في تلك الليلة، بدا القمر أقرب إلى الأرض من أي وقت مضى. كان يسكب ضوءه الفضي فوق الحقول والبيوت الطينية، حتى خُيّل لأهل القرية أن السماء فتحت نافذة واسعة على الدنيا. ركض الأطفال خلف ظلالهم، وضحكاتهم تتناثر في الأزقة الضيقة كما تتناثر حبات القمح في موسم الحصاد.
كان هو واحداً منهم. طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره، يطارد الضوء ويظن أن العالم خُلق من أجل اللعب فقط. ظل يلهو مع أقرانه حتى انتصف الليل، ثم عاد منهكاً إلى البيت، وارتمى بجوار والدته، كما تفعل الطيور الصغيرة حين تعود إلى أعشاشها عند المساء.
في الغرفة الطينية البسيطة كان الفانوس النفطي العتيق يرسل ضوءاً خافتاً، يكاد يذوب في العتمة. إلى جواره نام أخوه الأصغر، بينما استلقت أخته الرضيعة قرب أمها. أما الأم، فكانت النور الآخر في ذلك البيت.
لم يكن الطفل يدرك ذلك. كان يراها كل يوم، ولذلك ظن أنها جزء طبيعي من الحياة، كالجدار والطين والهواء. لم يكن يعلم أن جسدها المنهك كان يخوض معركة صامتة مع الألم، وأن كل خطوة تخطوها بين أركان الدار كانت انتصاراً صغيراً على الوجع.
كانت تنهض بصعوبة، وتؤدي أعمال البيت بصعوبة أكبر. وكانت نساء الجيران يتولين أمر الخبز أحياناً، حين تعجز عن الوقوف طويلاً أمام التنور. ومع ذلك لم يسمعها أحد تشكو، ولم يرها أحد تتذمر. كانت تخفي آلامها كما تخفي الأرض بذورها في الأعماق؛ فلا يرى الناس ما يجري تحت السطح، لكنهم يشعرون بنتائجه حين يحين أوان الفقد.
وقبل أن ينام الطفل تلك الليلة، لمح وجهها على ضوء الفانوس، بدت شاحبة قليلاً، لكنه لم ينتبه، فالطفولة لا تقرأ ما تكتبه الأيام على الوجوه.
استيقظ متأخراً في الصباح. كانت أشعة الشمس تتسلل من فتحة صغيرة في نافذة الغرفة الخشبية، وترسم خطوطاً ذهبية فوق الأرض الرطبة. مدّ يده نحو المكان الذي اعتاد أن يجد فيه أمه، كان الفراش خالياً.
توقف لحظة. حدّق في المكان كأنما ينتظر أن تعود صورته مألوفة كما كانت دائماً، لكن الفراغ ظل جالساً هناك. في البداية لم يقلق، ظنها في فناء الدار، أو عند التنور، أو ربما ذهبت إلى إحدى الجارات لحاجة عابرة.
انتظر قليلاً. إلا أن البيت كان صامتاً على نحو لم يألفه، لا صوت للأواني، لا وقع لخطواتها، لا حفيف لثوبها وهي تنتقل بين أركان الدار، حتى الفانوس بدا مطفأً أكثر من عادته، وكأنه فقد سرّ الضوء الذي كان يسكنه.
نهض يبحث عنها، ثم أيقظ أخاه الأصغر. أخذا يجولان في أرجاء البيت الصغير، فتشا قرب مخزن الحطب، وعند التنور الطيني، وخلف الباب الخشبي العتيق. كان التنور بارداً، بارداً على نحو غريب، وكأن النار التي كانت تمنحه الحياة قد رحلت معهـا.
خرجا إلى الحوش. كانت الأرض ما تزال مبتلة من مطر الليل، بينما أخذت الشمس ترتفع ببطء وتجفف آثار الماء. غير أن الحيرة في قلب الطفل كانت تكبر كلما ازداد النهار إشراقاً.
جلس مع أخيه ينتظر، ومرّ الوقت بطيئاً، حتى بدا كأنه توقف، ثم ظهر الأب عند مدخل الدار، كان يسير بخطوات متثاقلة، كأن الطريق يرفض أن يتركه يصل. قفز الطفلان من مكانيهما، وركضا نحوه بفرح ولهفة. كانا يظنان أن الإجابة قادمة معه، لذا تعلقت عينا الطفل بوجه أبيه وسأله:
ـ بابا… أين أمي؟
توقف الرجل. نظر إليهما طويلاً، ثم جثا على ركبتيه، وفجأة انفجرت دموعه.
