حدود الامتلاء
على ضفة دجلة، في إحدى القرى التي كانت تستمد هدوءها من النهر وتقلباتها من البشر، قرر أبو عماد أن يدعو آمر الوحدة العسكرية التي هو منتسب فيها إلى مأدبة عشاء في داره. لم يكن مدفوعاً بمصلحة أو رغبة في مكسب، بل بتلك الفطرة الريفية التي ترى في الضيف مناسبة لاختبار الكرم.
منذ الصباح الباكر انشغل بالاستعداد. ذبح خروفاً سميناً اختاره بعناية، وأشرف بنفسه على إعداد الطعام. كان يريد أن تكون الأمسية تليق بضيوفه جميعاً. وحين أقبل المساء، امتلأت الدار بالمدعوين، وتعالت الأحاديث، وتداخلت الضحكات مع أصوات الطرفات التي لا تنتهي، فيما كان أبو عماد يتنقل بينهم مرتاح النفس وهو يرى الجميع يستمتعون بما قُدِّم لهم.
انتهت السهرة، وعاد الضيوف إلى المعسكر بما فيهم أبو عماد.
إلا أنه في فجر اليوم التالي، وبعد أن التحق الجميع بواجبهم، اقترب الآمر من أبي عماد. كان يبدو منزعجاً، وقال بصوت عالٍ:
ـ أصابني إسهال شديد منذ الليل.
نظر إليه أبو عماد بهدوء وسأله:
ـ وهل أصاب أحداً غيرك؟
أجاب:
ـ لا.
ساد صمت قصير، كأن الكلمات وقفت على عتبة معنى لا تريد الإفصاح عنه.
ثم قال أبو عماد:
ـ غريب… لم أسمع أن أحداً من الحاضرين اشتكى شيئاً.
وتوقف عند هذا الحد، لكن شيئاً آخر كان يقف خلف الكلمات، شيئاً لم يُقَل صراحة. لم يكن يشكك في الرجل، ولم يكن يدافع عن الطعام، بقدر ما كان يتأمل في طبيعة الإنسان. كان يعرف أن للمعدة حدوداً كما للنفس حدوداً، وأن النعمة حين تتجاوز حاجتها قد ترتدي ثوب العقوبة. ثم أراد أن يقول، دون أن يقول:
“إن التخمة لا تأتي دائماً من الطعام نفسه، بل من الإفراط فيه. غير أن الحيوان إذا تُرك لشهوته قد يواصل الأكل حتى يرهقه الامتلاء، أما الإنسان فقد مُنح عقلاً ليعرف متى يكتفي.”
غير أن ثمة أشياء لا تُقاس بحجمها، بل بما تكشفه عن النفس البشرية. فالولائم ليست لحماً يُؤكل فحسب، كما أن الجوع لا يسكن المعدة وحدها. هناك جوع آخر يسكن الرغبات، ويتوارى خلف العادات، ويطل برأسه حين يظن المرء أن بوسعه أن يأخذ أكثر مما يحتاج. فالرغبة نهرٌ إذا لم تُضبط ضفافه فاض على صاحبه، والشهوة نارٌ كلما أُلقي فيها المزيد طلبت المزيد.
وكان أبو عماد يدرك أن تلك الكلمات تلامس جوهر ما حدث من غير أن تسميه. فالإفراط، مهما اختلفت صوره، يترك أثره كما تترك الأمطار الغزيرة أخاديدها في الأرض. وليس الامتلاء دائماً امتلاء معدة؛ فقد تمتلئ النفوس بالطمع، وتمتلئ الألسن بالكلام، وتمتلئ الأيدي بالسلطة أو المال، حتى يصبح الفائض عبئاً على صاحبه. وما كل عقوبة تأتي من الخارج، فبعض العقوبات تنبت بصمت في قلب التجاوز نفسه.
لم يشرح أبو عماد شيئاً، ولم يوجه اتهاماً لأحد. ترك كلماته معلقة في الهواء كأوراق شجرة على ضفة النهر، تتولى الريح تفسيرها لمن أراد أن يفهم.
أما الآمر فظل صامتاً، وربما أدرك متأخراً، أو لم يدرك أبداً، أن المشكلة لم تكن فيما وُضع على المائدة، بل فيما تجاوز حدود الحاجة فوق تلك المائدة.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت الحادثة عالقة في ذاكرة أبي عماد، لا لأنها تتعلق بإسهال أو وليمة، بل لأنها ذكّرته بحقيقة قديمة: أن الإنسان نادراً ما يتعثر بسبب ما ينقصه، لكنه كثيراً ما يسقط تحت ثقل ما يزيد عن حاجته؛ فبعض الفيض أثقل من النقص، وبعض الامتلاء بداية فراغ كبير.
أبو الحسنين الدعساوي
عدنان لفتة السماوي
التعليقات