مقصلة العادات

صورة الكاتب
بقلم: أبو الحسنين الدعساوي
التاريخ: 15 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2425
 مقصلة العادات

مقصلة العادات

في تلك البلدة التي لا تسمع فيها سوى زقزقة العصافير وصوت المعاول كانت حياة المراة مرسومة قبل ان تولد يد تغرس في الحقل واخرى تكنس الدار وصوت يختنق خلف حدود الحناجر كنت طفلة تظن ان العالم ينتهي عند حدود مزرعة ابي وان الزواج ليس الا ثوبا ناصعا وموسيقى تزفنا نحو البهجة
ولم اكن اعلم ان خلف تلك الموسيقى صفقات تعقد في جلسات الرجال يقرر فيها مصيري بكلمة تم وبنفخة تبغ من افواه لا تدرك ملامح احلامي تزوجت وانا احتضن في خيالي عروستي القماشية التي صنعتها لي امي من بقايا ثوب قديم انتقلت من حضن الحنان الى بيت بارد والى رجل اكبر مني سنا هناك سقط القناع سريعا فلم اكن زوجة بل كنت الة عمل لا تملك حق المشورة
في ليلة سكنها صمت ثقيل وبعد يوم من الكد في الحقول
في ليلة سكنها صمت ثقيل وبعد يوم شاق من الكد في الحقول اقتربت منه اجر خطاي المتعبة لاضع امامه طبق العشا كان الصمت ينهش روحي فقررت ان اكسر القيد ولو لمرة واحدة قلت له بصوت خفيض يحاول استجماع شتاته
الى متى سنعيش هكذا اعمل كخادمة ولا راي لي في شي اريد ان اشعر انني انسانة لي حق الاختيار في حياتنا
توقف عن الاكل فجاة ورمى الرغيف من يده ثم التفت الي وعروق رقبته بارزة من الغضب وصاح بصوت هز اركان البيت
من انت لكي تتكلمين معي مجرد امراة رضيت ان اتزوجك وغيرك كثيرات لقد دخلت داري لتكوني ظلا لرجولتي لا لتقفي ندا لي في عرفنا المراة صمتها سترها وكلامها عار ومن ترفع عينها في وجه زوجها لا تستحق البقا تحت سقفه نحن لا نشتري النسا لنتشاور معهن بل لنحفظ بهن الانساب ونعمر بهن البيوت
نظرت اليه بجمود وقد انكسر اخر خيط كان يربطني بهذا المكان وقلت له بكلمة واحدة هزت جبروته
اذن قلها ولا تبتس فالخروج من هذا الباب بالخسارة هو اول فوز حقيقي لي
قلت له وانا استجمع شتات نفسي
في وحدتي بعد ذلك كنت استعيد ذكرى امي يدها الخشنة كجذع نخلة هرمت في بستان شققتها الحقول واتعبها كد السنين لكنها على راسي كانت ارق من الحرير كنت اتسال كيف لامراة تملك كل هذا الحنان ان تعيش في عالم يغتال رايها وكيف لي ان استمر في حياة اعامل فيها كخادمة بينما قلبي يتضور جوعا لكرامة الاختيار
انتهت الحكاية بكلمة واحدة عدت بعدها الى دار اهلي احمل لقبا ينهش في سمعة النسا في بلدي قبل عامين فقط كنت اركض في فناء الدار احتضن دميتي المحشوة بالقش اضحك للدنيا وتضحك لي واليوم انظر في المراة فارى امراة هزمتها قرارات لم تشارك فيها لكنها استردت وجهها اخيرا
انا اليوم لست مجرد مطلقة انا الناجية الوحيدة من حكم بالاعدام النفسي
رحلت ولم اصمت لكي لا يطوى قيد الصغيرات كما طوي قيدي صرخت في وجه تلك المقصلة لعلي اوقف النصل قبل ان يصل الى اعناق الحالمات بعدي
انا اليوم لست ناجية فحسب بل انا الصوت الذي ابى ان يدفن حيا لعل طفلة واحدة في قريتي تنجو بسببي وتقول للظلم لا

عن الکاتب / الکاتبة

أبو الحسنين الدعساوي
أبو الحسنين الدعساوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أرواح في السراديب

أرواح في السراديب

أرواح في السراديب في البداية، لم أكن أشعر بالغربة في هذا السرداب البارد، فعندما أُغلق…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
6 يونيو 2026
اقرأ المزيد
بوابة تابيرا

