شرود ذهني

صورة الكاتب
بقلم: اسماعيل آلرجب
التاريخ: 15 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2453
شرود ذهني

شرود ذهني..

استيقظت حينها لأجد مقعدي محاصراً بالمعدن، أصوات ولغط: “أسرعوا بإعادة السيارة لوضعها الطبيعي، أخرجوه منها قبل أن تنفجر!!”.
ضجيج من الأصوات اللاهثة كأنها تصدر من اعماق بئر سحيق ، انفتحت عيناي على اتساعهما، لكنّ وهج الضوء الأبيض اجبرني على اغماضها!!
كائنات مطاطية كالخفافيش تتمدد وتتقلص، خيوط بيضاء تتشابك . الهواء صار لزجاً اُزيحه باصابع يدي كي اتنفس ، البنايات تبدو لي كأنياب الفيل تتطاول في السماء، السيارات وحوش تزأر ، تنفث من خياشيمها الدخان ،اكاد اختنق بغبار المدينة. كل شيء صار كأنّي أراه أول مرّة، غريباً ، محيّراً ومفزعا، وكأنّي خُلقت للتو في هذا العالم أو أنّ العالَم خُلق للتو.
انطلق هائماً على وجهي في الأزقة ،الجدران تتنفس، تضيق حتى تلامس كتفيَّ، ثم تتسع فجأة لتصبح براري شاسعة . ظلّي يسبقني، ينفصل عنّي، يمشي بوقار امامي.
التقيتُ بائع خبز، جذبتُ إليَّ رغيفا ساخناً كأنّه
قرص شمس ، تلك الرائحة الدافئة الشهية ، التقطتُ رغيفاً ووضعتُه بين كفيَّ ، قبل أن استوعب لسعة النار، هبطت على كتفي يد ثقيلة، وصوت جهوري يصرخ بي بكلمات مبهمة: “هات الثمن أيها السّارق!”.
الثمن؟ السرقة؟ كلمات لا معنى لها عندي. انظر إلى وجه البائع فأرى لوحة “تكعيبية” مشوهة من الغضب، عيناًه على جانبي خدّيه ، وفمه يتحرك في منتصف الجبين ، تنطلق منه الحروف كالفراشات ، لتلتصق ارجلها المنشارية على وجهي ،
هربتُ ، اركض بلا وجهة، تدفعني غريزة حيوان مطارد ، تلاحقني نظرات مريبة ، اسمع عواء ذئاب ، نباح كلاب ، مواء قطط ، زئير اسود، فحيح افاعي ،والمدينة كلها بدت تطوي شوارعها خلفي كسجادة لتمنعني من التراجع.
”لقد أصبحتُ في نظر الناس متشرداً خطراً”.
اتحسس نبرة الصوت (غضب، حنان، تهديد) لأفهم نوايا الآخرين ، قادتني قدماي لأجد نفسي جالساً على حافة النهر قبل الغروب ، أرى فيه ساعات حائط محطمة، قطع صدئة من الحديد ، هياكل عظمية ، جماجم تبدو اسنانها ضاحكة ، ووجوه لأشخاص يبتسمون ثم يذوبون فيه كما يذوب الملح.
كنتُ انظر إلى صورة على سطح الماء لكنّها لم ترشدني إلى ملامحي ، ولاملامح أيّ شخص اعرفه ، كان الوجه الذي في الماء يتغير ؛ مرة يصير وجه طفل يبكي، ومرة وجه عجوز تُخفي التجاعيد ملامحها، ثمّ يتلاشى تماماً ، كنتُ اصرخ في المدى، لكن كلماتي ما ان تلامس الهواء حتّى تتحوّل إلى طيور سوداء تحوم حولي ، ثمّ تختفي ”.
تغيّركلُّ شيءٍ في حياتي بعد الحادث الأليم ، كنت اضغط دون وعي على دواسة البانزين، لم احسب حساباً لمفاجآت الطريق ، كنتُ مشغولا للوصول بأقصى سرعة إلى المستشفى ، حين اتصل ولدي ليخبرني ان والدته حالتها خطرة وهي ترقد الآن في المستشفى …

عن الکاتب / الکاتبة

اسماعيل آلرجب
اسماعيل آلرجب
قاص وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب)  للكاتب التشيكي فرانز كافكا

قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب) للكاتب التشيكي فرانز كافكا

قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب) للكاتب التشيكي فرانز كافكا   سنحاول تلخيص القراءة على…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
1 يونيو 2026
اقرأ المزيد
صبحة

صبحة

صبحة ينقشع ضباب الفجر في اول اطلالة ضوء على وجه “صبحة”، وجهٌ حفر فيه ازميل…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
25 مايو 2026
اقرأ المزيد
احتفال في كيس الطّحين

احتفال في كيس الطّحين

احتفال في كيس الطّحين   لاتنسي صديقكِ وانتِ تقظمين البسكوت ، هشّا ، مقرمشا، ،…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
17 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شرود ذهني

بقلم: اسماعيل آلرجب | التاريخ: 15 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

شرود ذهني..

