في مجتمعاتنا كثيراً ما نشاهد تلك الحيرة التي ترتسم على وجه الأم وهي تواجه خطأً مكرراً من طفل لا يكف عن المشاكسة؛ سواءً بالرعونة، أو الإهمال والكسل، أو العناد واللامبالاة بالدروس والنظافة الشخصية وآداب الكلام والتواصل مع أقرانه والآخرين، مما يجعله منبوذاً أو غير مرحب به. فتراها تنتهج أساليب مختلفة ومتناقضة لم تُبنَ على قراءة ومطالعة لمفاهيم التربية الصحيحة، بل جرى استقاؤها من تقليد الجدات أو محاكاة تصرفات المحيط، لتراوح النتيجة بين اللين المفرط حد الإهمال أو القسوة الزائدة؛ فاللين يطمس معالم الانضباط لدى الطفل وتفقد معه الأم الهيبة والقدرة على التوجيه، بينما القسوة والكلمات الجارحة تكسر روح الطفل وتورثه انكساراً لا يلتئم بسهولة.
وعلى كلا المسارين تبتعد الأم عن الغاية التي ترجوها. فلنأخذ مثال الأم التي تأخذ مسار القسوة، تلك التي كلما أهمل ابنها في عامه الدراسي أو رسب في درسه، انهالت عليه بالصراخ والضرب أمام الجيران وأولاد العم والخال وتقارنه بغيره؛ فلم يقتصر الأمر على فقدانه لتركيزه فحسب، بل غدا طفلاً بلا شخصية تسقط دمعته عند أول موقف، ليتطور مستقبلاً إلى شاب مكسور. وفي مثال آخر نرى شاباً في عمر النضج يتمركز فكره في كره أقرانه كلما تذكر قسوة كلام أهله وهم يقارنونه بالآخرين، مما يولد غالبا هواجس كثيرة سلبية لديه ومنها الانتقام .
من هنا يغدو واجباً البحث عن طريقة تربوية متزنة تجيب عن سؤال: كيف نرمم سلوك الطفل المخطئ؟ إن الحلول التربية الحديثة كثيرة جادت بها البحوث العالمية والعربية ومنها اعتماد منهج الحرمان المؤقت من الامتيازات لفترة محددة تتناسب مع سن الطفل، وذلك عبر فتح حوار هادئ وتوجيه سلوكي صحيح. فعندما يرتكب الطفل خطأً أو تصرفاً سيئاً، لا داعي للجوء إلى العنف والتوبيخ القاسي، بل يكفي حرمانه من لعبته المحببة لبعض الوقت، أو منعه من شيء يفضله أو امتياز كافأته به سابقاً، مع الاتفاق معه بوضوح على هذا الربط بين التقصير وسلب الميزة.
هذا الربط يجعله يدرك بوعي مبكر أن للأفعال تبعات، ويتيح لنا معالجة الأمر دون الوقوع في فخ العنف أو العجز أو التجاهل. كما يتوجب الامتناع التام عن الضرب والكلمات المهينة؛ لأنها تتراكم في ذاكرة الطفل وتكون سبباً مباشراً في انكساره عندما يكبر. ونحتاج دائماً أن نعي أن العقاب يستهدف السلوك لا ذات الطفل؛ فالطفل ذاتٌ محترمة ينبغي أن تبقى ذاكرته نقية خالية من الشوائب، متقبلة للرسالة التي مفادها أننا لا نراك شخصاً سيئاً، بل طفلاً نزل عن مستواه المعهود ونحن نثق بقدرتك ونعمل معك لتعود لمرتبتك الأفضل.
وبالإضافة إلى منهج الحرمان المؤقت، تبرز طريقة إيجابية أخرى تتمثل في إدماج الطفل في مجتمعات منظمة جديدة؛ إذ قد يكون مجتمعه القريب يدفعه للفشل أكثر من النجاح، وهنا يكمن دور إلحاقه بفرق الكشافة أو المراكز التعليمية التي تزاوج بين العلم والترفيه والرياضة. وعلينا هنا أن نُفهم الطفل أولى قواعد الحياة: أن لا شيء يأتي وحده أو مجاناً، وأن الحياة تنطوي على مبدأ رئيسي مفاده أن كل انضباط يُكافأ صاحبه بنتيجة؛ فحتى العطشان لن يشرب ما لم يمد يده ليقرب الكأس من فمه. ومع كل خطوة إيجابية يخطوها الطفل، تُعاد له ميزته المسلوبة، ويصاحب ذلك إعداد روحي يرفع معنوياته ويجعله فخوراً بإنجازه، مما يدفعه إلى الاستمرار.
كذلك ينبغي ألا نغفل عن الانتباه لمواهبه ورعايتها وتنميتها ولا نتركها للأيام تحرمه منها؛ فبعض المواهب إذا أُهملت تموت، كفن الرسم أو لعب كرة القدم وغيرها من المواهب الواجب تنميتها في سن مبكرة لتكون منفذاً إيجابياً لطاقته وبناء شخصيته. إن التشجيع غير المباشر المسترسل بالحديث عن إنجازات الطفل وسط المجتمع وبين أقرانه، وإن كان فيه شيء من المبالغة، يولد لديه القدرة والفخر بنفسه ويحثه على الاستمرار، بخلاف التوبيخ الذي يجعله مكسوراً وصغيراً في عين نفسه أمام المجتمع.
أعطوا أطفالكم مساحة لبناء شخصية قوية تصنعونها بأنفسكم، واعتمدوا في ذلك على مصادر ثقافية وعلمية وتربوية، وليس على نصائح العابرين في الحياة الذين يوزعون تجاربهم التي لا تناسب أطفالكم.
