قررت أن تسكن قبرا، هكذا استقر تفكيرها، فبما أن الموت هو الخاتمة الحتمية للحياة، فلم لا تستبقه وتنتظره هناك.. عند مثواها الأخير، حيث يمكنها المكوث به مدى الممات.
كانت قد ضاقت ذرعا وهي تحاول الحصول على موطأ قدم تعيش فيه، لا أحد يزاحمها أو يطالبها بالخروج منه، مكانا لها وحدها، إذ لم تنعم طيلة حياتها بذلك، هي التي تقلبت بين بيت عاشت فيه ربيبة بعد أن اغتال مسلحون أبويها وبين زوج استغل تلك المأساة فراح يهددها بالطرد بين لحظة وأخرى متهما إياها بالجنون، ضاقت بكل هذا حتى خطرت على بالها هذه الفكرة،اجتهدت في البحث بالمقبرة حتى عثرت على سرداب قد وضِعت فيه جثة، ظلت شهورا تراقب المكان، حيث لم يزره أحد، دخلت بتردد وتلعثمت وهي تستأذن الجسد المسجى أن تشاركه السكن، لم تسمع ردا.. لكن هذا لا يهم فالموتى يأنفون من مخاطبة الأحياء.. لا وقت لديهم لترهاتهم وتفاهاتهم.. وعموما أيقنت أن السكوت علامة الرضا، رتبت أغراضها البسيطة التي جلبتها معها، كانت في بادئ الأمر متحفظة في تحركاتها، تخجل حين تقوم بتغيير ملابسها، تتصور أحيانا أن الجثة تسترق النظر إليها، ومرة توهمت أنها قد ندت منها صافرة إعجاب.. بمرور الوقت أعتادت ذلك، شعرت بأن الحياة والموت قد اصطفا في خانة واحدة، فلم تعد تفرق بينهما، أصبحت تجلب طعاما لاثنين، أحيانا تحتال فتأخذ قطعة اللحم التي في المرق، تاركة للجثة المرق فقط، تشعر بوخز الضمير، لكنها تعود لتعوضها بقطعة من الحلوى، الغريب في الأمر ان الجثة كانت تلتهم الطعام بشراهة، أصبحت تشاركها يومياتها، تتحدث إليها عما يدور في الخارج، وتغبطها لعدم اضطرارها أن تحتك بعالم الاحياء، تلاحظ انبهار الجثة حين تحكي لها عن المدينة التي فارقتها منذ أربعين سنة.. وتشعر أنها قد تولعت بها، إذ أصبحت تنتظرها بفراغ صبر حين تخرج لبعض شأنها، لا تطيق الابتعاد عنها، تغار حين تراها تشرع بالخروج، وتحتج احيانا على تأخرها، فتمتنع عن تناول الطعام الذي تجلبه، حاولت أن تجرها إلى عالمها.. عالم الموت، قررت أن تحبسها معها، استغلت عودتها منهكة بعد أن صدمتها عربة ولت مسرعة، ظلت أياما لا تقوى على المشي، كانت تتضور جوعا، أخيرا تحاملت على نفسها للذهاب والبحث عن الطعام، لكن الجثة أمسكت بقدميها، لتمنعها من الخروج، لم تستطع حراكا، قاومت بقوى خائرة.. حتى استسلمت، حين فتحوا باب السرداب لميت جديد، وجدوا جثتين تعانقان بعضهما.
داود سلمان عجاج
عدنان لفتة السماوي
عباس النجار
التعليقات