حين انقطع الوتر
في أكثر لحظات الطفولة رسوخاً في الذاكرة، تلك التي لا يمحوها الزمن مهما تراكمت فوقها السنوات، كان يجد نفسه حرّاً من قيود المكان والزمان، محلّقاً في فضاء لا تحدّه الجدران ولا تقيّده الأوامر. هناك، في تلك السنوات البعيدة، كان يجلس مأخوذاً بسحر صوت الربابة وهي تشق سكون الريف، فينساب لحنها من وترٍ واحد ليملأ قلبه الصغير بفرح غامض لا يعرف له تفسيراً.
لم يكن يومها يدرك أن الموسيقى ليست مجرد أصوات متناثرة في الهواء، بل لغة أخرى للروح، تتحدث حين تعجز الكلمات عن البوح. كان يستمع إليها دون أن يفقه معاني الأغنيات المرافقة لها، لكن شيئاً عميقاً في داخله كان يفهمها بطريقته الخاصة؛ إذ كانت توقظ فيه أحاسيس مبهمة، وتفتح أمام خياله أبواباً لعوالم لم يرها قط. وربما لهذا السبب ظل مشدوداً إليها، وكأنها تنادي جزءاً خفياً من ذاته لم يكن قد اكتشفه بعد.
كان طفلاً كثير الصمت، يحمل في داخله ما يفوق قدرته على التعبير. وحين تضيق به المسافات، كان يلجأ إلى الخيال ليصنع عالمه الخاص. لذلك وجد في الربابة ملاذاً سرياً ومساحة صغيرة يهرب إليها من ضيق الواقع ومن القيود التي كانت تحيط بحياته اليومية. لم تكن بالنسبة له مجرد آلة موسيقية، بل وعداً بالتحرر، ونافذة يطل منها على حياة أكثر اتساعاً وجمالاً.
راح يسأل عن طريقة صنعها، يتتبع التفاصيل بشغف العاشق الذي يسعى للوصول إلى حلمه. علبة صفيح فارغة متوسطة الحجم، وخشبة مستقيمة، ونتوءان يثبت بينهما الوتر، ثم قوس بسيط يُشد إليه وتر آخر ليولد النغم المنتظر. بدت له العملية سهلة، لكنها في داخله كانت أشبه ببناء جسر نحو عالم آخر، عالم يستطيع فيه أن يقول ما يعجز عنه الكلام.
وحين اكتملت الربابة بين يديه، لم يرَ فيها مجرد قطعة صنعها بجهده المتواضع، بل رأى حلماً يتجسد أمامه. أخذ يتخيل نفسه عازفاً ماهراً، يطلق الألحان كما يفعل أولئك المطربون الذين كان يسمعهم من بعيد. كان خياله يسبح في فضاءات واسعة؛ فمرة يرى النغم مطراً يلامس أوراق الأشجار، ومرة يسمعه هديل حمام عند الغروب، وأخرى يتخيله صوت الريح وهي تمر فوق الحقول، حاملة معها أسرار الأرض والسماء.
ومع كل صورة كانت تتشكل في ذهنه، كان يشعر بأن شيئاً من القيود التي تثقل روحه يتلاشى. فالإنسان، حتى وهو طفل، يحتاج إلى مساحة يحلم فيها، وإلى نافذة يطل منها على ذاته بعيداً عن أعين الآخرين. وربما كانت أحلام الطفولة، مهما بدت بسيطة، هي أكثر الأحلام صدقاً؛ لأنها لم تتلوث بعد بحسابات الربح والخسارة، ولم تُقيدها شروط الواقع الصارمة.
وحين حانت لحظة التجربة الأولى، اختلى بنفسه في غرفة طينية صغيرة تُستخدم لخزن بعض الحاجيات. جلس هناك بين الخوف والرجاء؛ يخشى أن تخذله يداه، ويرجو أن يسمع ذلك الصوت السحري الذي طالما سكن مخيلته. كانت اللحظة بالنسبة له أشبه بلقاء طال انتظاره بين الحلم وصاحبه.
