الحطام المقدس
وضَعوني في مَصافِّ:
بدر شاكر السيّاب،
ومظفر النوّاب،
وأحمد مطر..
رفعوا اسمي فوق المآذنِ والصلبانِ نفاقاً،
وصلبوني على أعمدةِ الحروفِ قبل أن يقرؤوني،
جعلوني أيقونةً من ورقٍ ليحرقوا فيَّ الحقيقة،
بينما تظاهرَ جُلُّ صحبي بقراءةِ قصائدي..
باهتمامٍ باهت!
أما حبيبتي فقالت:
“من إبداعٍ.. إلى إبداعٍ أجملَ وأعظم”
كانت كلماتُها رصاصاً مغلّفاً بالسكر،
دبّجتْها تحتَ إحدى قصائدِ الهجران،
تلك التي غمسْتُ مِدادَها بدموعِ الحنين..
ولم تدرِ أنَّ الوجعَ خلفَ السطورِ كانَ حيّاً،
وأنَّ الحبرَ الذي تراهُ..
ليس إلا نزيفَ روحي.
أما أصدقائي.. فرجموني بالكفر،
وحظرني آخرون..
لأنني لم أرتدِ قناعاً يشبهُ وجوهَهم المستعارة،
بعد أن تجرأتُ وفضحتُ حقيقةَ
ذلك السلطانِ السخيف،
والمجتمعِ العاجزِ الضعيف..
فالصدقُ في بلادي عورةٌ يُستحسنُ سترُها،
والحقُّ زلزالٌ يخشاهُ القابعونَ في جحورِ الطاعة.
وكصدمةٍ.. كتبتُ:
(أنا ابنُ كلِّ الأراملِ،
كلِّ العفيفاتِ.. الطاهراتِ.. الصالحاتِ،
أنا الذي ورثتُ الحزنَ عمَّن كُسرتْ جِرارُها،
وعن المنسياتِ اللواتي لم ينمُ الحلمُ في حشا قلوبِهن)
أنا صرخةُ الأرصفةِ التي وطِئتْها أقدامُ العابرين،
أنا وجعُ الأمهاتِ حينَ يئوبُ القميصُ.. بلا جسد،
أنا النشيجُ المختنقُ في زوايا البيوتِ الموحشة،
فاتهموني بالخيانة!
(أنا ابنُ المقاومةِ..
في كلِّ زمانٍ ومكان)
ولدتُ من رحمِ الرفضِ ولن أهادن،
أحملُ جرحي متراساً بوجهِ الرصاص،
فالكلمةُ عندي بندقيةٌ لم تِبعْ عِرضَها للغزاة،
فاتهموني بالعمالة!
(أنا ابنُ دجلةَ والفرات،
ابنُ كلِّ المدائنِ..
من الوسطِ والجنوبِ إلى الشمال)
طينُ القرى يسكنُ مسامَ قصائدي،
والنخيلُ يحني لي سعفَه كلما مررتُ غريباً،
أنا الذي خبأتُ النهرَ في صدري حينَ عزَّ الشفاء،
أنا الذي أطعمُ الجياعَ من خبزِ كلماتي،
فاتهموني بالجنون!
وهكذا.. انفضّتْ من دائرةِ حياتي الجموع،
تفرقوا كغبارٍ في ريحٍ عاتية،
تركوا خلفهم صدىً موحشاً يطاردُ ظلي،
أما الحبيبُ الأعلى.. يا ربَّ السماء..
فقد كان يرقبُ حطامي بعينِ الرضا،
كان أكثرَ رفقاً بي من مرارةِ الخسارةِ؛
إذ اختارَ لي الربحَ بدونهِ،
لكي ينزعَ من قلبي شوكاً زرعتْه الأوهام،
كي لا أخسرَ الشعرَ صديقاً..
بعد أن يربحَ هو الحبَّ.
أهداني العزلةَ كأنها تاجٌ من الشوك،
أفرغني من ضجيجهم ليملأني بنورِ الحقيقة،
استبدلني برجلٍ فارغٍ لا يشبهني،
رجلٍ يبيعُ المبادئَ بقبلةٍ باردة،
ليتركَ لي الشعرَ.. وليمةَ الوحدةِ الباذخة،
وأنا الذي كنتُ أقتسمُ الرغيفَ مع القصيدة،
أبني من الحروفِ حصناً لا تطوله الخناجر،
وصديقَ القلبِ.. شاسعَ الفراغ..
حيث لا يسكنُ فيهِ إلا صوتُ الحقِّ والوجع.
وحينَ تعاظمَ ضجيجُهم..
آثرتُ الصمتَ،
ليس ضعفاً.. بل لأنني أسمعُ دبيبَ الروحِ في عزلتها،
الكلماتُ التي لم أكتبْها..
صارت مِجذافي للنجاة،
أنا الذي حبستُ العاصفةَ في حنجرتي كي لا تقتلعَ جذورَ النخيل،
تركتُ لهم ثرثرةَ المنابرِ..
وأخذتُ معي هيبةَ السكوت،
فالصمتُ عندي قصيدةٌ عظمى لم يستطعْ دنسُ ألسنتِهم أن يطولَها،
أنا الصمتُ المدوي..
الذي يُقلقُ مضاجعَ القياصرةِ والعبيد.
فامضوا إلى زيفِكم.. واتركوا لي حطامي المقدّس،
أنا الغريبُ الذي لم تُروّضه السياطُ ولا الموائد،
سأظلُّ أحرسُ الكلمةَ من دنسِ العابرين،
حتى يورقَ الموتُ شعراً..
وينطقَ الصمتُ باليقين،
وحيداً.. كعراقٍ عظيمٍ.. لا ينحني للطغاة.
عماد المیاحي
عصام الخفاجي
حنان النشمي
التعليقات