بائع الزهور

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 8 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3424
بائع الزهور

بائع الزهور

في تلك اللحظة أدركت أنني أصبحت أسيرًا لمشاعري، وأن النسخة الأضعف مني ، قد استيقظت حين وقعت عيناي على ذلك الطفل، كنت داخل إحدى قاعات المكتبة المركزية منشغلًا بالتقاط الصور، عندما استوقفني مشهد لم يكن يشبه أي مشهد آخر، لم يكن طفلًا فحسب، بل بدا كأنه ملاك أنهكه العالم قبل أن يعرف معنى الطفولة، وجه شاحب وجسد نحيل وعمر لا يتجاوز السابعة، وخلف عمود حجري مهترئ، وفي ركن غارق بالصمت بينما كان العالم في الخارج يضج بالحياة والضجيج، كان ذلك الجسد الصغير مستندًا إلى الحائط في استسلام كامل ورأسه مائل، وعيناه مغمضتان وفمه نصف مفتوح، في هيئة لا تشبه نوم الأطفال، بل تشبه الإغماء،، استسلامًا مريرًا لتعبٍ وجوعٍ أثقلا جسده الهزيل،كانت ثيابه البالية الممزقة تعجز عن ستر عظامه البارزة، تاركةً إياه فريسةً لبرودة الأرض وقسوة الحياة ، تدلّت من عنقه علبة خشبية قديمة، يتدلى بها حبل غاص في جلده الصغير ،كانت يومًا وسيلته الوحيدة لكسب قوته، لكنها اليوم لم تحمل سوى بقايا زهور البنفسج، لا لتروي حكاية جمال بل لتشهد على هزيمة طفل أمام سوقٍ لا يعرف الرحمة، أما أكثر ما مزقني، فكانت زهرة بنفسج صغيرة أفلتت من يده المرتخية واستقرت على الأرض الحجرية، كأنها آخر أحلامه التي سقطت بصمت تحت أقدام المارة، دون أن يلتفت إليها أحد ،كل شيء فيه كان يروي مأساة قدماه الحافيتان المتسختان، اللتان حملتا من المشقة ما لا تحتمله أقدام الرجال، وصمته الثقيل الذي كان أعلى من أي صرخة وكأن يجسد طفولة سُرقت منها البراءة، وعالمًا لا يمنح حتى الأطفال فرصةً ليحلموا بها، وفجأة قطع أحدهم شرودي وهو يناديني باسمي: — التقط صورة لهذه اللوحة . التفت مسرعًا فإذا بالمشهد الذي مزق قلبي، لم يكن طفلًا حقيقيًا، بل لوحة للفنان الفرنسي الواقعي فرديناند بيليز، تحمل عنوان «الشهيد أبو بائع الزهور البنفسجية» غادرت المكان، لكنني لم أغادر اللوحة بقي ذلك الطفل يسير معي، يطارد أفكاري، ويترك في داخلي سؤالًا واحدًا لا يكف عن التكرار:
كم يحتاج الفقر من الوقت… ليسحق طفولةً كاملة؟

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

ما لا تراه العيون

ما لا تراه العيون

ما لا تراه العيون لا أعرف كيف تمالكت نفسي ولا كيف أخفيت ما اجتاحني من…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
1 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
الأثر الأخير

الأثر الأخير

الأثر الأخير   لم يكن طارق يثق بالذاكرة البشرية، ولهذا أمضى عشرين عاماً يرمم الأشرطة…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
25 يوليو 2026
اقرأ المزيد
الساكن الآخر

الساكن الآخر

الساكن الآخر لم يكن المنزل يختلف عن آلاف المنازل الأخرى أبداً ، أثاث مرتب كل…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
15 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


بائع الزهور

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 8 أغسطس 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

بائع الزهور

في تلك اللحظة أدركت أنني أصبحت أسيرًا لمشاعري، وأن النسخة الأضعف مني ، قد استيقظت حين وقعت عيناي على ذلك الطفل، كنت داخل إحدى قاعات المكتبة المركزية منشغلًا بالتقاط الصور، عندما استوقفني مشهد لم يكن يشبه أي مشهد آخر، لم يكن طفلًا فحسب، بل بدا كأنه ملاك أنهكه العالم قبل أن يعرف معنى الطفولة، وجه شاحب وجسد نحيل وعمر لا يتجاوز السابعة، وخلف عمود حجري مهترئ، وفي ركن غارق بالصمت بينما كان العالم في الخارج يضج بالحياة والضجيج، كان ذلك الجسد الصغير مستندًا إلى الحائط في استسلام كامل ورأسه مائل، وعيناه مغمضتان وفمه نصف مفتوح، في هيئة لا تشبه نوم الأطفال، بل تشبه الإغماء،، استسلامًا مريرًا لتعبٍ وجوعٍ أثقلا جسده الهزيل،كانت ثيابه البالية الممزقة تعجز عن ستر عظامه البارزة، تاركةً إياه فريسةً لبرودة الأرض وقسوة الحياة ، تدلّت من عنقه علبة خشبية قديمة، يتدلى بها حبل غاص في جلده الصغير ،كانت يومًا وسيلته الوحيدة لكسب قوته، لكنها اليوم لم تحمل سوى بقايا زهور البنفسج، لا لتروي حكاية جمال بل لتشهد على هزيمة طفل أمام سوقٍ لا يعرف الرحمة، أما أكثر ما مزقني، فكانت زهرة بنفسج صغيرة أفلتت من يده المرتخية واستقرت على الأرض الحجرية، كأنها آخر أحلامه التي سقطت بصمت تحت أقدام المارة، دون أن يلتفت إليها أحد ،كل شيء فيه كان يروي مأساة قدماه الحافيتان المتسختان، اللتان حملتا من المشقة ما لا تحتمله أقدام الرجال، وصمته الثقيل الذي كان أعلى من أي صرخة وكأن يجسد طفولة سُرقت منها البراءة، وعالمًا لا يمنح حتى الأطفال فرصةً ليحلموا بها، وفجأة قطع أحدهم شرودي وهو يناديني باسمي: — التقط صورة لهذه اللوحة . التفت مسرعًا فإذا بالمشهد الذي مزق قلبي، لم يكن طفلًا حقيقيًا، بل لوحة للفنان الفرنسي الواقعي فرديناند بيليز، تحمل عنوان «الشهيد أبو بائع الزهور البنفسجية» غادرت المكان، لكنني لم أغادر اللوحة بقي ذلك الطفل يسير معي، يطارد أفكاري، ويترك في داخلي سؤالًا واحدًا لا يكف عن التكرار:
كم يحتاج الفقر من الوقت… ليسحق طفولةً كاملة؟