الورقة النقدية التي قدمت في جلسة عن رواية ( رحلة الى كالكوتا) للروائي “حسن البحار”
في المركز الثقافي البغدادي
الانفلات السردي والميتاسرد في رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار
يسعدني أن أتحدث اليوم عن رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار، وهي من الأعمال التي يصعب تصنيفها ضمن جنس أدبي واحد؛ فهي رواية، وهي في الوقت نفسه أدب رحلات، وهي أيضا سيرة ذاتية تتداخل فيها الذاكرة مع الخيال، والواقع مع الوهم، حتى يشعر القارئ بأنه لا يرافق رحالةً يعبر المدن، بل يرافق إنسانا يعبر ذاته.
منذ الصفحات الأولى ندرك أن حسن البحار لا يكتب الرحلة بالمعنى التقليدي، فلا يكتفي بوصف المدن أو تسجيل الانطباعات، بل يجعل من السفر وسيلة لاكتشاف الإنسان. لذلك فإن الرحلة عنده ليست انتقالا جغرافيا من مكان إلى آخر، وإنما انتقال داخلي بين الذاكرة والحاضر، وبين الحنين والواقع، وبين ما عاشه وما يتخيله.
-الانفلات السردي
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه الرواية هو ما يمكن أن أسميه الانفلات السردي. فالسرد لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك بحرية كاملة، ينتقل من مشهد إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، ومن فكرة إلى أخرى، دون أن يفقد تماسكه الداخلي. قد يبدو للقارئ أنه أمام نص متشظ، لكنه في الحقيقة تشظ مقصود يعكس طبيعة الذاكرة الإنسانية التي لا تستعيد الماضي بطريقة مرتبة، وإنما تستحضره عبر التداعي الحر.
-الذاكرة هي المحرك
ويبدو أن حسن البحار كان مؤمنا بأن الذاكرة هي المحرك الحقيقي للكتابة. فهو يلمح في أكثر من موضع إلى أن الإنسان بلا ذاكرة يفقد جزءا من وجوده، ولذلك تصبح الكتابة فعل مقاومة للنسيان أكثر من كونها مجرد تسجيل للوقائع.
في المحطة الأولى من الرحلة، وهي إسطنبول، لا يقدم الكاتب المدينة بوصفها مقصدا سياحيا، بل يجعلها شخصية حية تشارك في صناعة الحدث. إسطنبول عنده ليست أبنية وشوارع وجسورا فقط، وإنما مدينة تنبض بالحواس؛ رائحة البحر، وضوء المغيب، وصوت المقاهي، وحركة المارة، كلها تتحول إلى عناصر داخل البناء السردي.
عين الرحلة وعين الروائي
ولعل أجمل ما في وصفه لإسطنبول أنه ينظر إليها بعين الرحالة وعين الروائي في آن واحد. فالرحالة يرى المكان، أما الروائي فيرى ما وراء المكان، ولذلك تتحول المدينة إلى مرآة تعكس مشاعر الغربة والحنين والأسئلة الوجودية.
-تأجبل الأحداث الدرامية
ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا يؤجل الكاتب الأحداث الدرامية أحيانا. فعلى الرغم من وجود حادثة غرق السفينة، فإنها لا تصبح محور الرواية المباشر، لأن اهتمام الكاتب منصب على الرحلة الداخلية أكثر من اهتمامه بالحدث الخارجي. إنه يبطئ حركة السرد عمدا ليمنح القارئ فرصة التأمل في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تحمل دلالات إنسانية عميقة.
موني رمز الجمال
ومن المشاهد اللافتة أيضا ظهور شخصية موني، التي لا تؤدي وظيفة عاطفية فحسب، بل تمثل لحظة استراحة وسط التعب، ونافذة أمل وسط الغربة. إنها ليست شخصية مرسومة بطريقة تقليدية، وإنما رمز للجمال الذي يظهر فجأة في حياة الإنسان، ثم يترك أثره في الذاكرة.
-تقنية الميتا سرد
وإذا انتقلنا إلى الجانب التقني في الرواية، فإننا نجد أن حسن البحار يوظف بذكاء ما يعرف في النقد الحديث بـ الميتاسرد، أي أن الرواية تتحدث عن نفسها، وتكشف للقارئ آليات بنائها.
ففي أكثر من موضع يعترف السارد بأن بعض الشخصيات أو الحوارات من صنع الخيال، وكأنه يريد أن يقول للقارئ: لا تبحث عن الحقيقة خارج النص، فالحقيقة هنا هي حقيقة الفن، لا حقيقة الوثيقة التاريخية.
-المحقق البحرية وما بعد الحداثة
ويبلغ هذا الوعي السردي ذروته مع ظهور شخصية المحقق البحري، الذي يقترح أن تتحول حادثة الغرق إلى رواية. هنا ننتقل إلى مستوى جديد من السرد؛ فالرواية تصبح رواية عن رواية، والكاتب يجعل القارئ يشاهد عملية صناعة النص وهو يتكون أمامه.
