الحرمان

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 4 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2349
الحرمان

الحرمان

 

يعيشُ في قريةٍ فلاحيةٍ تنتشر على سفوحِ تلال طويلة متعرجة، غرفٌ طينيةٌ تتشابه في طريقة بنائها عدا البعض منها هنا وهناك إذ تبدو أكثر تطوراً، تشابهٌ في طبيعة سكانها، في تعاملِهم وحتى في ملبسِهم، الصبيةُ كأنهم إخوة يرتدون الدشاديش المقلمة بملامحٍ طفوليةٍ بريئةٍ، حدود العالم عندهم لا يتجاوز النهر الذي شق مجراه عبر السنين من الجهة الشرقية وامتداد البصر وتطابقه مع الأُفق من ناحية الغرب..

فقرٌ مدقعٌ فيها جثى على الصدور لسنين طوال إلا لمن حالفهم الحظ إذا توفرت لأحد من الأبناء فرصة عمل في إحدى الشركات الاجنبية المشهورة في مختلف أصقاع الأرض أو بمعملٍ من المعامل الموزعة قرب المدن، لم تتوفر تلك الفرصة لأحد منهم وعليه فلابد من تكاتف اُسرته لتوفر لنفسِها على الأقل رغيف الخبز ليسد رمق ذلك اليوم الذي هم فيه، عليه أن يعمل في رعي المواشي عصر كل يوم أثناء الدراسة كونه أكبر إخوته ولابد أن ينجح، لابد من ذلك، يعاون الأهل في الزراعة الصيفية لمختلفِ الخضار كذلك في حصاد الحنطة والشعير وعزل البذور عن القش ومن ثم تحويله إلى التبن ليكون علفاً للحيوانات في أثناء فصل الشتاء، عملٌ دؤوبٌ متعبٌ يكاد يأخذ العطلة الصيفية كلها، تلفحُ الشمسُ الحارقةُ تلك الوجوه المتعبة أصلاً.

تمكنت الأُسرة بعد فترةٍ من الزمن من شراء دراجة هوائية قديمة له ليساعده على الذهاب مبكراً إلى الحقل والعودة سريعاً إن تطلب الموقف منه ذلك، يعتني بها كثيراً، كيف لا وهي قد أراحته من عناءِ الطريق الترابي المتعرج بين الحقول المترامية الأطراف، يمسحها في كلِ مساءٍ من أثر التراب ثم يركنها في مكانٍ عُمل خصيصاً لها، تُمثل له كل شيء، وهو يقودها يشعر بسعادة لا توصف، يحرك لسان الجرس اليدوي البارز من على جهة اليسار من المقود الحديدي بإبهامه مطلقاً موسيقى تطرب لها نفسه فيزداد بهجة وسروراً لكنه يعود إلى نفسه فيتذكر حالة أُسرته وحاجتهم الكبيرة إلى متطلبات الحياة اليومية التي أصبحت تزداد يوماً بعد يوم صعوبةً فيداهمه الحزن الشديد، لكنه مع هذا يعود إلى ما يمكن تقديمه فيزداد معها اصرارا على النجاح والتفوق في دراسته الاعدادية، يحصلُ على نتائجٍ طيبةٍ في نهايةِ كل عام، يشعرُ معها بالفخرِ ليتجاوز معها مسألة الفقر والفاقة.

