ما بعد التصفيق
لم يكن في ملعب الإدارة المحلية بالموصل موضع قدم. ازدحمت المدرجات بالناس، واصطفت القيادات العسكرية والضباط في مشهد احتفالي مهيب، بينما أخذت سيارة عسكرية مكشوفة من نوع (واز) تدور ببطء حول أرضية الملعب.
كان الجندي يقف فيها شامخاً، ثابت النظرات، كأنما يريد أن يقنع الجميع بأن الحرب لم تنل منه سوى ذراعيه. وعلى الرغم من أن كتفيه كانتا تنتهيان عند فراغ موجع، فإن قامته بدت أطول من كل الأكتاف المحيطة به.
ارتفعت الأيدي بالتحية العسكرية، وتعالت الهتافات، واختلط التصفيق بصيحات الإعجاب. كانت العيون تلاحقه بفخر، والألسن تردد اسمه مقروناً بالشجاعة والبطولة. أما هو، فكان يبادل الجميع بابتسامة هادئة، يخفي خلفها وجعاً لم يكن أحد يراه.
كان يفكر:
– كم هو غريب أن يصفق الناس لما أخذته الحرب مني، لا لما أبقته لي.
انتهت مراسم التكريم، وانفض الجمع كما تنفض المهرجانات بعد إسدال الستار. بقي الوسام معلقاً على صدره، لكن التصفيق ظل يتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى ابتلعته المسافات.
خصصت له سيارة لتنقله إلى بيت أهله في القضاء الواقع جنوب الموصل. تحركت السيارة، وتحرك معها شريط الذاكرة.
عاد إلى ذلك النهار في أعالي الجبال، حيث كانت الربايا العسكرية تتناثر فوق السفوح الصخرية، ويربط بينها ممر ضيق اعتادت الأقدام المرور فيه. خطوة، ثم أخرى، ثم ومضة خاطفة، وصوت انفجار مزق الصمت.
نظر يومها إلى الأرض، فلم يجد ذراعيه. لم يشعر بالألم أول الأمر، بل شعر بدهشة باردة، كأن جسده لم يستوعب ما حدث. ثم رأى وجوه رفاقه تقترب مذعورة، وسمع أصواتهم تتداخل، قبل أن يغيب كل شيء.
استفاق في المستشفى العسكري، محاطاً بالأطباء والممرضين، كان الجميع يهنئه بالنجاة. لكن أحداً لم يسأله:
– كيف سيعيش؟
في الطريق إلى البيت، بدأ يشعر بالجوع لأول مرة منذ الإصابة. ابتسم بمرارة، الجوع… تلك الغريزة البسيطة التي لم يفكر فيها يوماً، صارت الآن معضلة.
– من سيطعمني؟
وسرعان ما تبعه سؤال آخر أشد قسوة:
– وحين أحتاج إلى قضاء حاجتي… من سيغسل جسدي؟ ومن سيحفظ ما بقي من كرامتي؟
أطرق رأسه. كان يخوض معركة جديدة، بلا سلاح، وبلا رفاق. لذا قال في داخله:
– في الجبهة كنت أخشى الموت… أما الآن فأخشى الحياة.
تذكر آلاف الأيدي التي صفقت له قبل ساعة، كل تلك الأيدي كانت قادرة على التصفيق. لكن أية يد منها سترافقه كل صباح؟ وأية عين ستتحمل رؤية دموع رجل كان يقاتل مع الجنود، ثم صار ينتظر من يناوله كأس ماء؟
شعر لأول مرة أن الحرب لم تنتهِ عند الانفجار، بل بدأت منه. كان اللغم قد دفن ذراعيه في التراب، لكنه ترك روحه معلقة بين حاجته إلى الآخرين، ورغبته في أن يبقى كما عرف نفسه يوماً.
مال برأسه نحو نافذة السيارة، كان الغروب يصبغ السماء بلون النحاس، والحقول تمتد صامتة على جانبي الطريق. همس بصوت خافت:
– ليت التصفيق يمتلك ذراعين..
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة، سرعان ما انطفأت.
استمرت السيارة في سيرها. وكان الوسام يلمع فوق صدره كلما لامسته أشعة الشمس الأخيرة، أما هو، فلم يكن ينظر إلى الوسام. بل كان ينظر إلى باب البيت الذي يقترب شيئاً فشيئاً… ويتساءل:
– هل سأدخله بطلاً… أم سأدخله طفلاً كبيراً يحتاج إلى يدين ليستا يديه؟
توقفت السيارة أمام الدار. تقدم أهله نحوه مسرعين، فُتح الباب. وللمرة الأولى منذ أن دوى ذلك الانفجار أسفل الجبل، أدرك أن أصعب خطوة في حياته… لم تكن فوق حقل الألغام، بل كانت الخطوة التي سيفصل بها بين باب السيارة وعتبة البيت.