إن هذه التقنية تمثل واحدة من أبرز سمات روايات ما بعد الحداثة، لأنها تكسر الإيهام التقليدي، وتذكر القارئ باستمرار بأنه يقرأ عملا أدبيا، لا وثيقة واقعية.
-المدن مراحل من الوعي
كما تتنقل الرواية بين البصرة وإسطنبول وكالكوتا، لكن المكان لا يؤدي وظيفة جغرافية فقط، وإنما يحمل دلالات نفسية وفكرية. فكل مدينة تمثل مرحلة من مراحل الوعي، وكل انتقال مكاني يقابله انتقال داخلي في الشخصية.
-البعد الانساني
ولا يغيب عن الرواية بعدها الإنساني، إذ تتكرر فيها التأملات حول الحب، والفقد، والوحدة، والمنفى، وهشاشة العلاقات الإنسانية، وهي موضوعات تجعل النص مفتوحا على أكثر من قراءة، وتمنحه عمقا يتجاوز إطار أدب الرحلات التقليدي.
-حساسية الرحالة وخيالةالروائي
إن ما يميز حسن البحار، في تقديري، هو أنه استطاع أن يمزج بين حساسية الرحالة وخيال الروائي. فهو لا يصف ما يراه فقط، وإنما يعيد خلق المكان باللغة، ويمنحه حياة جديدة داخل النص.
-رحلة في الذاكرة والتهوية والانسان
وفي الختام، أرى أن «الإبحار إلى كالكوتا» ليست مجرد رواية عن رحلة بحرية، بل هي رحلة في الكتابة نفسها، ورحلة في الذاكرة والهوية والإنسان. إنها رواية تؤكد أن السفر الحقيقي لا يبدأ عندما نغادر أوطاننا، وإنما يبدأ عندما نغادر طرائقنا المألوفة في النظر إلى العالم.
ق-وة الحرية السردية
ولهذا أستطيع القول إن حسن البحار لم يكن يكتب المدن بقدر ما كان يكتب الإنسان وهو يكتشف نفسه في تلك المدن، وأن قوة هذه الرواية لا تكمن في أحداثها، بل في حريتها السردية، وفي قدرتها على تحويل الرحلة إلى سؤال فلسفي مفتوح، يدعو القارئ إلى أن يبحر في المعنى، قبل أن يبحر في البحر.
الانفلات السردي والميتاسرد في رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار
الورقة النقدية التي قدمت في جلسة عن رواية ( رحلة الى كالكوتا) للروائي “حسن البحار”
في المركز الثقافي البغدادي
الانفلات السردي والميتاسرد في رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار
يسعدني أن أتحدث اليوم عن رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار، وهي من الأعمال التي يصعب تصنيفها ضمن جنس أدبي واحد؛ فهي رواية، وهي في الوقت نفسه أدب رحلات، وهي أيضا سيرة ذاتية تتداخل فيها الذاكرة مع الخيال، والواقع مع الوهم، حتى يشعر القارئ بأنه لا يرافق رحالةً يعبر المدن، بل يرافق إنسانا يعبر ذاته.
منذ الصفحات الأولى ندرك أن حسن البحار لا يكتب الرحلة بالمعنى التقليدي، فلا يكتفي بوصف المدن أو تسجيل الانطباعات، بل يجعل من السفر وسيلة لاكتشاف الإنسان. لذلك فإن الرحلة عنده ليست انتقالا جغرافيا من مكان إلى آخر، وإنما انتقال داخلي بين الذاكرة والحاضر، وبين الحنين والواقع، وبين ما عاشه وما يتخيله.
-الانفلات السردي
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه الرواية هو ما يمكن أن أسميه الانفلات السردي. فالسرد لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك بحرية كاملة، ينتقل من مشهد إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، ومن فكرة إلى أخرى، دون أن يفقد تماسكه الداخلي. قد يبدو للقارئ أنه أمام نص متشظ، لكنه في الحقيقة تشظ مقصود يعكس طبيعة الذاكرة الإنسانية التي لا تستعيد الماضي بطريقة مرتبة، وإنما تستحضره عبر التداعي الحر.
-الذاكرة هي المحرك
ويبدو أن حسن البحار كان مؤمنا بأن الذاكرة هي المحرك الحقيقي للكتابة. فهو يلمح في أكثر من موضع إلى أن الإنسان بلا ذاكرة يفقد جزءا من وجوده، ولذلك تصبح الكتابة فعل مقاومة للنسيان أكثر من كونها مجرد تسجيل للوقائع.
في المحطة الأولى من الرحلة، وهي إسطنبول، لا يقدم الكاتب المدينة بوصفها مقصدا سياحيا، بل يجعلها شخصية حية تشارك في صناعة الحدث. إسطنبول عنده ليست أبنية وشوارع وجسورا فقط، وإنما مدينة تنبض بالحواس؛ رائحة البحر، وضوء المغيب، وصوت المقاهي، وحركة المارة، كلها تتحول إلى عناصر داخل البناء السردي.