يستعد في ظهيرة إحدى أيام شهر تموز للذهابِ إلى الحقل واستلام الحصة المقررة له من ماء السقي، يصل المكان الذي يتم فيه توزيع جدول السقي المتتالي، فكلٌ يعرف بأنه يسقي بعد حقل فلان وإن لم ينتهي بعد فعليه أن ينتظر إلى أن يكمل ري حقله، يجلس في ظلٍ يتكون من سيقان الأشجار المقطوعة لتكون هيكلاً لذلك الظل ثم تم تغطية السقف بالأغصان الطرية لسد الفراغات كلها، يجلس ينتظر دوره بشكلٍ مجانب بحياءٍ مفرطٍ كون المسؤولة عن توزيع تلك الحصص لذلك اليوم شابة جميلة تصغره بقليل وعلى ما يبدو بأن أفراد أُسرتها مشغولون بأعمال اُخرى كونهم يمتلكون جرار كبير حديث ومحراث فضلاً عن سيارةٍ خاصة لنقلهم، شاهدها لأول مرة تمتلك جمالا وأُنوثة بشكلٍ مفرط قد لا يتصوره العقل، ولديها إمكانية التعامل مع الفلاحين بدون أية حراجة متجاوزة عمرها القليل والفارق الكبير في العمر معهم، اختلى المكان ليبقى هو معها فقط، يُحاول عدم إظهار أي ارتباك أمامها، يخفض رأسه، يفكر.

– عليّ أن أكون أكثر اتزاناً واحترمها بقدر كبير لأني تربيت على ذلك منذ نعومة أظفاري.

تبدأ التحديق في وجهه، تطيل النظر فيه، يحسُ بتنملٍ في شِقه الأيمن المواجه لها، يشعر بأنها قد ثبتت عينيها صوبه، ناظرة إليه بتلك العينين الواسعتين، أخذ ينظر إليها بشيء من الاستغراب، يتمنى أن يبعد عينيه عن وجهها قليلاً لكنه وفي قرارة نفسه يعتقد بأنه سيكون انهزام بلا أدنى شك.

– ربما سمعت بتفوقي الدراسي وأعجبت بذلك ولهذا تطيل النظر.. تدور في ذهنه.

يغرق في تفكيره البسيط، في البداية كان يعتقد بأنه إعجاب به وهو في بداية عمر المراهقة، ليتحول بعد دقائق إلى شعورٍ ثقيلٍ في دواخل نفسه، شيء يضغط على صدره، يشعر بأن الامور كأنما بدأت تتحول إلى شيء من الإهانة المتعمدة المخطط لها مسبقاً .

– ومع هذا فأنا لا يمكنني تجاوز حدودي التي أعرفها تماماً، ثوابت قد تربيت عليها.. يهمس مع نفسه..

في تلك اللحظات بدأ يتصرف معها بمنتهى الهدوء لكن غضبا شديدا صار يتحرك من الدواخل، يرفع رأسه ببطء وبشيء من الوقار ثم أخذ يحدق في وجهها ليجدها لم تحول نظرها عنه، يخفضه بسرعة، بدأ صدغاه يتصببان عرقا..

– ترى هل أخرج من هذا الظل وأقف تحت الشمس اللاهبة؟ يسأل نفسه.

يسمعها تتكلم..

– أعتقد بأنكم لا تملكون سوى هذه الدراجة الهوائية؟

– نعم، ليس عندنا سواها.

– من المؤكد بأنكم تتناوبون على ركوبها؟

– كيف؟ أجابها.

– اقصد بأنك عندما تعود إلى البيت تجد أخاك الثاني بانتظارِك وقد يكون والدك كذلك، كلٌ ينتظر دوره في استخدام تلك الدراجة القديمة، فكيف لو كانت تلك الدراجة من النوع الحديث أو أنكم تملكون مثل سيارتنا الفارهة؟

تسأله بلغة التميع في الصوت، تشعره بأن هنالك تفاوت في المستويات، وإنها من ذلك المستوى الرفيع الذي لا يمكن أن يصله أو حتى مجرد التفكير فيه، فالغنى موروث عندهم كما الفقر لدى الفقراء في ظن الاغنياء، حدود لا يمكن تجاوزها كونها نواميس حياتية ثابتة.

