آخر شهود الملحمة
أكثر ما يوجعني قبل أن يغيظني أنّ أحدًا لا يلتفت إليّ.
كل يوم يمرّ أمامي في المتحف الإسلامي بإسطنبول، جمعٌ غفير من السيّاح، عيونهم تجوب المكان، لكنّها لا تراني.. يقرأون تلك اليافطة المثبّتة أسفل الخزانة الزجاجية:
” رُمح – المُطَرَّح *
صُنع في عصر الدولة الأموية”.
كانوا يكتفون بقراءة العنوان، ثم يواصلون سيرهم، كأنّي أثرٌ معدنيّ جامد، بلا نبضٍ ولا ذاكرة.
لا أحد يعرف أنّ لي حكايةً أثقل من الحديد، وأنّي ما زلت أحمل صدى يومٍ غيّر مجرى التاريخ قبل ثلاثة عشر قرنًا.
أتفهّم غفلتهم أحيانًا، فالتسمية الباردة لا تقول شيئًا، لكنّي أنا وحدي أعرف ما جرى وما شهدتُ عليه.
في الحقيقة، ما أنا إلّا رمحٌ طويل، صلب، بارد الملمس، حادُّ النصل، صُنعتُ لأُغرَزَ في البطون والظهور، ولأريق دمًا لا يعرف أصحابُه لماذا يُقتَلون. مرصوصٌ مع رماحٍ وسيوفٍ وأحزمةٍ في مشاجب مظلمة، ننتظر اليد التي تختارنا.
ما زلت أذكر الرمّاح* الذي صنعني من نارٍ وحديد بالمطرقة والسندان، خاطَبَنا كالأحياء، مردّدًا بيتًا لعنترة بن شدّاد:
لَو أَرسَلتُ رُمحِي مَعَ جَبَانٍ
لَكَانَ بِهَيبَتِي يَلقَى السِّبَاعَ
تمنّى أن نُحمل بأيدي الشجعان، فالشجاع يعطينا معنى وهيبة.
يومها تمنّيت أن أُمسك بيد رجلٍ يعرف قيمتي، وأخرج من العتمة إلى نور المعركة، أتلوّن بالدم كما تتلوّن السيوف والرِماح، وأن أشهد لحظةً فاصلة تجعلني أكثر من معدن.
طال الانتظار.. أيّامٌ تمضي، سيوف تخرج ولا تعود، رِماح تُستعمل ثم تُلقى جانبًا.
أصغيتُ من بعيدٍ إلى صليل السيوف وصراخ الرجال يتدرّبون، بينما أنا حبيسُ عتمةٍ ساكنة.
حتى جاءت تلك الساعة.. ساعة لم أتصوّر أنّها ستكون لعنةً وقداسةً معًا.
دخل إلى المشجب يومها جنديّ رامح*، طويل القامة، عريض المنكبين، كأن جسده صُنع ليحمل الحديد والدم.
توقّف أمامي، حدّق في طولي وصلابتي، ثم مدّ يده فأمسكني بقوّة، رفعني ببطءٍ، وقال بصوتٍ جافٍّ لا يرتجف:
ــ هذا سيكون حاملَ الرأس.
تردّدت الكلمة في داخلي كالصاعقة:
رأس؟ أيُّ رأس؟
ارتجفتُ للمرّة الأولى منذ أن مسّتني النار، شعرتُ أنّ نصلي الحادّ صار هشًّا أمام وقع الكلمة، ومع ذلك لم أملك مقاومةً.. قبضتُه أقوى من صلابتي.
خرج بي إلى ساحةٍ مضرّجة بالدماء، أجسادٌ ممزّقة تفوح منها رائحة الموت، رأيتُ عيونًا فارغة قد غادرتها الأرواح، وجنودًا يحيطون رأسًا مطروحًا على التراب، يهتفون بالنصر.
لكنّي عرفت من النظرة الأولى أنّ هذا الرأس لم يكن كسائر الرؤوس..
إنّه رأسُ ابنِ بنتِ رسولِ الله.. رأسُ الحسين!