مرر القوس على الوتر لأول مرة…
لكن الحلم لم يمهله طويلاً .فجأة ارتسم أمامه شبح طويل بدا له في تلك اللحظة أكبر من كل شيء. رفع رأسه مذعوراً، فرأى هيئة ضخمة تقترب منه. امتدت يد قوية نحو الربابة، وانتزعتها من بين يديه، ثم هوت بها على الأرض بعنف. انكسر الخشب، وانطبق العود على الصفيحة، وانقطع الوتر الذي كان يحمل أحلامه كلها.
تجمد في مكانه للحظات، عاجزاً عن استيعاب ما جرى. لم يكن يرى أمامه ربابة تحطمت فحسب، بل كان يرى شهوراً من الترقب والشغف تنهار دفعة واحدة. وحين رفع بصره، أدرك أن ذلك الكائن الأسطوري الذي خيّل إليه أنه خرج من عالم الحكايات لم يكن سوى والده. وما هي إلا لحظة حتى جاءت الصفعة التي أدارت رأسه، ثم دوّى الصوت الغاضب:
“أكاولي هنا؟”
لم يكن أمامه سوى أن يذرف الدموع بتنهد خافت، ويحاول الاختباء عن أنظار بقية أفراد الأسرة. كان يجاهد لإخراج تلك الدموع الحبيسة في المآقي، منتظراً مرور الوقت وتبدل الأحوال، حتى ينسى الجميع واقعة الربابة. ومع الأيام أصبحت الحادثة تُستذكر بين الحين والآخر بوصفها موقفاً عابراً من مواقف الطفولة، يبعث شيئاً من الضحك أو الدهشة.
أما هو، فلم تكن كذلك أبداً.
ومع مرور الأعوام، لم يعد يتذكر ألم الصفعة بقدر ما يتذكر ذلك الطفل الذي كان يؤمن أن العالم يمكن أن يُصنع من علبة صفيح ووتر مشدود وكثير من الأحلام. أدرك لاحقاً أن الحياة لا تكسر الأشياء فحسب، بل تكسر أحياناً الطرق التي نحاول بها الوصول إلى ذواتنا، وتغلق بعض الأبواب التي نظنها مشرعة على مصراعيها. غير أن بعض الهزائم الصغيرة التي نتعرض لها في الطفولة لا تنتهي عند حدود الخسارة، بل تتحول إلى بذور خفية تستقر في الأعماق، لتنمو بصور أخرى مع الزمن.
لقد بقي الوتر مقطوعاً، وبقيت الربابة حطاماً في زاوية بعيدة من الذاكرة، لكن شيئاً آخر لم ينكسر. كان ذلك الشغف الغامض الذي يسكن الروح منذ طفولتها الأولى، وتلك الرغبة الدائمة في التحليق خارج حدود الواقع. فالربابة التي تحطمت ذات يوم لم تمت تماماً، وإنما تحولت إلى حنين طويل، وإلى صوت داخلي خافت ظل يرافقه كلما مرّ بلحظة صمت أو تأمل، يذكره بأن الروح التي تبحث عن الجمال لا تتوقف عند انقطاع وتر، وأن الأحلام الصادقة قد تتعثر، وقد تُؤجل، لكنها لا تغادر أصحابها أبداً.
ولهذا، كلما استعاد تلك الحادثة، لم يرَ طفلاً أخفق في العزف على الربابة، بل رأى روحاً صغيرة كانت تبحث، بطريقتها البسيطة والبريئة، عن نافذة تطل منها على الحرية والجمال. وربما كانت تلك المحاولة، على بساطتها، أول درس عميق تعلمه في حياته: أن بعض الأحلام لا تتحقق كما نريد، لكنها تظل قادرة على تشكيلنا من الداخل، وتبقى تعزف ألحانها في الأعماق حتى بعد أن يصمت الوتر بسنوات طويلة. لذا هناك، في مكان ما من أعماق الروح، ما يزال ذلك الطفل جالساً في غرفته الطينية، ممسكاً بربابته الصغيرة، ينتظر أن يمنحه الزمن فرصة أخرى ليكمل اللحن الذي انقطع ذات يوم.
اسماعيل آلرجب
أبو الحسنين الدعساوي
التعليقات