يُصاب بالخجلِ والحراجة، يتصبب جسمه عرقاً، لا يعرف كيف يجيب وبماذا يجيب؟ يُطرق رأسه محاولاً إيجاد أية كلمة يصلح فيها حاله أو إعادة جزء بسيط من اعتباره، يشعر من أعماق قلبه بكراهيةٍ شديدةٍ نحوها تجتاحه، جمرة لها رؤوس كالدبابيس تمزق أحشاءه.

يعرف جيداً بأنه قد حصلت له تلك الحادثة قبل أربعين سنة من الآن أو أكثر لكنه يتأثر تأثراً كبيراً وهو يعيد ذلك الشريط على الرغم من مرور تلك السنين كلها، تمر والحادثة لا تُفارق مخيلته، هاجس يتكلم عنه يملأ الآفاق.

“أنا لست جسداً هامداً فوق الأرض فثمة إحساس خفي لا أعرف تفسيره يشدني إلى البحث في تراكمات الماضي عندما يقف العقل في رسم صورة المستقبل، ذاكرة ممتلئة اُحاول إزالة غبار السنين عنها، في البداية كنت اُقاوم تزاحم أفكاري، أُحاول عبثاً أن أنفلت من سبب اختناقي، وتوهمت أني قد أستطيع، وحين استسلمت لذلك الهاجس، أصبحت أُقاوم تداخلها وتشابكها.”

إنها قسوة الحديث مع النفس حاملاً معه كل ذكرى قديمة ومؤلمة، فما أقسى صوت التشفي، نعم صوت التشفي، لا سيما إنهُ صدر من فتاةٍ جميلةٍ ثريةٍ مفتوحةٍ لها أبواب الحياة كلها، توجهها لشابٍ عيبه الأساسي الفقر والفاقة، هنا لا حل له سوى الاستسلام للصمت.

 

 

 

 

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الذئاب

الذئاب

الذئاب   كان يجلس في موضعه المعتاد، كأن المكان جزء من ذاكرته لا يغادرها ولا…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
1 يونيو 2026
اقرأ المزيد
أنقاض

أنقاض

أنقاض   كان عالمُ المدينة ضيقَ الملامح؛ بيوتٌ متلاصقة، وأزقة مكتظة، وعشوائية بناءٍ نبتت في…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
30 مايو 2026
اقرأ المزيد
جدلیة الغیاب والانتظار  تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود

جدلیة الغیاب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود

جدلیة الغیاب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود   في قصة…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
25 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الحرمان

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 4 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

الحرمان

 

يعيشُ في قريةٍ فلاحيةٍ تنتشر على سفوحِ تلال طويلة متعرجة، غرفٌ طينيةٌ تتشابه في طريقة بنائها عدا البعض منها هنا وهناك إذ تبدو أكثر تطوراً، تشابهٌ في طبيعة سكانها، في تعاملِهم وحتى في ملبسِهم، الصبيةُ كأنهم إخوة يرتدون الدشاديش المقلمة بملامحٍ طفوليةٍ بريئةٍ، حدود العالم عندهم لا يتجاوز النهر الذي شق مجراه عبر السنين من الجهة الشرقية وامتداد البصر وتطابقه مع الأُفق من ناحية الغرب..

فقرٌ مدقعٌ فيها جثى على الصدور لسنين طوال إلا لمن حالفهم الحظ إذا توفرت لأحد من الأبناء فرصة عمل في إحدى الشركات الاجنبية المشهورة في مختلف أصقاع الأرض أو بمعملٍ من المعامل الموزعة قرب المدن، لم تتوفر تلك الفرصة لأحد منهم وعليه فلابد من تكاتف اُسرته لتوفر لنفسِها على الأقل رغيف الخبز ليسد رمق ذلك اليوم الذي هم فيه، عليه أن يعمل في رعي المواشي عصر كل يوم أثناء الدراسة كونه أكبر إخوته ولابد أن ينجح، لابد من ذلك، يعاون الأهل في الزراعة الصيفية لمختلفِ الخضار كذلك في حصاد الحنطة والشعير وعزل البذور عن القش ومن ثم تحويله إلى التبن ليكون علفاً للحيوانات في أثناء فصل الشتاء، عملٌ دؤوبٌ متعبٌ يكاد يأخذ العطلة الصيفية كلها، تلفحُ الشمسُ الحارقةُ تلك الوجوه المتعبة أصلاً.