حين وُضع على نصلي أحسستُ بثقلٍ لم أعرفه من قبل، لم يكن ثقل لحمٍ أو عظم، بل ثقل قداسةٍ تهزّ الأرض.. كأنّ الهواء انقطع فجأة، ثم امتلأ المكان بهمساتٍ نورانية.. تسبيح، دعاء، أنين.
سمعتُ الرأس الشريف يهمس في صمت:
“اللهم اجعل هذا اليوم شاهدًا على ظلمهم..
واجعل تضحيتي نورًا للحق”.
رأيت ما لا تراه بقية الأسلحة، الملائكة أحاطت بالرأس، ونورٌ أبيض كأجنحة يلامس حافتي، يخفف رجفة الحديد ويظلّل وجه الحسين عن وهج الشمس.. النور يفيض من الجراح، يعلو الدم، يملأ السماء والقلوب، ويجعلني حاملًا قداسة رغمًا عني.
بعد قليل، حملوني عبر الدروب الموحشة إلى قصر والي الكوفة، عبيد الله بن زياد.
كلُّ خطوةٍ كان يخطوها الرامحُ الذي يحملني كانت تُشعرني برجفةِ الأرض.. أسمع فيها صدى صرخاتٍ غريبة لا تشبه صليل السيوف، صدى حزنٍ وغياب.
عندما دخلنا القصر، تحوّل كل شيء إلى صمتٍ وسكون.
ثبتوني أمام والي الكوفة، كانت عيناه محمرتين بالغضب والخوف معًا، وكلماته جاءت كرمح آخر يُغرز في قلبي:
“ضعوا هذا الرأس في ساحة القصر ليراه الناس، ومن ثم يرسل مع بقية الرؤوس إلى دمشق، ولتكن المدن التي يمرون عليها شاهدةً على من يثور ضد الخليفة يزيد”.
في هذه اللحظة صرتُ أكثر من مجرد رمح، صرتُ رسولًا ثقيلًا بالدم والقداسة.
لم يكن حملي للهامة الشريفة مجرد مهمة، بل رسالةٌ منحوتة بالألم والدم، أتحركُ بلا خيار، وكل خطوةٍ شهادةٌ على الظلم.
ذلك الرأس الصامت يحمل في رحابه كرامةً وعزّةً وحريةً لم يصلها السيف.
انطلقتُ مع الركب من الكوفة إلى الشام، محمولًا بيديّ رامح لا يعرف ماذا يحمل، الطريق طويل، وكل مدينة نمرّ بها تصير شاهدًا جديدًا على الظلم، بعض الناس يخرج متفرجًا، وبعضهم يشيحون بوجوههم، وكثيرون يختبئون وراء جدرانهم، لكنني كنتُ أرى الدموع التي تسيل بصمت، وأسمع صدى الأدعية يتردد في الهواء، كأن الأرض نفسها تبكي.
في الطريق، كان الرامح يبطئ خطواته كلما اقترب بالمسير من السيدة زينب، شعرتُ أن الرأس الشريف يفيض بكلامٍ لا يسمعه غيرها.. لم تتحرك شفتاه، لكنني سمعته بوضوحٍ يملأني من الداخل.فسمعته يقول لها:
ــ يا أختاه، لا تنظري إليَّ كجسدٍ مجروح، بل كرايةٍ خفّاقة.. ستدخلين الشام مقيَّدة، لكنكِ ستجتاحينها كالريح العاتية.. خطبتك التي ستقولينها سوف تهزُّ القصور وتفتح أبواب الثورة.. لا تحزني على النساء والأطفال، فكل دمعة منهنّ ستصبح شاهدًا، وكل تنهيدةٍ منهنّ ستُحفظ في السماء.
فأجابته السيدة زينب، وهي تمشي بخطىً واهنة لكن ثابتة:
ــ يا أخي، ما تركتَ لنا بعدك إلّا أن نكون شهودًا على دمك.. لن أنحني أمام الطغاة، وإن أحاطت بي الشدائد..
سأقول كلمتك حين تسكت الألسن، وأحمل حقيقتك حيث يخنقون الحقيقة.