تجمد الطفلان في مكانيهما. فالأب، في مخيلتهما، كان يشبه النخلة العتيقة التي تقف عند حافة الحقول؛ ثابتة في وجه الريح، لا تنحني إلا لله.
اقترب الصغير منه وسأله بدهشة:
ـ أتبكي يا أبي؟
لم يجب. احتضنهما بقوة، كانت ذراعاه ترتجفان، وكان قلبه يخفق بعنف حتى شعرا بدقاته تضرب صدره كطبول بعيدة تنذر بمصيبة لا يفهمانها.
طال صمته، حتى صار الصمت نفسه كلاماً. ثم أبعدهما قليلاً، ونظر إليهما بعينين أثقلهما الفقد. وفي تلك اللحظة بدا الرجل كمن يحمل جبلاً فوق كتفيه، خرج صوته مكسوراً:
ـ ليتني متُّ بدلاً عنها…
لم يفهم الطفل معنى العبارة، لم يكن يعرف الموت، ولم يكن يدرك أن بعض الراحلين لا يعودون مهما طال الانتظار. لكنه شعر أن شيئاً كبيراً قد انكسر في ذلك الصباح.
عاد ببصره إلى الغرفة، إلى ذلك المكان الذي استيقظ عليه خالياً، إلى الفراش الذي ظل ساكناً، لا يحمل دفء أمه، ولا أثر أنفاسها، كان أول فراغ يراه في حياته، لكنه لم يكن فراغ فراش فحسب، كان فراغ قلب، وفراغ بيت، وفراغ عالم كامل كان يظنه ثابتاً لا يتغير.
وبعد أعوام طويلة، حين كبر وأصبح قادراً على فهم الأشياء التي عجزت طفولته عن إدراكها، أدرك أن ذلك الفراش لم يكن خالياً في ذلك الصباح وحده، بل إن البيت كله أصبح خالياً، فالمرأة التي رحلت لم تكن تشغل مكاناً فيه فحسب، بل كانت الروح التي تمنح الأشياء معناها، والضوء الذي لا يُرى إلا حين ينطفئ.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى فراشاً خالياً، تذكر أن أقسى أنواع الغياب ليس ذلك الذي يترك مكاناً فارغاً، بل ذلك الذي يترك عمراً كاملاً يبحث عن صاحبه.
الفراش الخالي
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
الفراش الخالي
في تلك الليلة، بدا القمر أقرب إلى الأرض من أي وقت مضى. كان يسكب ضوءه الفضي فوق الحقول والبيوت الطينية، حتى خُيّل لأهل القرية أن السماء فتحت نافذة واسعة على الدنيا. ركض الأطفال خلف ظلالهم، وضحكاتهم تتناثر في الأزقة الضيقة كما تتناثر حبات القمح في موسم الحصاد.
كان هو واحداً منهم. طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره، يطارد الضوء ويظن أن العالم خُلق من أجل اللعب فقط. ظل يلهو مع أقرانه حتى انتصف الليل، ثم عاد منهكاً إلى البيت، وارتمى بجوار والدته، كما تفعل الطيور الصغيرة حين تعود إلى أعشاشها عند المساء.
في الغرفة الطينية البسيطة كان الفانوس النفطي العتيق يرسل ضوءاً خافتاً، يكاد يذوب في العتمة. إلى جواره نام أخوه الأصغر، بينما استلقت أخته الرضيعة قرب أمها. أما الأم، فكانت النور الآخر في ذلك البيت.
لم يكن الطفل يدرك ذلك. كان يراها كل يوم، ولذلك ظن أنها جزء طبيعي من الحياة، كالجدار والطين والهواء. لم يكن يعلم أن جسدها المنهك كان يخوض معركة صامتة مع الألم، وأن كل خطوة تخطوها بين أركان الدار كانت انتصاراً صغيراً على الوجع.
كانت تنهض بصعوبة، وتؤدي أعمال البيت بصعوبة أكبر. وكانت نساء الجيران يتولين أمر الخبز أحياناً، حين تعجز عن الوقوف طويلاً أمام التنور. ومع ذلك لم يسمعها أحد تشكو، ولم يرها أحد تتذمر. كانت تخفي آلامها كما تخفي الأرض بذورها في الأعماق؛ فلا يرى الناس ما يجري تحت السطح، لكنهم يشعرون بنتائجه حين يحين أوان الفقد.
وقبل أن ينام الطفل تلك الليلة، لمح وجهها على ضوء الفانوس، بدت شاحبة قليلاً، لكنه لم ينتبه، فالطفولة لا تقرأ ما تكتبه الأيام على الوجوه.
