الشخص
أدار وجهه جانباً، حين كان صاحب المشرط يشق يده…
المشرط يلمع وهو يمزق الجلد، ويطفر الدم من الشرايين…
حاول أن يتكلم… أن يصرخ، لكن الصوت انحبس في صدره المشقوق.
وتجمعت فوق رأسه آلاف الدبابيس الحادة الجاهزة للانغراس في جلدة الرأس إن تكلّم…
واللسان تجمد في الجوف، لا يرتفع إلى أعلى، أثقلته الكلمات الصامته، فاستراح من عناء الحركة، بينما ذاك يضغط على الجرح الغائر، لإخراج الدم الملوث.
القفازات البيضاء لصاحب المشرط امتلأت بالدم الأسود، ولم يعد قادراً على تحمل رائحة الدم الواخزة القادمة من القاع.
ترك صاحب المشرط اليد، أخذ استراحة بسيطة على شرفة رخامية، وبدأ ينفث من لفافته دخاناً كثيفاً حجب الطائرات والسحب.
بعد عشرة أعوام عاد صاحب المشرط من جديد، وقد نظّف قفازاته، وتعطر بعطره المميّز.
أخذ يضغط من جديد على الجرح….
الدم بقي كما هو، يأبى أن يغادر الجرح.
أما الشخص فقد علا صراخه هذه المرة، ولم يبقَ مخلوق في الكون إلا وسمع صراخه واستغاثاته… :
- أرجوك، ارحمني، يدي تؤلمني بشكل فظيع.
يكفي، فقد جف الجرح وانتهى الأمر.
دع يدي.
جفّف اليد المريضة، دهنها ببعض المراهم المسكنة للألم، لفّها بالضماد الأبيض، وضع عليها لاصقاً سميكاً حتى صارت كالجسر الكبير، ربطها برقبة الشخص، وأخذ يتأمله وهو يسير في أزقة المدينة وحده…
يتألم كلما لامست اليد شيئاً…
أخذ صاحب المشرط نفساً عميقاً من لفاقته على شرفته، وصلت أصوات قهقهته إلى جنبات المدينة…
والشخص يصرخ ويصرخ.
كل الناس يتحركون اتجاهه، يلامسون يده المريضة قصداً…
السيارات غيّرت مسارها لتتمسح بيده…
الجوارح أعجبها منظر اليد الجسر، فحطّمت عليها وغرست أظفارها فيها.
البنايات الضخمة تحركت اتجاهه، هصرت يده بين جدرانها وعادت إلى أماكنها.
صرخات الشخص تعالت أكثر فأكثر.
الدخان المتصاعد من الأفران، ولفافة صاحب المشرط يصعد نحو السماء.
بعد مئة عام عاد..
الشخص إلى صاحب المشرط من جديد
ذاك لم يمت، ما يزال يمارس كل هواياته في الموسيقا والرياضة وأكل الشواء…
لم يكن موجوداً عندما جاء الشخص، فهو يمارس الرياضة في الملعب المجاور…
عندما رآه حيّاه:
- أنا بانتظارك ياصديقي.
كنت موقناً بأنك ستأتي، فالمشرط المعدني لم يرتوِ من الدم.
لم أمت لأنني أنتظرك، لابد أن أراك.
هات يدك
لكن لا أريدك أن تكون جباناً، عليك أن تتحمل الألم.
- أرجوك، يدي تؤلمني، لقد انتفخت كثيراً، لا أتحمل ثقلها.
اقطعها إن أردت، لكن أرحني منها، المهم أن يزول الألم، يد واحدة تكفي.
- نعم معك حق، إن الدم الفاسد لا يُحتمل
لكن من قال لك: إنك ستحتفظ باليد الأخرى؟!
كلتاهما لي!
لو صبرت في ذلك اليوم ما حدث كل هذا!
كان من الممكن أن تحتفظ بيد على الأكثر.
- وأنت لو صبرت أول مرة وتحملت الروائح لانتهى الأمر!
- لا عليك هات يدك…
مدّ يده من فوهة خشبية، هو لا يشعر بشيء، لا يتألم، وصاحب المشرط يمارس عمله يدخن سيجارة بين الحين والآخر، ويطفئها في الجرح.
شغل الشخص نفسه بلوحات جداريه معلّقة هنا وهناك لوحة لصلاح الدين على حصانه، وثانيه لثوار الثورة العربية، وثالثة لطائرة معاديه تهوي محترقة، ورابعة لطفل يرضع من ثدي أمه، وخامسة لطفل يحمل علبة حليب مجفف، وسادسة تحمل تحذيراً من مرض الإيدز…
وفي الزاوية كان العنكبوت ينسج خيوطه فوق قلنسوة صلاح الدين دون أن يتألم
بعد ألف سنة عادت إلى الشخص يده
حين عادت إليه كانت مجوّفة كالمغارة، بيضاء لامعة، الرائحة المزعجة تنبعث منها.
وفي جوانبها بقايا رماد السجائر.
نظر في يده طويلاً.
أعجبه منظرها الجديد، فحملها على كتفه…!
تقدم إلى حارته، وابتسامة عريضة على شفتيه…
دمشق- سوريا
داود سلمان عجاج
فاضل محمد الربیعي
التعليقات