التفاتة أخيرة

صورة الكاتب
بقلم: محمد جبر حسن
التاريخ: 20 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3258
التفاتة أخيرة

لم أكن أبحث عنه، وهذه ربما هي أكثر الأشياء التي تؤلمني حين أستعيد ذلك اليوم.
يومها كنتُ أسير إلى جوار زوجي بين أروقة معرض بغداد الدولي للكتاب الذي انتهت فعالياته قبل اسبوع، نتوقف بين حين وآخر أمام عناوين الكتب، واجيبه بنصف انتباه حين يسألني عن رواية أو ديوان.. كان المعرض مزدحمًا، والأصوات تتداخل من حولنا، وبعض الكتّاب يوقّعون مبتهجين بإصداراتهم الجديدة في حفلاتٍ بسيطةٍ جدًا، والناس يمضون في إتجاهات متقاطعة، كأنهم جميعًا يبحثون عن شيء ضاع منهم منذ زمن.
فجأة رأيته.
في البداية لم أصدّق عيني، كان واقفًا عند إحدى دورِ النشر يقلب كتابًا بين يديه، وقد وقفت إلى جواره امرأة شقراء بشعرٍ مصبوغ، لم أحتج إلى أكثر من لحظات قليلة لأعرفها.. والأغرب أنني عرفتها قبل أن أعرف أنها زوجته.. كانت زميلتنا في الصف!
توقفتُ دون أن أشعر، فالتفت زوجي إليّ مستغربًا وسألني:
— ماذا هناك؟
لم أجبه.. كنت أنظر إلى زميلي القديم وأشعر أن أربعين عامًا أو أكثر، قد انكمشت فجأة إلى تلك المسافة القصيرة بيننا..
رفع رأسه في اللحظة نفسها، فالتقت عيناه بعيني.. لم يتغير فيه شيء.. سوى البياض الذي اصطبغ به صدغاه!
وكانت تلك هي الكذبة التي نقولها لأنفسنا حين نعبر السنين:
أن الزمن يطفئ كل شيء.
لا.. لا..
الزمن لا يطفئ بعض الحرائق، بل يعلّمها كيف تختبئ تحت الرماد.
عرفني فورًا.. رأيت المفاجأة تعبر وجهه، ثم شيئًا يشبه الارتباك، قبل أن تستقر على شفتيه ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة نفسها التي كنت أعرفها قبل أن أعرف معنى الحب.
ابتسمتُ له ابتسامة امرأة تقف أمام رجل غريب، بينما قلبها وحده يعرف أنه ليس غريبًا أبدًا.
ثم التفتُّ إلى زوجته، كانت تبتسم لي هي الأخرى، دون أن تعرف في أي مكان من ذاكرتي تقف.
قلت في نفسي: يا للمفارقة.. هذه المرأة التي تقف إلى جواره الآن كانت يومًا واحدة منّا.. من مجموعتنا القريبة التي تجلس معنا في الصف وفي النادي، تسمع ضحكاتنا، وترى ذلك الشاب الذي يسرق النظر إليّ من خلف الكتب.. وتعرف جيدًا أن الرجل الذي اختارته شريكًا لحياتها، ذات يوم كان يحب امرأة أخرى بكل صدق..
وأنا كنت تلك المرأة.
خرجت من المعرض بعد أن تبادلنا كلمات قليلة..
سؤال عن الأحوال.. عن الأولاد.. عن السنوات.. عن الحياة.
كلمات صغيرة جدًا أمام تاريخ كان يحتاج إلى عمر كامل كي يُروى..
لكني عدتُ بعدها بالذكريات إلى سنوات الجامعة.. إلى تلك الزاوية القديمة من قاعة المحاضرات.. إلى المقعد الخشبي الذي لم يكن مجرد مقعد، بل كان مرصدي الخاص وقدري الذي رُسم بدقة..
هناك في البدايات الأولى، كنت أسترق النظر إليه وسط الزملاء والزميلات، أرقب خجله العفيف وهو يحاول إخفاء ارتباكه كلما التقت أعيننا في الممرات.
كان يظن أنه هو البادئ، وأنه يلاحق ظلي بكبرياء رجل، ولم يكن يعرف أنني كنت أفرش له الطريق بذكاء امرأة تعرف كيف تروّض الصدف.
وظل على حاله تلك، ينظر إليّ بعينين دافئتين، حتى تشجع أخيرًا في منتصف السنة الأولى، وجاءني بخطوات مترددة وركبتين ترتجفان ليصارحني بحبه.
لم يكن يدري أنني كنت مشغولة به قبلي بثرثرة قلبي، وأنني أنتظر تلك اللحظة بشوقٍ كبير.
ومن يومها أزهرت بيننا ثلاث سنوات ونصف من الحب العذري.. ذراعه التي تلامس ذراعي مصادفة فتسرق نبضي.. الشغف الذي كان يتطاير من عينيه ونحن نتجادل في حديث الأدب.. ضحكاتنا التي تبدأ بلا سبب.. و نقاشاتنا الحادة عن اختلاف طوائفنا وأصولنا، ثم تلك الابتسامة الخجولة التي كانت تطوي كل خلاف، وتقول إننا أكبر من قيود هذا العالم.
كنّا نظن أن الحب إذا كان صادقًا بما يكفي يستطيع أن ينتصر، ولم نكن نعلم أن قسوة هذا العالم تغتال الحب دون أن تمنحه فرصة لإثبات صدقه.