استيقظ متأخراً في الصباح. كانت أشعة الشمس تتسلل من فتحة صغيرة في نافذة الغرفة الخشبية، وترسم خطوطاً ذهبية فوق الأرض الرطبة. مدّ يده نحو المكان الذي اعتاد أن يجد فيه أمه، كان الفراش خالياً.
توقف لحظة. حدّق في المكان كأنما ينتظر أن تعود صورته مألوفة كما كانت دائماً، لكن الفراغ ظل جالساً هناك. في البداية لم يقلق، ظنها في فناء الدار، أو عند التنور، أو ربما ذهبت إلى إحدى الجارات لحاجة عابرة.
انتظر قليلاً. إلا أن البيت كان صامتاً على نحو لم يألفه، لا صوت للأواني، لا وقع لخطواتها، لا حفيف لثوبها وهي تنتقل بين أركان الدار، حتى الفانوس بدا مطفأً أكثر من عادته، وكأنه فقد سرّ الضوء الذي كان يسكنه.
نهض يبحث عنها، ثم أيقظ أخاه الأصغر. أخذا يجولان في أرجاء البيت الصغير، فتشا قرب مخزن الحطب، وعند التنور الطيني، وخلف الباب الخشبي العتيق. كان التنور بارداً، بارداً على نحو غريب، وكأن النار التي كانت تمنحه الحياة قد رحلت معهـا.
خرجا إلى الحوش. كانت الأرض ما تزال مبتلة من مطر الليل، بينما أخذت الشمس ترتفع ببطء وتجفف آثار الماء. غير أن الحيرة في قلب الطفل كانت تكبر كلما ازداد النهار إشراقاً.
جلس مع أخيه ينتظر، ومرّ الوقت بطيئاً، حتى بدا كأنه توقف، ثم ظهر الأب عند مدخل الدار، كان يسير بخطوات متثاقلة، كأن الطريق يرفض أن يتركه يصل. قفز الطفلان من مكانيهما، وركضا نحوه بفرح ولهفة. كانا يظنان أن الإجابة قادمة معه، لذا تعلقت عينا الطفل بوجه أبيه وسأله:
ـ بابا… أين أمي؟
توقف الرجل. نظر إليهما طويلاً، ثم جثا على ركبتيه، وفجأة انفجرت دموعه.
تجمد الطفلان في مكانيهما. فالأب، في مخيلتهما، كان يشبه النخلة العتيقة التي تقف عند حافة الحقول؛ ثابتة في وجه الريح، لا تنحني إلا لله.
اقترب الصغير منه وسأله بدهشة:
ـ أتبكي يا أبي؟
لم يجب. احتضنهما بقوة، كانت ذراعاه ترتجفان، وكان قلبه يخفق بعنف حتى شعرا بدقاته تضرب صدره كطبول بعيدة تنذر بمصيبة لا يفهمانها.
طال صمته، حتى صار الصمت نفسه كلاماً. ثم أبعدهما قليلاً، ونظر إليهما بعينين أثقلهما الفقد. وفي تلك اللحظة بدا الرجل كمن يحمل جبلاً فوق كتفيه، خرج صوته مكسوراً:
ـ ليتني متُّ بدلاً عنها…
لم يفهم الطفل معنى العبارة، لم يكن يعرف الموت، ولم يكن يدرك أن بعض الراحلين لا يعودون مهما طال الانتظار. لكنه شعر أن شيئاً كبيراً قد انكسر في ذلك الصباح.
عاد ببصره إلى الغرفة، إلى ذلك المكان الذي استيقظ عليه خالياً، إلى الفراش الذي ظل ساكناً، لا يحمل دفء أمه، ولا أثر أنفاسها، كان أول فراغ يراه في حياته، لكنه لم يكن فراغ فراش فحسب، كان فراغ قلب، وفراغ بيت، وفراغ عالم كامل كان يظنه ثابتاً لا يتغير.
وبعد أعوام طويلة، حين كبر وأصبح قادراً على فهم الأشياء التي عجزت طفولته عن إدراكها، أدرك أن ذلك الفراش لم يكن خالياً في ذلك الصباح وحده، بل إن البيت كله أصبح خالياً، فالمرأة التي رحلت لم تكن تشغل مكاناً فيه فحسب، بل كانت الروح التي تمنح الأشياء معناها، والضوء الذي لا يُرى إلا حين ينطفئ.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى فراشاً خالياً، تذكر أن أقسى أنواع الغياب ليس ذلك الذي يترك مكاناً فارغاً، بل ذلك الذي يترك عمراً كاملاً يبحث عن صاحبه.
عدنان راشد القريشي
محمد جبر حسن
التعليقات