بوابة تابيرا

بوابة تابيرا في ليلة شتاء شديدة المطر والعواصف، كنت أهرب من ضجيج الهاتف وتقليب القنوات،…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
30 مايو 2026
اقرأ المزيد
كَفَن أسود

كَفَن أسود

إلى الذين لا يخدعهم بريق المظاهر، ويعرفون أن نقاء الروح لا يحتاج لشهادة من أحد.…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
19 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


 مقصلة العادات

بقلم: أبو الحسنين الدعساوي | التاريخ: 15 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

مقصلة العادات

في تلك البلدة التي لا تسمع فيها سوى زقزقة العصافير وصوت المعاول كانت حياة المراة مرسومة قبل ان تولد يد تغرس في الحقل واخرى تكنس الدار وصوت يختنق خلف حدود الحناجر كنت طفلة تظن ان العالم ينتهي عند حدود مزرعة ابي وان الزواج ليس الا ثوبا ناصعا وموسيقى تزفنا نحو البهجة
ولم اكن اعلم ان خلف تلك الموسيقى صفقات تعقد في جلسات الرجال يقرر فيها مصيري بكلمة تم وبنفخة تبغ من افواه لا تدرك ملامح احلامي تزوجت وانا احتضن في خيالي عروستي القماشية التي صنعتها لي امي من بقايا ثوب قديم انتقلت من حضن الحنان الى بيت بارد والى رجل اكبر مني سنا هناك سقط القناع سريعا فلم اكن زوجة بل كنت الة عمل لا تملك حق المشورة
في ليلة سكنها صمت ثقيل وبعد يوم من الكد في الحقول
في ليلة سكنها صمت ثقيل وبعد يوم شاق من الكد في الحقول اقتربت منه اجر خطاي المتعبة لاضع امامه طبق العشا كان الصمت ينهش روحي فقررت ان اكسر القيد ولو لمرة واحدة قلت له بصوت خفيض يحاول استجماع شتاته
الى متى سنعيش هكذا اعمل كخادمة ولا راي لي في شي اريد ان اشعر انني انسانة لي حق الاختيار في حياتنا
توقف عن الاكل فجاة ورمى الرغيف من يده ثم التفت الي وعروق رقبته بارزة من الغضب وصاح بصوت هز اركان البيت
من انت لكي تتكلمين معي مجرد امراة رضيت ان اتزوجك وغيرك كثيرات لقد دخلت داري لتكوني ظلا لرجولتي لا لتقفي ندا لي في عرفنا المراة صمتها سترها وكلامها عار ومن ترفع عينها في وجه زوجها لا تستحق البقا تحت سقفه نحن لا نشتري النسا لنتشاور معهن بل لنحفظ بهن الانساب ونعمر بهن البيوت
نظرت اليه بجمود وقد انكسر اخر خيط كان يربطني بهذا المكان وقلت له بكلمة واحدة هزت جبروته
اذن قلها ولا تبتس فالخروج من هذا الباب بالخسارة هو اول فوز حقيقي لي
قلت له وانا استجمع شتات نفسي
في وحدتي بعد ذلك كنت استعيد ذكرى امي يدها الخشنة كجذع نخلة هرمت في بستان شققتها الحقول واتعبها كد السنين لكنها على راسي كانت ارق من الحرير كنت اتسال كيف لامراة تملك كل هذا الحنان ان تعيش في عالم يغتال رايها وكيف لي ان استمر في حياة اعامل فيها كخادمة بينما قلبي يتضور جوعا لكرامة الاختيار
انتهت الحكاية بكلمة واحدة عدت بعدها الى دار اهلي احمل لقبا ينهش في سمعة النسا في بلدي قبل عامين فقط كنت اركض في فناء الدار احتضن دميتي المحشوة بالقش اضحك للدنيا وتضحك لي واليوم انظر في المراة فارى امراة هزمتها قرارات لم تشارك فيها لكنها استردت وجهها اخيرا
انا اليوم لست مجرد مطلقة انا الناجية الوحيدة من حكم بالاعدام النفسي
رحلت ولم اصمت لكي لا يطوى قيد الصغيرات كما طوي قيدي صرخت في وجه تلك المقصلة لعلي اوقف النصل قبل ان يصل الى اعناق الحالمات بعدي
انا اليوم لست ناجية فحسب بل انا الصوت الذي ابى ان يدفن حيا لعل طفلة واحدة في قريتي تنجو بسببي وتقول للظلم لا