بين أروقة الذاكرة المتآكلة وظلال الشيب التي غطت ثمانين عاماً من عمره، كان “بدري” يقف كمنارةٍ صامدة لا تُخطئ طريقها إلى المسجد. فرغم أن الزهايمر بدأ ينسج خيوط الضباب حول أسماء الأشياء ووجوه العابرين، إلا أن آيات القرآن بقيت محفورة في قلبه، تتدفق على لسانه كأنها ترتيلٌ سماوي لا يمسه النسيان.
كان بدري يؤدي صلواته الخمس في الصف الأول، يطوي المسافات بعكازه وإيمانه، وفي وجهه يسكن ترحابٌ دائم وابتسامة لا تغيب. لكنّ الضباب هذه المرة طال صديق عمره ورفيق دربه، الذي كان يزوره يومياً ويسأل عنه بلهفة، ليجد نفسه غريباً في عيني “بدري” الذي لم يعد يذكر من هذا الضيف سوى كونه “رجلاً طيباً”.
في أحد الأيام، وبينما كان الصديق الوفيّ جالساً بجوار بدري، يحاول استرجاع ذكرياتٍ قديمة، دخل شخصٌ ثالث أراد مداعبة بدري واختبار ذاكرته، فسأله بلطف -:
يا عم بدري، من هذا الرجل الذي ترحب به بكل هذا الود وتسلم عليه بحرارة؟
نظر بدري إلى صديقه ، أطال النظر في ملامحه التي غابت أسماؤها وبقيت مودتها، ثم قال بيقينٍ غلفه النسيان:
“هذا الأخ ابو زهير.. نعم إنه ابو زهير.”
التقط الشخص الثالث الخيط، والتفت إلى الصديق الوفي متسائلاً بابتسامة
هل أنت حقاً أبو زهير؟”
في تلك اللحظة، أدرك الصديق أن الحقيقة قد تجرح روح بدري الحائرة، وأن المجاراة هي أقصر الطرق لراحة قلبه المتعب. ابتلع غصة الحنين وأجاب بهدوء
“نعم. أنا أبو زهير ”
رغم أنه لم يكن كُني بذلك يوماً، إلا أن تلك الكلمة كانت كفيلة بإخراج “بدري” من حيرته، فاستعاد طمأنينته وابتسم كأنه وجد قطعةً مفقودة من أحجيته الخاصة.
وفاءٌ يتجاوز الذاكرة
انصرف الجميع، وبقي الصديق الوفي يتأمل حال “بدري”. شعر في البداية بوخزة حزن؛ فصديق العمر لم يعد يعرف اسمه، بل ومنحه اسماً لا يخصه. لكن سرعان ما تبدل هذا الحزن إلى سكينةٍ عظيمة.
نظر الصديق إلى بدري وهو يتأهب لصلاة العصر، يرتدي عباءته بوقار، ويتمتم بآيات من سورة “الرحمن” دون أن يخطئ في حرفٍ واحد. أدرك حينها أن بدري” لم ينسَ الأهم .:
لم ينسَ وجهة القبلة
لم ينسَ موعد اللقاء مع الخالق.
لم ينسَ الأخلاق والترحيب بالضيف، حتى وإن تاها الاسم.
خرج الصديق وهو يشعر بالرضا، هامساً لنفسه
“ما ضره إن نسي اسمي، وهو الذي لم ينسَ عهده مع الله. ما دامت صلواته عامرة وقرآنه في صدره، فصديقي بخير، وذكراه عند ربه وايمانه لا يضيع.
بقي بدري في محرابه، يرتل القرآن بصوتٍ ثمانيني شجي، تاركاً خلفه أسماء البشر، ومتشبثاً بأسماء الله الحسنى التي لم يمسسها الزهايمربالنسيان
الضباب … والايمان
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
الضباب … والايمان
بين أروقة الذاكرة المتآكلة وظلال الشيب التي غطت ثمانين عاماً من عمره، كان “بدري” يقف كمنارةٍ صامدة لا تُخطئ طريقها إلى المسجد. فرغم أن الزهايمر بدأ ينسج خيوط الضباب حول أسماء الأشياء ووجوه العابرين، إلا أن آيات القرآن بقيت محفورة في قلبه، تتدفق على لسانه كأنها ترتيلٌ سماوي لا يمسه النسيان.
كان بدري يؤدي صلواته الخمس في الصف الأول، يطوي المسافات بعكازه وإيمانه، وفي وجهه يسكن ترحابٌ دائم وابتسامة لا تغيب. لكنّ الضباب هذه المرة طال صديق عمره ورفيق دربه، الذي كان يزوره يومياً ويسأل عنه بلهفة، ليجد نفسه غريباً في عيني “بدري” الذي لم يعد يذكر من هذا الضيف سوى كونه “رجلاً طيباً”.
في أحد الأيام، وبينما كان الصديق الوفيّ جالساً بجوار بدري، يحاول استرجاع ذكرياتٍ قديمة، دخل شخصٌ ثالث أراد مداعبة بدري واختبار ذاكرته، فسأله بلطف -:
يا عم بدري، من هذا الرجل الذي ترحب به بكل هذا الود وتسلم عليه بحرارة؟
نظر بدري إلى صديقه ، أطال النظر في ملامحه التي غابت أسماؤها وبقيت مودتها، ثم قال بيقينٍ غلفه النسيان:
“هذا الأخ ابو زهير.. نعم إنه ابو زهير.”
التقط الشخص الثالث الخيط، والتفت إلى الصديق الوفي متسائلاً بابتسامة
هل أنت حقاً أبو زهير؟”
في تلك اللحظة، أدرك الصديق أن الحقيقة قد تجرح روح بدري الحائرة، وأن المجاراة هي أقصر الطرق لراحة قلبه المتعب. ابتلع غصة الحنين وأجاب بهدوء
“نعم. أنا أبو زهير ”
رغم أنه لم يكن كُني بذلك يوماً، إلا أن تلك الكلمة كانت كفيلة بإخراج “بدري” من حيرته، فاستعاد طمأنينته وابتسم كأنه وجد قطعةً مفقودة من أحجيته الخاصة.
وفاءٌ يتجاوز الذاكرة
انصرف الجميع، وبقي الصديق الوفي يتأمل حال “بدري”. شعر في البداية بوخزة حزن؛ فصديق العمر لم يعد يعرف اسمه، بل ومنحه اسماً لا يخصه. لكن سرعان ما تبدل هذا الحزن إلى سكينةٍ عظيمة.
نظر الصديق إلى بدري وهو يتأهب لصلاة العصر، يرتدي عباءته بوقار، ويتمتم بآيات من سورة “الرحمن” دون أن يخطئ في حرفٍ واحد. أدرك حينها أن بدري” لم ينسَ الأهم .:
لم ينسَ وجهة القبلة
لم ينسَ موعد اللقاء مع الخالق.
لم ينسَ الأخلاق والترحيب بالضيف، حتى وإن تاها الاسم.
خرج الصديق وهو يشعر بالرضا، هامساً لنفسه
“ما ضره إن نسي اسمي، وهو الذي لم ينسَ عهده مع الله. ما دامت صلواته عامرة وقرآنه في صدره، فصديقي بخير، وذكراه عند ربه وايمانه لا يضيع.
بقي بدري في محرابه، يرتل القرآن بصوتٍ ثمانيني شجي، تاركاً خلفه أسماء البشر، ومتشبثاً بأسماء الله الحسنى التي لم يمسسها الزهايمربالنسيان
د.عزيز جبرالساعدي
داود سلمان عجاج
عدنان راشد القريشي
التعليقات