ما دام في صدري نفس، فسأبقى لك جبلًا من الصبر.
كان حديثهما يذيب الحديد في داخلي، شعرتُ أنني لم أعد رمحًا، بل أذنًا صاغية لحوار لا يُسمع في الدنيا كلها.
مع مرور الأيام، صارت القرى والطرقات مرايا خفية تعكس سرّ الهامة الشريفة.. همسٌ يمرّ في الهواء يلامس القلوب: عجوزٌ تجلس على عتبة بيتها تبكي بلا سبب، طفلٌ يرفع يده نحو السماء بلا وعي، وبائع تمرٍ يسقط ما في يديه ويهمس:
مرّ من هنا نورٌ من نور النبوّة.
حتى الطبيعة تستجيب، الأشجار تنحني، الطيور تتوقف، والنجوم تخفت ثم تشتعل مجددًا..
ارتجّت القلوب بنداءٍ خفيّ لا يُرى، لكنني كنت أعلم.. إنها أنفاس الهامة الشريفة، تخترق الأرواح والكون معًا، وتترك أثرًا لا يُمحى في كل قلب وأفق..
وفي اليوم السابع من المسير، أبطأ الرامح خطوة أخرى، هذه المرة بمحاذاة علي بن الحسين، الشاب النحيل المقيّد بالأصفاد.. كان وجهه شاحبًا لكنه مشرقٌ بعينين لا تطفئهما القيود.
سمعت الرأس الشريف يخاطبه بصوت يملؤه الحنان والقوة:
ــ يا بُنيَّ، لا تبتئس، إنما أراد الله أن تكون الامتداد، ستُساق إلى قصر الطاغية، لكنك هناك صوت الحق.
يا بُنيَّ، اصبر كما صبرتُ، واثبت كما ثبتت عمتكَ زينب.
فأجابه عليّ بن الحسين بصوت واهن، يفيض عزيمة:
ــ يا أبتاه، إن حملك أثقل من الجبال، لكنني أحمله بقلبٍ ثابت، عهدك في عنقي، وصوتك في صدري.. وإن جرّوني أسيرًا فلن يروا فيَّ إلّا امتدادك، ولن يسمعوا مني إلّا صداك.
لحظتها أصابتني قشعريرة.. شعرتُ أني لا أحمل رأسًا مقطوعًا، بل أحمل ما هو أعظم: وصايا تعبر الزمن، ودمًا يتحول إلى كلام، وكلامًا يصير نورًا يبدد عتمة القصور.
حين بلغ الركب أبواب الشام، اهتزت المدينة تحت وقع خطواتنا، القصور الموشاة بالذهب، الأبواب المرصعة كانت تلمع تحت الشمس، لكنها بدت باهتة أمام إشراقٍ أعظم كان يملأ الجو: ضياء المحيا الشريف، الذي لم يكن يضيء الجسد وحده، بل يشرق في كل من يشاهد، حتى ولو لم يعرف سرّه.
دخلنا القصر، فإذا بالصمت يخيم على المكان، والذهب على الطاولات بلا بريق، والجدران المزخرفة انكمشت أمام هالة القداسة.
كنتُ أحمل الرأس الشريف على نصلي، وكلُّ خطوةٍ تنوء بما لا يطيقه التاريخ.. اضطرب القصر بجلال الموقف، الستائر الكثيفة انفتحت كأنها تتنفس ضوءًا، والنوافذ العالية فتحت صدرها لنسمة محمّلة بصلاة خفية، وكل جدار بدا ضئيلًا أمام ما هو أرفع.
ارتجفتُ.. لم أعد مجرد أداة حرب، بل وعاءً للرسالة، شاهدًا على أن الهامة المرفوعة فوقي أسمى من كل عرش.
حين مدّ الجندي يده لرفع الرأس عن نصلي، شعرت أنني أُنتزع من نفسي، لم يكن مجرد فصل بين لحم وحديد، بل اقتلاع روح التصقت بي منذ لحظة حملتُه، كأن كل ذرة في جسدي المعدني تستصرخ أن يبقى، وأن يظل على نصلتي، وأظل حاملًا له إلى الأبد.
