أرواح في السراديب
في البداية، لم أكن أشعر بالغربة في هذا السرداب البارد، فعندما أُغلق الباب علي لأول مرة، كانت أصوات بكاء أبنائي وزوجتي تملأ المكان، وكان دعاؤهم ومواساتهم تصلني كطوق نور يكسر عتمة القبر، وكنت أستأنس بوقع أقدامهم المألوفة وهم يقتربون من عتبتي كل يوم خميس، حتى كنت أقول لنفسي باطمئنان إنني تركت في الدنيا من لن ينساني أبدا، لكن الدنيا سارقة، والوقت يمحو الملامح والعهود، فمع مرور السنوات تباعدت الخطوات، ثم خفتت، حتى انقطعت تمامًا وصار سردابي مهجورًا يملأه الصمت والتراب، ولا يطرق بابه أحد، وفي المقابل، وعلى بعد خطوتين فقط مني في السرداب المجاور، يرقد شاب رحل عن الدنيا باكرا، لكن هذا الجار لا يعرف سردابه معنى العتمة الطويلة، فأهله لا يتركونه أبدا، وفي كل أسبوع وفي كل عيد، أسمع حفيف ثيابهم ووقع أقدامهم وهي تقترب بلهفة، وفي كل مرة يدق قلبي الروحي بشدة وأقول في نفسي بلهفة طفل لقد جاؤوا أخيرا، هذه خطوة ابنتي وهذا صوت ابني الأكبر، لكن الخطوات المريرة تتجاوز بابي المظلم دون التفاتة وتتوقف عند جاري الشاب، لتتركني واقفًا خلف جدار سردابي أنظر إلى النور المتسلل من فتحة جاري، مستمعا لصوت أمه وهي تبكي وتشكو له شوقها، ولإخوته وهم يرتلون القرآن بصوت عذب يملأ الممر رحمة وسكينة، وفي تلك اللحظات تحديدا، ألتفت إلى أركان سردابي المظلمة وأبكي بحرقة لا يعلمها إلا الله، ولم يكن بكائي حسدا لـجاري، فالله يعلم أني أفرح للنور الذي يدخل عليه، ولكنها حسرة الخذلان وعتاب مرير للأحياء كنت أود لو أملك صوتاً يخترق جدار التراب ليصيح في وجوههم ويسألهم إن كانت مشاغل الدنيا قد أنستهم أباهم الذي أفنى عمره لأجلهم، فنحن هنا لا نريد قصورا ولا مالاً، بل نتغذى على الدعاء ونستأنس بالسلام، والزيارة لنا كالمطر الذي يحيي الأرض القاحلة، وأنا أرضي قد أجدبها نسيانهم تمامًا، وعندما يحل المساء ويبدأ صوت أقدام الزوار بالتلاشي في الأفق، وأسمع صرير البوابة الخارجية للمقبرة وهي تغلق معلنة نهاية وقت الزيارة، ينطفئ آخر بريق للأمل في نفسي، فيجلس جاري مستأنساً بنور دعاء أهله الذي يضيء عتمته، بينما أعود أنا أجر أذيال الخيبة في الظلام، متوسداً وحدتي الباردة، مستسلما لصمت السرداب الطويل، وأنا أنتظر أسبوعا آخر لعل قلب أحدهم يحن، ويخطو نحو سردابي ليهمس في عتمتي السلام عليك يا أبي، معذرة على الغياب.
عدنان لفتة السماوي
د. اسماعيل مروة
داود سلمان عجاج
التعليقات