تمكنت الأُسرة بعد فترةٍ من الزمن من شراء دراجة هوائية قديمة له ليساعده على الذهاب مبكراً إلى الحقل والعودة سريعاً إن تطلب الموقف منه ذلك، يعتني بها كثيراً، كيف لا وهي قد أراحته من عناءِ الطريق الترابي المتعرج بين الحقول المترامية الأطراف، يمسحها في كلِ مساءٍ من أثر التراب ثم يركنها في مكانٍ عُمل خصيصاً لها، تُمثل له كل شيء، وهو يقودها يشعر بسعادة لا توصف، يحرك لسان الجرس اليدوي البارز من على جهة اليسار من المقود الحديدي بإبهامه مطلقاً موسيقى تطرب لها نفسه فيزداد بهجة وسروراً لكنه يعود إلى نفسه فيتذكر حالة أُسرته وحاجتهم الكبيرة إلى متطلبات الحياة اليومية التي أصبحت تزداد يوماً بعد يوم صعوبةً فيداهمه الحزن الشديد، لكنه مع هذا يعود إلى ما يمكن تقديمه فيزداد معها اصرارا على النجاح والتفوق في دراسته الاعدادية، يحصلُ على نتائجٍ طيبةٍ في نهايةِ كل عام، يشعرُ معها بالفخرِ ليتجاوز معها مسألة الفقر والفاقة.

يستعد في ظهيرة إحدى أيام شهر تموز للذهابِ إلى الحقل واستلام الحصة المقررة له من ماء السقي، يصل المكان الذي يتم فيه توزيع جدول السقي المتتالي، فكلٌ يعرف بأنه يسقي بعد حقل فلان وإن لم ينتهي بعد فعليه أن ينتظر إلى أن يكمل ري حقله، يجلس في ظلٍ يتكون من سيقان الأشجار المقطوعة لتكون هيكلاً لذلك الظل ثم تم تغطية السقف بالأغصان الطرية لسد الفراغات كلها، يجلس ينتظر دوره بشكلٍ مجانب بحياءٍ مفرطٍ كون المسؤولة عن توزيع تلك الحصص لذلك اليوم شابة جميلة تصغره بقليل وعلى ما يبدو بأن أفراد أُسرتها مشغولون بأعمال اُخرى كونهم يمتلكون جرار كبير حديث ومحراث فضلاً عن سيارةٍ خاصة لنقلهم، شاهدها لأول مرة تمتلك جمالا وأُنوثة بشكلٍ مفرط قد لا يتصوره العقل، ولديها إمكانية التعامل مع الفلاحين بدون أية حراجة متجاوزة عمرها القليل والفارق الكبير في العمر معهم، اختلى المكان ليبقى هو معها فقط، يُحاول عدم إظهار أي ارتباك أمامها، يخفض رأسه، يفكر.

– عليّ أن أكون أكثر اتزاناً واحترمها بقدر كبير لأني تربيت على ذلك منذ نعومة أظفاري.

تبدأ التحديق في وجهه، تطيل النظر فيه، يحسُ بتنملٍ في شِقه الأيمن المواجه لها، يشعر بأنها قد ثبتت عينيها صوبه، ناظرة إليه بتلك العينين الواسعتين، أخذ ينظر إليها بشيء من الاستغراب، يتمنى أن يبعد عينيه عن وجهها قليلاً لكنه وفي قرارة نفسه يعتقد بأنه سيكون انهزام بلا أدنى شك.

– ربما سمعت بتفوقي الدراسي وأعجبت بذلك ولهذا تطيل النظر.. تدور في ذهنه.