كانت يد الجندي خشنة، بلا مبالاة، يرفع الرأس كأنه شيء عادي، بينما أنا أرتجف من الداخل، كأن النار التي شاركت في صناعتي قد اشتعلت من جديد، ليس لهبًا، بل نار وجع.
انسحب النور فجأة، وتركني عاريًا أمام نفسي، صرت معدنًا بلا قداسة، كتلة صمّاء فقدت سرّها، وكأن السماء رفعت جناحها عني وتركتني تحت سقف القصر المظلم.
حين وُضع الرأس في (الطِشت) أمام يزيد، سمعت الأرض ترتجّ داخلي، كأنها تعترض على الانحدار من علُوّ النصل إلى قاع الطِشت.. لقد كنت جزءًا من علو الرأس وهيبته، وها أنا أراه يُوضع في إناء بارد لا يليق به، أمام عيون لا تعرف قدره.
فسمعته لحظتها يقرأ:
وَلَا تَحسَبَنَّ اللَّـهَ غَافِلًا عَمَّا يَعمَلُ الظَّالِمُونَ.
ساد في القاعة صمت يشبه انسحاب الأنفاس، والذهب باهت، والكؤوس أُفرغت دون أن يمسّها أحد.. كل شيء حول الرأس غريب، كأن المكان كله انحنى أمام نظرة مغمضة تحاكمهم جميعًا.
ثم دخلت السيدة زينب.
لم تكن أسيرة كما أرادوا لها، بل شامخة في وقفتها، كأنها قادمة من زمنٍ آخر..
خطواتها بطيئة راسخة، وقيودها المعلّقة في يديها تحوّلت إلى وشاح من مهابة، وثوبها الأسود احتضن صبرها، لكن ظلّها كان أعظم من كل ما في القاعة.
انقبضت أنفاس الجنود، بعضهم خفَض رأسه، وبعضهم حاول أن يتوارى خلف جدار الصمت.
حتى القناديل المعلقة على الجدران خبت ألسنتها قليلًا، كأنها تستحي من ضوئها.
ابتسم يزيد ابتسامة باردة، رفع كأسه وتشدّق بصوتٍ حاول أن يجعله واثقًا:
– ها هي ابنة علي تدخل مجلسي أسيرة.. انتهى كل شيء.. رأس أخيك بين يدي، ورجالكم صرعى على رمال كربلاء.
لكن عينيها ارتفعتا نحوه بثبات، فكأن العرش قد انكمش، وكأن الذهب من حوله صار غبارًا.
ثم رأيتُ يزيد يضحك بغلظة، يمدّ قضيبًا من خيزران وينكت به شفتي الحسين، وهو يقول بصوتٍ عالٍ أمام الناس:
“يومٌ بيومِ بدر”
اهتزت الجدران من صدى كلماته، لكن صوت السيدة زينب اندفع كالرعد، يجلجل رغم الأسر والقيود، حتى قالت في خطبتها:
“كد كيدك، واجهد جُهدك، فوالله الذي شرَّفنا بالوحي والكتاب والنبُوّة والانتجاب، لا تُدرك أمَدَنا ولا تبلغُ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا ولا ترحض* عنكَ عارُنا.. وهل رأيك إلّا فَنَدٌ، وأيامك إلّا عددٌ، وجمعُك إلّا بدد..”
كنتُ مأخوذًا بكلماتها وهي تمضي في خطابها دون تردّد.. خيّم الصمت على القصر، ولم يجرؤ أحد على مقاطعتها، كانت كلماتها تقع على الوجوه قبل الآذان، فتبدّل ما فيها من زهوٍ إلى ذهول.
أما أنا، الرمح الذي طالما اعتدّ بحدِّه وما أراقه من دماء، فقد وجدتُ نفسي للمرة الأولى عاجزًا أمام كلمة، شعرتُ أن كل ما حملته من بطشٍ لم يكن سوى هشيمٍ تذروه ريح الحقيقة.