مع اقتراب امتحانات السنة الأخيرة، بدأ الحذر يتسلل إلى نبرته.. الأماكن التي كانت تجمعنا تحولت إلى خنادق من القلق والخوف من المجهول.
لم تكن مشاعرنا هي التي تلاشت، بل إن الخوف هو الذي حلّ محلها، خوفٌ نبت من ذلك الكابوس القاسي الذي كان يجرف شباب جيلنا: الخدمة العسكرية وجبهات الحرب الشرسة التي لم ترحم أحدًا.
صرت أرى في عينيه رعب عاشقٍ يمضي أيامه الأخيرة في الحياة المدنية، وأدركت أن حبنا بدأ يتآكل شيئًا فشيئًا.
في ذلك اليوم الأخير من الامتحانات، جلس أمامي في النادي الطلابي، رأيت الجمود يسكن ملامحه، والوجوم يلف جسده.
كنت أعلم الفاجعة قبل أن تخرج من شفتيه.
نظر إلى الطاولة وأطرق رأسه، ثم قال بصوتٍ متهدج وهو يهرب بعينيه كي لا يكسرني:
— ربما علينا أن نتوقف هنا.. لا يمكننا الاستمرار.
رفعت رأسي إليه، لم تنزل من عينيّ دمعة، وسألته بصوت هادئ يخفي خلفه زلزالًا:
— أ تتوقف لأنك لم تعد تحبني؟
أم لأنك تخاف من أصولنا واختلافنا؟
أغمض عينيه بألم وقال:
— بل لأن الحرب لا تبقي ولا تذر.. وأنتِ تستحقين حياة، لا انتظار رجل قد يعود في تابوت، أو لا يعود أبدًا.
لم أعترض.. لم أبكِ، ولم أرجُه أن يكمل.
كنت أعرف أنه يهرب مني ليحميني.. و أنه يمارس قسوة العشاق حين يعتقدون أن قتل الحب رحمة، ولم يكن يعلم أن الذبح بالفراق أشد إيلامًا من رصاص الجبهات.
تركت الصمت يحسم المعركة، وراقبته وهو ينسحب بخطوات متثاقلة نحو الباب.
خرجت خلفه بمسافة متباعدة، أستنشق هواءً معبأً بالمرارة.. اجتاز بناية مختبر الكيمياء ومن بعده مختبر الفيزياء، ثم انعطف يسارًا متجهًا إلى الممر المؤدي إلى البوابة الرئيسية للجامعة.
مشيتُ خطوات لا أعرف كيف أخذتني في مساره ذاته!؟
رأيته يقف دقيقة عند البوابة، نظر إلى السماء ثم ابتسم.. ابتسامة رجل يظن أنه اتخذ القرار الشجاع والصائب، رجل يرحل وهو يعتقد أنه ترك خلفه امرأة تحترق بالفقد، ويشعر بالسلام لأنه وضع حدًا لقصتنا بيده، بدل أن تضعها رصاصة غادرة في الجبهة.
ابتسمتُ أنا الأخرى من بين الظلال، وسقطت الدمعة التي حبستها عيناي أخيرًا، لتروي جفاف الوداع.
أيها الأحمق الطيب.. هل ظننت حقًا أنك الوحيد الذي يجيد التضحية؟ إن أقصى درجات الحب ليس أن تموت من أجل من تحب، بل أن تقبل أن تكون أنت القاتل والضحية في آنٍ واحد، لتبقيه هو على قيد الأمل.
رحلَ هو بحريته ووهمه بأنه البطل الذي أنقذني، ورحلتُ أنا بقلبي الذي دفنته حيًا تحت ثرى الصمت، كي لا أكسر كبرياء تضحيته.. ليظل يقاتل في الجبهة وهو يعتقد أنني نسيته، وليستمر في عيش حياته.
والآن، بعد أن عدنا إلى حياتنا، وبعد أن دار بنا العمر حتى أوقفتنا مصادفة غريبة، في ممر من ممرات معرض الكتاب.. لا أعرف أيّنا كان أكثر ارتباكًا: هو الذي رأى امرأة أحبّها ذات يوم تقف إلى جوار رجل آخر؟
أم أنا التي رأيت الرجل الذي دفنت حبّه منذ عقود يقف إلى جوار امرأة كانت يومًا زميلتنا في الصف؟
تساءلت وأنا أبتعد: هل عاش سعيدًا؟ هل تذكّرني؟ هل فكّر، ولو مرة واحدة في تلك الفتاة التي تركها عند بوابة الجامعة؟
ثم ابتسمت لنفسي.. لماذا أسأل؟
لقد كان أمامي الجواب.. في عينيه تلك النظرة التي لم تخطئني، رغم أن السنوات فعلت كل شيء كي تجعلني غريبة عنه.
لم نتحدث عن الماضي، ولعل ذلك كان أرحم، فبعض الحكايات إذا أخرجناها من قبورها لا تعود إلينا كما كانت، بل تعود لتطالبنا بكل الأعمار التي قضيناها من دونها.
ثم افترقنا.. مضى هو مع زوجته في أحد الممرات، ومضيت أنا مع زوجي في الاتجاه الآخر.
مضى هو.. ومضيت أنا، كلٌ منّا إلى بيته.. إلى حياته.. إلى شريكه الذي اختاره الزمن له..
لكنني، وأنا أستدير للمرة الأخيرة، رأيته يلتفت خلفه.. التقت عينانا مرة أخرى..
ابتسم.. فابتسمت..
ثم مضينا