يغرق في تفكيره البسيط، في البداية كان يعتقد بأنه إعجاب به وهو في بداية عمر المراهقة، ليتحول بعد دقائق إلى شعورٍ ثقيلٍ في دواخل نفسه، شيء يضغط على صدره، يشعر بأن الامور كأنما بدأت تتحول إلى شيء من الإهانة المتعمدة المخطط لها مسبقاً .

– ومع هذا فأنا لا يمكنني تجاوز حدودي التي أعرفها تماماً، ثوابت قد تربيت عليها.. يهمس مع نفسه..

في تلك اللحظات بدأ يتصرف معها بمنتهى الهدوء لكن غضبا شديدا صار يتحرك من الدواخل، يرفع رأسه ببطء وبشيء من الوقار ثم أخذ يحدق في وجهها ليجدها لم تحول نظرها عنه، يخفضه بسرعة، بدأ صدغاه يتصببان عرقا..

– ترى هل أخرج من هذا الظل وأقف تحت الشمس اللاهبة؟ يسأل نفسه.

يسمعها تتكلم..

– أعتقد بأنكم لا تملكون سوى هذه الدراجة الهوائية؟

– نعم، ليس عندنا سواها.

– من المؤكد بأنكم تتناوبون على ركوبها؟

– كيف؟ أجابها.

– اقصد بأنك عندما تعود إلى البيت تجد أخاك الثاني بانتظارِك وقد يكون والدك كذلك، كلٌ ينتظر دوره في استخدام تلك الدراجة القديمة، فكيف لو كانت تلك الدراجة من النوع الحديث أو أنكم تملكون مثل سيارتنا الفارهة؟

تسأله بلغة التميع في الصوت، تشعره بأن هنالك تفاوت في المستويات، وإنها من ذلك المستوى الرفيع الذي لا يمكن أن يصله أو حتى مجرد التفكير فيه، فالغنى موروث عندهم كما الفقر لدى الفقراء في ظن الاغنياء، حدود لا يمكن تجاوزها كونها نواميس حياتية ثابتة.

يُصاب بالخجلِ والحراجة، يتصبب جسمه عرقاً، لا يعرف كيف يجيب وبماذا يجيب؟ يُطرق رأسه محاولاً إيجاد أية كلمة يصلح فيها حاله أو إعادة جزء بسيط من اعتباره، يشعر من أعماق قلبه بكراهيةٍ شديدةٍ نحوها تجتاحه، جمرة لها رؤوس كالدبابيس تمزق أحشاءه.

يعرف جيداً بأنه قد حصلت له تلك الحادثة قبل أربعين سنة من الآن أو أكثر لكنه يتأثر تأثراً كبيراً وهو يعيد ذلك الشريط على الرغم من مرور تلك السنين كلها، تمر والحادثة لا تُفارق مخيلته، هاجس يتكلم عنه يملأ الآفاق.

“أنا لست جسداً هامداً فوق الأرض فثمة إحساس خفي لا أعرف تفسيره يشدني إلى البحث في تراكمات الماضي عندما يقف العقل في رسم صورة المستقبل، ذاكرة ممتلئة اُحاول إزالة غبار السنين عنها، في البداية كنت اُقاوم تزاحم أفكاري، أُحاول عبثاً أن أنفلت من سبب اختناقي، وتوهمت أني قد أستطيع، وحين استسلمت لذلك الهاجس، أصبحت أُقاوم تداخلها وتشابكها.”

إنها قسوة الحديث مع النفس حاملاً معه كل ذكرى قديمة ومؤلمة، فما أقسى صوت التشفي، نعم صوت التشفي، لا سيما إنهُ صدر من فتاةٍ جميلةٍ ثريةٍ مفتوحةٍ لها أبواب الحياة كلها، توجهها لشابٍ عيبه الأساسي الفقر والفاقة، هنا لا حل له سوى الاستسلام للصمت.