لم أسمع قطّ بامرأةٍ وقفت هذا الموقف، وحيدةً في مجلسٍ ازدحم بالأمراء والقادة والجنود، ثم خرجت منه أعلى شأنًا من جميع من فيه.
ثم نهض صوتٌ آخر.. كان الجسد واهيًا من المرض وعناء السفر، لكن الكلمات خرجت ثابتةً لا تعرف الوهن.. صوت عليّ بن الحسين، زين العابدين، مكبّلًا بالقيود، غير أن قيوده كانت أضعف من أن تطال روحه.. تكلّم، فخُيّل إليّ أن الأرض كلّها قد استعارت لسانه:
“أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب.. أنا ابن من انتُهكت حرمته، وسُلبت نعمته، وانتهب ماله، وقتل صبرًا، وكُفي بغير ذنب”.
رأيتُ وجوه الحضور تتغير: بعضهم يبكي صامتًا، بعضهم يطأطئ رأسه خجلًا.
عندها التفت يزيد إلى المؤذن يأمره أن يؤذن ليقطع الخطبة..
ارتفع صوت الأذان في القصر، فلما بلغ المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله، رفع زين العابدين صوته وهو مقيّد:
“أشهدكم بالله، مَن هو رسول الله محمد؟
هل هو جدي أم جدّ يزيد؟”
كلمات قليلة، جعلت كل ما حاول يزيد ستره ينكشف أمام العيون.
عندها أحسست أنني لم أعد مجرد رمح، صرت أُذُنًا للتاريخ، أسمع ما يجب أن يُحفظ للأبد.
وبعد أن انتهى المجلس، تقدم أحد الجنود، أمسك بي كما يُمسك بقطعة أثاث، وعلّقني على مشجبٍ في زاوية قصر يزيد.. شعرتُ بالبرد يتسلل إلى نصلي، ليس برد الحديد، بل برد الغربة بعد أن كنتُ حامل النور.
مرت أيام طويلة وأنا معلّق هناك، أراقب وجوه الداخلين والخارجين، بعضهم ينظر إليّ بلا اكتراث، بعضهم يشيح بوجهه، وبعضهم يرمقني بنظرةٍ عابرة كأنني لم أكن شيئًا.
ومع مرور الزمن، أصبحتُ منسيًّا في زوايا القصور.. تنقلت من مشجب إلى آخر، ثم إلى خزائن الخلفاء الأمويين، فإلى العباسيين.. صرتُ جزءًا من الغنائم التي وصلت إلى العثمانيين.
في كل انتقال كنت أفقد شيئًا من بريق الحديد، لكنّي لم أفقد الذاكرة.. كنتُ أحمل معي الصوت الذي سمعتُه من السيدة زينب، والصرخة التي رفعها زين العابدين، والنور الذي غمرني من رأس الحسين.
حتى جاء يومٌ آخر، بعد قرون طويلة، وُضعت فيه داخل صندوقٍ محكم، ثم نُقلت إلى إسطنبول، وصرتُ ضمن مقتنيات هذا المتحف.
ومنذ ذلك اليوم وأنا محبوسٌ هنا خلف زجاجٍ بارد، أرى العيون تمرّ بي دون أن تعرف أنني لم أكن مجرد رمح عربي.. أنا المُطَرَّح الذي حمل رأسَ سيدِ شبابِ أهلِ الجنة، وسمع صرخة السيدة زينب، وشهادة زين العابدين.
صحيح أنّ أحدًا لا يلتفت إليّ اليوم، لكن الوفاء لذكرى الطَف في داخلي يصرخ بما لا يزول..
فأنا شاهد قداسةٍ لا يمحوها الغياب، والزمان شاهدٌ على ما أقول.
انتهت.
⸻——————————-
*المُطَرَّح : الرمح الطويل.
*الرمّاح: صانع الرماح.
*الرامح: حامل الرمح.
*تَرحَض: تغسل، تزيل عنك.
د. اسماعيل مروة
عدنان لفتة السماوي
داود سلمان عجاج
التعليقات