نداءُ الحروفِ الظامئة
جلستُ بينَ أوراقي ودفاتري،
أُصحِّحُ -في غفلةِ الوقتِ- بعضَ كلماتي،
كانَ الضبابُ يلفُّ غرفتي،
ويطوي ملامحَ الحكاياتِ..
خلفَ نافذتي..
رأيتُ ظلالاً لخيامٍ تستغيثُ في المدى،
أشعرُ ببردِ اليتيمِ يتسللُ إلى رُوحي،
يُعيدُ صياغةَ الحبرِ.. دماً في عروقِ الورقِ.
سمعتُ صوتاً يهزُّ أركانَ الصمتِ:
“أمسكِ القلمَ، وخطَّ حروفاً
تكونُ للمظلومِ درعاً، وللحقيقةِ شاهداً ووميضاً..
فالكلمةُ -حينَ تَنْبُعُ من وجعِ الروحِ-
تصيرُ سيفاً.
اكتبْ صرخةَ المدى..
فالصمتُ في حضرةِ الظلمِ خطيئةٌ،
دعْها تتحرَّكْ، وتوحِّدْ صفوفَها،
لتصبحَ جيشاً من نورٍ، يُبدِّدُ ظلمةَ القهرِ..
فلا تتركِ الحكايةَ مُعلقةً في فضاءِ النسيانِ.
لتزحفَ نحو معسكرِ ابنِ سعدٍ،
تحاصرُ بؤسَهم، وتفضحُ عوراتِ خيانتِهم..
دعها تصرخْ في وجهِ الظلامِ؛
لعلَّ الضمائرَ تستفيقُ.
هيَّجتْ خيولي في الدفاترِ.. صهيلَ كرامةٍ،
تأبى الانكسارَ أمامَ سيوفِ البغاةِ،
دعها تُحاصرُ العسكرَ بوهجِها،
تحجبُ الشمسَ عن عيونِ القتلةِ، بظلالِ الحقِّ،
تُقيدُ أيديهم بنصٍّ أبديٍّ.. لا يندملُ،
قبلَ أن يحتزَّ الشمرُ.. رأسَ الحسين.
يا للحروفِ التي تجمدتْ في دمي!
وكيفَ ينطقُ الحبرُ.. حينَ يصيرُ القلمُ دمعاً؟
أو.. دعِ الحروفَ تذودُ عن النهرِ،
تصيرُ سداً من يقينٍ، يمنعُ عنهم قسوةَ العطشِ..
تملأُ أوانيَ النورِ بالكوثرِ الطاهرِ،
تغدو درعاً من ضياءٍ.. تحمي خيمةَ العقيلةِ،
لتسقيَ أطفالَ الحسينِ..
مَن ذبلتْ وجوهُهم كزهورٍ في قيظِ الظهيرةِ.
يا لرقَّةِ الحكايةِ.. حينَ تبكي في صمتِ القصيدةِ!
دعها تداوي جراحَ الحسينِ بدمعِها،
تضمدُ طعناتِ الغدرِ، وتغسلُ بياضَ الثوبِ،
تسكبُ البلسمَ على جرحِ الزمانِ،
ودعها تُقدِّمُ الماءَ لعبدِ اللهِ الرضيعِ،
ليبتسمَ في غمرةِ الموتِ.. ويُعطي للعالمِ درساً في الصمودِ.
فأيُّ حرفٍ يجرؤُ بعدَ اليومِ أن ينامَ، والرضيعُ عطشان؟
دعها تتشكَّلُ سحباً في المدى،
تظلِّلُ الخيامَ، وتبردُ لهيبَ الصحراءِ،
تَهطِلُ أمطاراً غزيرةً،
تغسلُ ترابَ كربلاءَ من أدرانِ الردى،
وتحيي فينا جذورَ الأملِ والحريةِ.
لإطفاءِ نيرانِ الخيامِ.. تشتعلُ في الضميرِ،
وكأنَّ الحبرَ غدا نهراً.. يفيضُ بالثورةِ،
يُعيدُ كتابةَ التاريخِ.. بمدادِ الكرامةِ لا بالدمِ،
وتظلُّ صرخةً.. لا تنطفئُ..
ما دامَ في القلبِ نبضٌ.
حسن عليّ شرارة
أبو الحسنين الدعساوي
مجیدة محمدي
التعليقات