عين الرحلة وعين الروائي
ولعل أجمل ما في وصفه لإسطنبول أنه ينظر إليها بعين الرحالة وعين الروائي في آن واحد. فالرحالة يرى المكان، أما الروائي فيرى ما وراء المكان، ولذلك تتحول المدينة إلى مرآة تعكس مشاعر الغربة والحنين والأسئلة الوجودية.
-تأجبل الأحداث الدرامية
ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا يؤجل الكاتب الأحداث الدرامية أحيانا. فعلى الرغم من وجود حادثة غرق السفينة، فإنها لا تصبح محور الرواية المباشر، لأن اهتمام الكاتب منصب على الرحلة الداخلية أكثر من اهتمامه بالحدث الخارجي. إنه يبطئ حركة السرد عمدا ليمنح القارئ فرصة التأمل في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تحمل دلالات إنسانية عميقة.
موني رمز الجمال
ومن المشاهد اللافتة أيضا ظهور شخصية موني، التي لا تؤدي وظيفة عاطفية فحسب، بل تمثل لحظة استراحة وسط التعب، ونافذة أمل وسط الغربة. إنها ليست شخصية مرسومة بطريقة تقليدية، وإنما رمز للجمال الذي يظهر فجأة في حياة الإنسان، ثم يترك أثره في الذاكرة.
-تقنية الميتا سرد
وإذا انتقلنا إلى الجانب التقني في الرواية، فإننا نجد أن حسن البحار يوظف بذكاء ما يعرف في النقد الحديث بـ الميتاسرد، أي أن الرواية تتحدث عن نفسها، وتكشف للقارئ آليات بنائها.
ففي أكثر من موضع يعترف السارد بأن بعض الشخصيات أو الحوارات من صنع الخيال، وكأنه يريد أن يقول للقارئ: لا تبحث عن الحقيقة خارج النص، فالحقيقة هنا هي حقيقة الفن، لا حقيقة الوثيقة التاريخية.
-المحقق البحرية وما بعد الحداثة
ويبلغ هذا الوعي السردي ذروته مع ظهور شخصية المحقق البحري، الذي يقترح أن تتحول حادثة الغرق إلى رواية. هنا ننتقل إلى مستوى جديد من السرد؛ فالرواية تصبح رواية عن رواية، والكاتب يجعل القارئ يشاهد عملية صناعة النص وهو يتكون أمامه.
إن هذه التقنية تمثل واحدة من أبرز سمات روايات ما بعد الحداثة، لأنها تكسر الإيهام التقليدي، وتذكر القارئ باستمرار بأنه يقرأ عملا أدبيا، لا وثيقة واقعية.
-المدن مراحل من الوعي
كما تتنقل الرواية بين البصرة وإسطنبول وكالكوتا، لكن المكان لا يؤدي وظيفة جغرافية فقط، وإنما يحمل دلالات نفسية وفكرية. فكل مدينة تمثل مرحلة من مراحل الوعي، وكل انتقال مكاني يقابله انتقال داخلي في الشخصية.
-البعد الانساني
ولا يغيب عن الرواية بعدها الإنساني، إذ تتكرر فيها التأملات حول الحب، والفقد، والوحدة، والمنفى، وهشاشة العلاقات الإنسانية، وهي موضوعات تجعل النص مفتوحا على أكثر من قراءة، وتمنحه عمقا يتجاوز إطار أدب الرحلات التقليدي.
-حساسية الرحالة وخيالةالروائي
إن ما يميز حسن البحار، في تقديري، هو أنه استطاع أن يمزج بين حساسية الرحالة وخيال الروائي. فهو لا يصف ما يراه فقط، وإنما يعيد خلق المكان باللغة، ويمنحه حياة جديدة داخل النص.
-رحلة في الذاكرة والتهوية والانسان
وفي الختام، أرى أن «الإبحار إلى كالكوتا» ليست مجرد رواية عن رحلة بحرية، بل هي رحلة في الكتابة نفسها، ورحلة في الذاكرة والهوية والإنسان. إنها رواية تؤكد أن السفر الحقيقي لا يبدأ عندما نغادر أوطاننا، وإنما يبدأ عندما نغادر طرائقنا المألوفة في النظر إلى العالم.
ق-وة الحرية السردية
ولهذا أستطيع القول إن حسن البحار لم يكن يكتب المدن بقدر ما كان يكتب الإنسان وهو يكتشف نفسه في تلك المدن، وأن قوة هذه الرواية لا تكمن في أحداثها، بل في حريتها السردية، وفي قدرتها على تحويل الرحلة إلى سؤال فلسفي مفتوح، يدعو القارئ إلى أن يبحر في المعنى، قبل أن يبحر في البحر.
التعليقات