. كل شيء كان جاهزًا، لكن الغائبة الوحيدة لم تظهر بعد. مشى حسين بخطى ثقيلة نحو غرفة النوم زينب ، واختفى خلف بابها للحظات. وعندما عاد، لم يكن وحده.
كان يحمل بين ذراعيه مجسمًا خشبيًا صغيرًا لطفلة.
مجسم دقيق، بوجه طفلة في السادسة، ترتدي فستانًا ورديًا، وضفائرها السوداء الطويلة تنسدل على كتفيها. عيناها الواسعتان مطليتان بلونٍ لامع، كأنهما تحدقان مباشرة في من يقف أمامها. مشى نحو الطاولة بهدوء، وركن المجسم في المقعد الذي كانت زينب تجلس فيه كل عام. في تلك اللحظة، تهاوى الوهم. لم يكن هناك صوت. لم تكن هناك طفلة. كان هناك رجل وحيد، وطاولة بيضاء تحولت إلى مذبحٍ صغير للذكرى.
خرج حسين بعد نقل اغراض التوزيع للخارج وجلس على كرسي بلاستيكي بجانب الطاولة، عند الرصيف. بدأ الناس يمرّون. بعضهم توقف، ربت على كتفه، وقال كلمات المواساة.
“عظّم الله أجرك، أبو حسين… الله يرحمها… توزيع زينب ماكو مثله.” لم يردّ. اكتفى بإيماءة، وشعور بالغصة يشتعل في حلقه.
مرّ طفل صغير. تقدم حسين وناول كيسًا من الحلوى بيد مرتجفة. سقطت دمعة حارقة على يده، ثم تبعتها أخرى. حاول أن يبتسم، لكنه فشل.
ثم جاءت طفلة أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة… وبدأت الدموع تنهمر بحرية. لم يعد يخفيها. كان يوزع الحلوى والدموع معًا، كأن كل كيس هو وداع جديد، وكل نظرة لطفل هي ارتجاع لذاك الوجه الغائب الذي لا يغيب. وفي النهاية، جاء طفلٌ أخير، وأخذ آخر كيس من شكل القلب. فتحه وهو يمشي، فسقطت منه ورقة صغيرة مطوية. التقطها وقرأها تحت ضوء الشارع: “إذا وزّعتوا الحلوى بدوني… لا تنسوني.