بين قسوة تكسر ولين يفسد.. كيف نرمم سلوك الطفل المخطئ؟
في مجتمعاتنا كثيراً ما نشاهد تلك الحيرة التي ترتسم على وجه الأم وهي تواجه خطأً مكرراً من طفل لا يكف عن المشاكسة؛ سواءً بالرعونة، أو الإهمال والكسل، أو العناد واللامبالاة بالدروس والنظافة الشخصية وآداب الكلام والتواصل مع أقرانه والآخرين، مما يجعله منبوذاً أو غير مرحب به. فتراها تنتهج أساليب مختلفة ومتناقضة لم تُبنَ على قراءة ومطالعة لمفاهيم التربية الصحيحة، بل جرى استقاؤها من تقليد الجدات أو محاكاة تصرفات المحيط، لتراوح النتيجة بين اللين المفرط حد الإهمال أو القسوة الزائدة؛ فاللين يطمس معالم الانضباط لدى الطفل وتفقد معه الأم الهيبة والقدرة على التوجيه، بينما القسوة والكلمات الجارحة تكسر روح الطفل وتورثه انكساراً لا يلتئم بسهولة.
وعلى كلا المسارين تبتعد الأم عن الغاية التي ترجوها. فلنأخذ مثال الأم التي تأخذ مسار القسوة، تلك التي كلما أهمل ابنها في عامه الدراسي أو رسب في درسه، انهالت عليه بالصراخ والضرب أمام الجيران وأولاد العم والخال وتقارنه بغيره؛ فلم يقتصر الأمر على فقدانه لتركيزه فحسب، بل غدا طفلاً بلا شخصية تسقط دمعته عند أول موقف، ليتطور مستقبلاً إلى شاب مكسور. وفي مثال آخر نرى شاباً في عمر النضج يتمركز فكره في كره أقرانه كلما تذكر قسوة كلام أهله وهم يقارنونه بالآخرين، مما يولد غالبا هواجس كثيرة سلبية لديه ومنها الانتقام .
من هنا يغدو واجباً البحث عن طريقة تربوية متزنة تجيب عن سؤال: كيف نرمم سلوك الطفل المخطئ؟ إن الحلول التربية الحديثة كثيرة جادت بها البحوث العالمية والعربية ومنها اعتماد منهج الحرمان المؤقت من الامتيازات لفترة محددة تتناسب مع سن الطفل، وذلك عبر فتح حوار هادئ وتوجيه سلوكي صحيح. فعندما يرتكب الطفل خطأً أو تصرفاً سيئاً، لا داعي للجوء إلى العنف والتوبيخ القاسي، بل يكفي حرمانه من لعبته المحببة لبعض الوقت، أو منعه من شيء يفضله أو امتياز كافأته به سابقاً، مع الاتفاق معه بوضوح على هذا الربط بين التقصير وسلب الميزة.
هذا الربط يجعله يدرك بوعي مبكر أن للأفعال تبعات، ويتيح لنا معالجة الأمر دون الوقوع في فخ العنف أو العجز أو التجاهل. كما يتوجب الامتناع التام عن الضرب والكلمات المهينة؛ لأنها تتراكم في ذاكرة الطفل وتكون سبباً مباشراً في انكساره عندما يكبر. ونحتاج دائماً أن نعي أن العقاب يستهدف السلوك لا ذات الطفل؛ فالطفل ذاتٌ محترمة ينبغي أن تبقى ذاكرته نقية خالية من الشوائب، متقبلة للرسالة التي مفادها أننا لا نراك شخصاً سيئاً، بل طفلاً نزل عن مستواه المعهود ونحن نثق بقدرتك ونعمل معك لتعود لمرتبتك الأفضل.
وبالإضافة إلى منهج الحرمان المؤقت، تبرز طريقة إيجابية أخرى تتمثل في إدماج الطفل في مجتمعات منظمة جديدة؛ إذ قد يكون مجتمعه القريب يدفعه للفشل أكثر من النجاح، وهنا يكمن دور إلحاقه بفرق الكشافة أو المراكز التعليمية التي تزاوج بين العلم والترفيه والرياضة. وعلينا هنا أن نُفهم الطفل أولى قواعد الحياة: أن لا شيء يأتي وحده أو مجاناً، وأن الحياة تنطوي على مبدأ رئيسي مفاده أن كل انضباط يُكافأ صاحبه بنتيجة؛ فحتى العطشان لن يشرب ما لم يمد يده ليقرب الكأس من فمه. ومع كل خطوة إيجابية يخطوها الطفل، تُعاد له ميزته المسلوبة، ويصاحب ذلك إعداد روحي يرفع معنوياته ويجعله فخوراً بإنجازه، مما يدفعه إلى الاستمرار.
كذلك ينبغي ألا نغفل عن الانتباه لمواهبه ورعايتها وتنميتها ولا نتركها للأيام تحرمه منها؛ فبعض المواهب إذا أُهملت تموت، كفن الرسم أو لعب كرة القدم وغيرها من المواهب الواجب تنميتها في سن مبكرة لتكون منفذاً إيجابياً لطاقته وبناء شخصيته. إن التشجيع غير المباشر المسترسل بالحديث عن إنجازات الطفل وسط المجتمع وبين أقرانه، وإن كان فيه شيء من المبالغة، يولد لديه القدرة والفخر بنفسه ويحثه على الاستمرار، بخلاف التوبيخ الذي يجعله مكسوراً وصغيراً في عين نفسه أمام المجتمع.
أعطوا أطفالكم مساحة لبناء شخصية قوية تصنعونها بأنفسكم، واعتمدوا في ذلك على مصادر ثقافية وعلمية وتربوية، وليس على نصائح العابرين في الحياة الذين يوزعون تجاربهم التي لا تناسب أطفالكم.
التعليقات