عن الکاتب / الکاتبة

محمد جبر حسن
محمد جبر حسن
الشاعر والقاص/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

التابو في القصة القصيرة

التابو في القصة القصيرة

التابو في القصة القصيرة هو ذلك الحاجز غير المرئي الذي يقف بين الكاتب وما يريد…

صورة الكاتب محمد جبر حسن
23 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
ثلاث دقائق من الغياب

ثلاث دقائق من الغياب

  حين أفقت، كان آخر خيطٍ من ضوء النهار ينسحب ببطء خلف أشجارٍ بعيدة. تلونت…

صورة الكاتب محمد جبر حسن
17 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
آخر شهود الملحمة

آخر شهود الملحمة

آخر شهود الملحمة أكثر ما يوجعني قبل أن يغيظني أنّ أحدًا لا يلتفت إليّ. كل…

صورة الكاتب محمد جبر حسن
18 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


التفاتة أخيرة

بقلم: محمد جبر حسن | التاريخ: 20 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

لم أكن أبحث عنه، وهذه ربما هي أكثر الأشياء التي تؤلمني حين أستعيد ذلك اليوم.
يومها كنتُ أسير إلى جوار زوجي بين أروقة معرض بغداد الدولي للكتاب الذي انتهت فعالياته قبل اسبوع، نتوقف بين حين وآخر أمام عناوين الكتب، واجيبه بنصف انتباه حين يسألني عن رواية أو ديوان.. كان المعرض مزدحمًا، والأصوات تتداخل من حولنا، وبعض الكتّاب يوقّعون مبتهجين بإصداراتهم الجديدة في حفلاتٍ بسيطةٍ جدًا، والناس يمضون في إتجاهات متقاطعة، كأنهم جميعًا يبحثون عن شيء ضاع منهم منذ زمن.
فجأة رأيته.
في البداية لم أصدّق عيني، كان واقفًا عند إحدى دورِ النشر يقلب كتابًا بين يديه، وقد وقفت إلى جواره امرأة شقراء بشعرٍ مصبوغ، لم أحتج إلى أكثر من لحظات قليلة لأعرفها.. والأغرب أنني عرفتها قبل أن أعرف أنها زوجته.. كانت زميلتنا في الصف!
توقفتُ دون أن أشعر، فالتفت زوجي إليّ مستغربًا وسألني:
— ماذا هناك؟
لم أجبه.. كنت أنظر إلى زميلي القديم وأشعر أن أربعين عامًا أو أكثر، قد انكمشت فجأة إلى تلك المسافة القصيرة بيننا..
رفع رأسه في اللحظة نفسها، فالتقت عيناه بعيني.. لم يتغير فيه شيء.. سوى البياض الذي اصطبغ به صدغاه!
وكانت تلك هي الكذبة التي نقولها لأنفسنا حين نعبر السنين:
أن الزمن يطفئ كل شيء.
لا.. لا..
الزمن لا يطفئ بعض الحرائق، بل يعلّمها كيف تختبئ تحت الرماد.
عرفني فورًا.. رأيت المفاجأة تعبر وجهه، ثم شيئًا يشبه الارتباك، قبل أن تستقر على شفتيه ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة نفسها التي كنت أعرفها قبل أن أعرف معنى الحب.
ابتسمتُ له ابتسامة امرأة تقف أمام رجل غريب، بينما قلبها وحده يعرف أنه ليس غريبًا أبدًا.
ثم التفتُّ إلى زوجته، كانت تبتسم لي هي الأخرى، دون أن تعرف في أي مكان من ذاكرتي تقف.