استيقظت حينها لأجد مقعدي محاصراً بالمعدن، أصوات ولغط: “أسرعوا بإعادة السيارة لوضعها الطبيعي، أخرجوه منها قبل أن تنفجر!!”.
ضجيج من الأصوات اللاهثة كأنها تصدر من اعماق بئر سحيق ، انفتحت عيناي على اتساعهما، لكنّ وهج الضوء الأبيض اجبرني على اغماضها!!
كائنات مطاطية كالخفافيش تتمدد وتتقلص، خيوط بيضاء تتشابك . الهواء صار لزجاً اُزيحه باصابع يدي كي اتنفس ، البنايات تبدو لي كأنياب الفيل تتطاول في السماء، السيارات وحوش تزأر ، تنفث من خياشيمها الدخان ،اكاد اختنق بغبار المدينة. كل شيء صار كأنّي أراه أول مرّة، غريباً ، محيّراً ومفزعا، وكأنّي خُلقت للتو في هذا العالم أو أنّ العالَم خُلق للتو.
انطلق هائماً على وجهي في الأزقة ،الجدران تتنفس، تضيق حتى تلامس كتفيَّ، ثم تتسع فجأة لتصبح براري شاسعة . ظلّي يسبقني، ينفصل عنّي، يمشي بوقار امامي.
التقيتُ بائع خبز، جذبتُ إليَّ رغيفا ساخناً كأنّه
قرص شمس ، تلك الرائحة الدافئة الشهية ، التقطتُ رغيفاً ووضعتُه بين كفيَّ ، قبل أن استوعب لسعة النار، هبطت على كتفي يد ثقيلة، وصوت جهوري يصرخ بي بكلمات مبهمة: “هات الثمن أيها السّارق!”.
الثمن؟ السرقة؟ كلمات لا معنى لها عندي. انظر إلى وجه البائع فأرى لوحة “تكعيبية” مشوهة من الغضب، عيناًه على جانبي خدّيه ، وفمه يتحرك في منتصف الجبين ، تنطلق منه الحروف كالفراشات ، لتلتصق ارجلها المنشارية على وجهي ،
هربتُ ، اركض بلا وجهة، تدفعني غريزة حيوان مطارد ، تلاحقني نظرات مريبة ، اسمع عواء ذئاب ، نباح كلاب ، مواء قطط ، زئير اسود، فحيح افاعي ،والمدينة كلها بدت تطوي شوارعها خلفي كسجادة لتمنعني من التراجع.
”لقد أصبحتُ في نظر الناس متشرداً خطراً”.
اتحسس نبرة الصوت (غضب، حنان، تهديد) لأفهم نوايا الآخرين ، قادتني قدماي لأجد نفسي جالساً على حافة النهر قبل الغروب ، أرى فيه ساعات حائط محطمة، قطع صدئة من الحديد ، هياكل عظمية ، جماجم تبدو اسنانها ضاحكة ، ووجوه لأشخاص يبتسمون ثم يذوبون فيه كما يذوب الملح.
كنتُ انظر إلى صورة على سطح الماء لكنّها لم ترشدني إلى ملامحي ، ولاملامح أيّ شخص اعرفه ، كان الوجه الذي في الماء يتغير ؛ مرة يصير وجه طفل يبكي، ومرة وجه عجوز تُخفي التجاعيد ملامحها، ثمّ يتلاشى تماماً ، كنتُ اصرخ في المدى، لكن كلماتي ما ان تلامس الهواء حتّى تتحوّل إلى طيور سوداء تحوم حولي ، ثمّ تختفي ”.
تغيّركلُّ شيءٍ في حياتي بعد الحادث الأليم ، كنت اضغط دون وعي على دواسة البانزين، لم احسب حساباً لمفاجآت الطريق ، كنتُ مشغولا للوصول بأقصى سرعة إلى المستشفى ، حين اتصل ولدي ليخبرني ان والدته حالتها خطرة وهي ترقد الآن في المستشفى …