ما بعد التصفيق
ما بعد التصفيق
لم يكن في ملعب الإدارة المحلية بالموصل موضع قدم. ازدحمت المدرجات بالناس، واصطفت القيادات العسكرية والضباط في مشهد احتفالي مهيب، بينما أخذت سيارة عسكرية مكشوفة من نوع (واز) تدور ببطء حول أرضية الملعب.
كان الجندي يقف فيها شامخاً، ثابت النظرات، كأنما يريد أن يقنع الجميع بأن الحرب لم تنل منه سوى ذراعيه. وعلى الرغم من أن كتفيه كانتا تنتهيان عند فراغ موجع، فإن قامته بدت أطول من كل الأكتاف المحيطة به.
ارتفعت الأيدي بالتحية العسكرية، وتعالت الهتافات، واختلط التصفيق بصيحات الإعجاب. كانت العيون تلاحقه بفخر، والألسن تردد اسمه مقروناً بالشجاعة والبطولة. أما هو، فكان يبادل الجميع بابتسامة هادئة، يخفي خلفها وجعاً لم يكن أحد يراه.
كان يفكر:
– كم هو غريب أن يصفق الناس لما أخذته الحرب مني، لا لما أبقته لي.
انتهت مراسم التكريم، وانفض الجمع كما تنفض المهرجانات بعد إسدال الستار. بقي الوسام معلقاً على صدره، لكن التصفيق ظل يتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى ابتلعته المسافات.
خصصت له سيارة لتنقله إلى بيت أهله في القضاء الواقع جنوب الموصل. تحركت السيارة، وتحرك معها شريط الذاكرة.
عاد إلى ذلك النهار في أعالي الجبال، حيث كانت الربايا العسكرية تتناثر فوق السفوح الصخرية، ويربط بينها ممر ضيق اعتادت الأقدام المرور فيه. خطوة، ثم أخرى، ثم ومضة خاطفة، وصوت انفجار مزق الصمت.
نظر يومها إلى الأرض، فلم يجد ذراعيه. لم يشعر بالألم أول الأمر، بل شعر بدهشة باردة، كأن جسده لم يستوعب ما حدث. ثم رأى وجوه رفاقه تقترب مذعورة، وسمع أصواتهم تتداخل، قبل أن يغيب كل شيء.
استفاق في المستشفى العسكري، محاطاً بالأطباء والممرضين، كان الجميع يهنئه بالنجاة. لكن أحداً لم يسأله:
– كيف سيعيش؟
في الطريق إلى البيت، بدأ يشعر بالجوع لأول مرة منذ الإصابة. ابتسم بمرارة، الجوع… تلك الغريزة البسيطة التي لم يفكر فيها يوماً، صارت الآن معضلة.
– من سيطعمني؟
وسرعان ما تبعه سؤال آخر أشد قسوة:
– وحين أحتاج إلى قضاء حاجتي… من سيغسل جسدي؟ ومن سيحفظ ما بقي من كرامتي؟
أطرق رأسه. كان يخوض معركة جديدة، بلا سلاح، وبلا رفاق. لذا قال في داخله:
– في الجبهة كنت أخشى الموت… أما الآن فأخشى الحياة.
تذكر آلاف الأيدي التي صفقت له قبل ساعة، كل تلك الأيدي كانت قادرة على التصفيق. لكن أية يد منها سترافقه كل صباح؟ وأية عين ستتحمل رؤية دموع رجل كان يقاتل مع الجنود، ثم صار ينتظر من يناوله كأس ماء؟
شعر لأول مرة أن الحرب لم تنتهِ عند الانفجار، بل بدأت منه. كان اللغم قد دفن ذراعيه في التراب، لكنه ترك روحه معلقة بين حاجته إلى الآخرين، ورغبته في أن يبقى كما عرف نفسه يوماً.
مال برأسه نحو نافذة السيارة، كان الغروب يصبغ السماء بلون النحاس، والحقول تمتد صامتة على جانبي الطريق. همس بصوت خافت:
– ليت التصفيق يمتلك ذراعين..
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة، سرعان ما انطفأت.
استمرت السيارة في سيرها. وكان الوسام يلمع فوق صدره كلما لامسته أشعة الشمس الأخيرة، أما هو، فلم يكن ينظر إلى الوسام. بل كان ينظر إلى باب البيت الذي يقترب شيئاً فشيئاً… ويتساءل:
– هل سأدخله بطلاً… أم سأدخله طفلاً كبيراً يحتاج إلى يدين ليستا يديه؟
توقفت السيارة أمام الدار. تقدم أهله نحوه مسرعين، فُتح الباب. وللمرة الأولى منذ أن دوى ذلك الانفجار أسفل الجبل، أدرك أن أصعب خطوة في حياته… لم تكن فوق حقل الألغام، بل كانت الخطوة التي سيفصل بها بين باب السيارة وعتبة البيت.
التعليقات