قلت في نفسي: يا للمفارقة.. هذه المرأة التي تقف إلى جواره الآن كانت يومًا واحدة منّا.. من مجموعتنا القريبة التي تجلس معنا في الصف وفي النادي، تسمع ضحكاتنا، وترى ذلك الشاب الذي يسرق النظر إليّ من خلف الكتب.. وتعرف جيدًا أن الرجل الذي اختارته شريكًا لحياتها، ذات يوم كان يحب امرأة أخرى بكل صدق..
وأنا كنت تلك المرأة.
خرجت من المعرض بعد أن تبادلنا كلمات قليلة..
سؤال عن الأحوال.. عن الأولاد.. عن السنوات.. عن الحياة.
كلمات صغيرة جدًا أمام تاريخ كان يحتاج إلى عمر كامل كي يُروى..
لكني عدتُ بعدها بالذكريات إلى سنوات الجامعة.. إلى تلك الزاوية القديمة من قاعة المحاضرات.. إلى المقعد الخشبي الذي لم يكن مجرد مقعد، بل كان مرصدي الخاص وقدري الذي رُسم بدقة..
هناك في البدايات الأولى، كنت أسترق النظر إليه وسط الزملاء والزميلات، أرقب خجله العفيف وهو يحاول إخفاء ارتباكه كلما التقت أعيننا في الممرات.
كان يظن أنه هو البادئ، وأنه يلاحق ظلي بكبرياء رجل، ولم يكن يعرف أنني كنت أفرش له الطريق بذكاء امرأة تعرف كيف تروّض الصدف.
وظل على حاله تلك، ينظر إليّ بعينين دافئتين، حتى تشجع أخيرًا في منتصف السنة الأولى، وجاءني بخطوات مترددة وركبتين ترتجفان ليصارحني بحبه.
لم يكن يدري أنني كنت مشغولة به قبلي بثرثرة قلبي، وأنني أنتظر تلك اللحظة بشوقٍ كبير.
ومن يومها أزهرت بيننا ثلاث سنوات ونصف من الحب العذري.. ذراعه التي تلامس ذراعي مصادفة فتسرق نبضي.. الشغف الذي كان يتطاير من عينيه ونحن نتجادل في حديث الأدب.. ضحكاتنا التي تبدأ بلا سبب.. و نقاشاتنا الحادة عن اختلاف طوائفنا وأصولنا، ثم تلك الابتسامة الخجولة التي كانت تطوي كل خلاف، وتقول إننا أكبر من قيود هذا العالم.
كنّا نظن أن الحب إذا كان صادقًا بما يكفي يستطيع أن ينتصر، ولم نكن نعلم أن قسوة هذا العالم تغتال الحب دون أن تمنحه فرصة لإثبات صدقه.
مع اقتراب امتحانات السنة الأخيرة، بدأ الحذر يتسلل إلى نبرته.. الأماكن التي كانت تجمعنا تحولت إلى خنادق من القلق والخوف من المجهول.
لم تكن مشاعرنا هي التي تلاشت، بل إن الخوف هو الذي حلّ محلها، خوفٌ نبت من ذلك الكابوس القاسي الذي كان يجرف شباب جيلنا: الخدمة العسكرية وجبهات الحرب الشرسة التي لم ترحم أحدًا.
صرت أرى في عينيه رعب عاشقٍ يمضي أيامه الأخيرة في الحياة المدنية، وأدركت أن حبنا بدأ يتآكل شيئًا فشيئًا.
في ذلك اليوم الأخير من الامتحانات، جلس أمامي في النادي الطلابي، رأيت الجمود يسكن ملامحه، والوجوم يلف جسده.
كنت أعلم الفاجعة قبل أن تخرج من شفتيه.
نظر إلى الطاولة وأطرق رأسه، ثم قال بصوتٍ متهدج وهو يهرب بعينيه كي لا يكسرني:
— ربما علينا أن نتوقف هنا.. لا يمكننا الاستمرار.
رفعت رأسي إليه، لم تنزل من عينيّ دمعة، وسألته بصوت هادئ يخفي خلفه زلزالًا:
— أ تتوقف لأنك لم تعد تحبني؟
أم لأنك تخاف من أصولنا واختلافنا؟
أغمض عينيه بألم وقال:
— بل لأن الحرب لا تبقي ولا تذر.. وأنتِ تستحقين حياة، لا انتظار رجل قد يعود في تابوت، أو لا يعود أبدًا.
لم أعترض.. لم أبكِ، ولم أرجُه أن يكمل.
كنت أعرف أنه يهرب مني ليحميني.. و أنه يمارس قسوة العشاق حين يعتقدون أن قتل الحب رحمة، ولم يكن يعلم أن الذبح بالفراق أشد إيلامًا من رصاص الجبهات.
تركت الصمت يحسم المعركة، وراقبته وهو ينسحب بخطوات متثاقلة نحو الباب.
خرجت خلفه بمسافة متباعدة، أستنشق هواءً معبأً بالمرارة.. اجتاز بناية مختبر الكيمياء ومن بعده مختبر الفيزياء، ثم انعطف يسارًا متجهًا إلى الممر المؤدي إلى البوابة الرئيسية للجامعة.
مشيتُ خطوات لا أعرف كيف أخذتني في مساره ذاته!؟
رأيته يقف دقيقة عند البوابة، نظر إلى السماء ثم ابتسم.. ابتسامة رجل يظن أنه اتخذ القرار الشجاع والصائب، رجل يرحل وهو يعتقد أنه ترك خلفه امرأة تحترق بالفقد، ويشعر بالسلام لأنه وضع حدًا لقصتنا بيده، بدل أن تضعها رصاصة غادرة في الجبهة.
ابتسمتُ أنا الأخرى من بين الظلال، وسقطت الدمعة التي حبستها عيناي أخيرًا، لتروي جفاف الوداع.
أيها الأحمق الطيب.. هل ظننت حقًا أنك الوحيد الذي يجيد التضحية؟ إن أقصى درجات الحب ليس أن تموت من أجل من تحب، بل أن تقبل أن تكون أنت القاتل والضحية في آنٍ واحد، لتبقيه هو على قيد الأمل.
رحلَ هو بحريته ووهمه بأنه البطل الذي أنقذني، ورحلتُ أنا بقلبي الذي دفنته حيًا تحت ثرى الصمت، كي لا أكسر كبرياء تضحيته.. ليظل يقاتل في الجبهة وهو يعتقد أنني نسيته، وليستمر في عيش حياته.
والآن، بعد أن عدنا إلى حياتنا، وبعد أن دار بنا العمر حتى أوقفتنا مصادفة غريبة، في ممر من ممرات معرض الكتاب.. لا أعرف أيّنا كان أكثر ارتباكًا: هو الذي رأى امرأة أحبّها ذات يوم تقف إلى جوار رجل آخر؟
أم أنا التي رأيت الرجل الذي دفنت حبّه منذ عقود يقف إلى جوار امرأة كانت يومًا زميلتنا في الصف؟
تساءلت وأنا أبتعد: هل عاش سعيدًا؟ هل تذكّرني؟ هل فكّر، ولو مرة واحدة في تلك الفتاة التي تركها عند بوابة الجامعة؟
ثم ابتسمت لنفسي.. لماذا أسأل؟
لقد كان أمامي الجواب.. في عينيه تلك النظرة التي لم تخطئني، رغم أن السنوات فعلت كل شيء كي تجعلني غريبة عنه.
لم نتحدث عن الماضي، ولعل ذلك كان أرحم، فبعض الحكايات إذا أخرجناها من قبورها لا تعود إلينا كما كانت، بل تعود لتطالبنا بكل الأعمار التي قضيناها من دونها.
ثم افترقنا.. مضى هو مع زوجته في أحد الممرات، ومضيت أنا مع زوجي في الاتجاه الآخر.
مضى هو.. ومضيت أنا، كلٌ منّا إلى بيته.. إلى حياته.. إلى شريكه الذي اختاره الزمن له..
لكنني، وأنا أستدير للمرة الأخيرة، رأيته يلتفت خلفه.. التقت عينانا مرة أخرى..
ابتسم.. فابتسمت..
ثم مضينا