التضحية

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 12 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2545
التضحية

 

كان يركض بكل ما تبقّى في جسده من قوة.
لم يلتفت خلفه، لكنه كان يسمع وقع أقدامهم يتلاشى شيئًا فشيئًا في العتمة. رئتاه تحترقان، وحلقه جاف كأنه مليء بالرمل. وعندما وصل إلى نهاية الزقاق الضيق، توقف فجأة، وانحنى واضعًا يديه على ركبتيه، يلهث بصوت مسموع يرتطم بجدران الحجر الباردة. مرّت ثوانٍ طويلة قبل أن يجرؤ على رفع رأسه. لا أحد.استند إلى الحائط، وأغمض عينيه. كان قلبه يخفق بعنف، ليس من الركض وحده، بل من صورة واحدة لم تفارقه منذ أن بدأ الهرب: زوجته واقفة عند الباب، وأطفاله نيامٌ لا يعلمون شيئًا.
ماذا سيفعل بهم البعثيون بعد هروبه؟
فتح عينيه، ونظر إلى شريط السماء الضيق بين سطوح البيوت. كان يعرف جيدًا ما ينتظره إن عاد. تهمته لا تحتاج إلى دليل: صلى صلاة الجمعة جماعة.في ذلك الزمن، كانت هذه وحدها كافية لأن يُكتب اسمه في قائمة الموت، إعدامًا او يوضع في المثرامة حياً بتوقيع الرئيس، ولا أحد يخرج من تلك القائمة حيًّا. ارتجفت يداه. قال لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع: «اهرب… أنقذ نفسك.» ثم استدار وركض من جديد، باتجاه آخر، بعيدًا عن البيت، بعيدًا عنهم، بعيدًا عن الموت. خطواته كانت أسرع هذه المرة، لكن شيئًا في صدره كان يثقل مع كل خطوة، كحجرٍ يكبر كلما ابتعد. تخيّلها تطرق الجيران، تسأل عنه بصوت متهدج.
تخيّل ابنته الصغرى تمسك بطرف ثوبها وتسأل: «أين أبي؟» توقف. لم يكن الخوف على نفسه هو ما أوقفه، بل خوفه عليهم. خفض رأسه، وظل صامتًا للحظة طويلة، ثم أطلق زفرة كأنها تحمل كل ما في صدره.
فهم أخيرًا الحقيقة التي كان يركض هاربًا منها منذ البداية: إذا نجا وحده، فلن ينجوا هم.
استدار. وعاد يركض بالطريق نفسه الذي جاء منه، وقد صار كل حجر فيه مألوفًا، وكل ظل يعرف اسمه.
هذه المرة لم يكن يهرب من الموت.
كان يركض إليه.
عند مدخل الزقاق الأخير، توقف خطوة واحدة، كأن قدميه ترددتا قبل أن تحملاه إلى ما لا رجعة منه…

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

بائع الزهور

بائع الزهور

بائع الزهور في تلك اللحظة أدركت أنني أصبحت أسيرًا لمشاعري، وأن النسخة الأضعف مني ،…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
8 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
ما لا تراه العيون

ما لا تراه العيون

ما لا تراه العيون لا أعرف كيف تمالكت نفسي ولا كيف أخفيت ما اجتاحني من…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
1 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
الأثر الأخير

الأثر الأخير

الأثر الأخير   لم يكن طارق يثق بالذاكرة البشرية، ولهذا أمضى عشرين عاماً يرمم الأشرطة…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
25 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


التضحية

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 12 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

 

كان يركض بكل ما تبقّى في جسده من قوة.
لم يلتفت خلفه، لكنه كان يسمع وقع أقدامهم يتلاشى شيئًا فشيئًا في العتمة. رئتاه تحترقان، وحلقه جاف كأنه مليء بالرمل. وعندما وصل إلى نهاية الزقاق الضيق، توقف فجأة، وانحنى واضعًا يديه على ركبتيه، يلهث بصوت مسموع يرتطم بجدران الحجر الباردة. مرّت ثوانٍ طويلة قبل أن يجرؤ على رفع رأسه. لا أحد.استند إلى الحائط، وأغمض عينيه. كان قلبه يخفق بعنف، ليس من الركض وحده، بل من صورة واحدة لم تفارقه منذ أن بدأ الهرب: زوجته واقفة عند الباب، وأطفاله نيامٌ لا يعلمون شيئًا.
ماذا سيفعل بهم البعثيون بعد هروبه؟
فتح عينيه، ونظر إلى شريط السماء الضيق بين سطوح البيوت. كان يعرف جيدًا ما ينتظره إن عاد. تهمته لا تحتاج إلى دليل: صلى صلاة الجمعة جماعة.في ذلك الزمن، كانت هذه وحدها كافية لأن يُكتب اسمه في قائمة الموت، إعدامًا او يوضع في المثرامة حياً بتوقيع الرئيس، ولا أحد يخرج من تلك القائمة حيًّا. ارتجفت يداه. قال لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع: «اهرب… أنقذ نفسك.» ثم استدار وركض من جديد، باتجاه آخر، بعيدًا عن البيت، بعيدًا عنهم، بعيدًا عن الموت. خطواته كانت أسرع هذه المرة، لكن شيئًا في صدره كان يثقل مع كل خطوة، كحجرٍ يكبر كلما ابتعد. تخيّلها تطرق الجيران، تسأل عنه بصوت متهدج.
تخيّل ابنته الصغرى تمسك بطرف ثوبها وتسأل: «أين أبي؟» توقف. لم يكن الخوف على نفسه هو ما أوقفه، بل خوفه عليهم. خفض رأسه، وظل صامتًا للحظة طويلة، ثم أطلق زفرة كأنها تحمل كل ما في صدره.
فهم أخيرًا الحقيقة التي كان يركض هاربًا منها منذ البداية: إذا نجا وحده، فلن ينجوا هم.
استدار. وعاد يركض بالطريق نفسه الذي جاء منه، وقد صار كل حجر فيه مألوفًا، وكل ظل يعرف اسمه.
هذه المرة لم يكن يهرب من الموت.
كان يركض إليه.
عند مدخل الزقاق الأخير، توقف خطوة واحدة، كأن قدميه ترددتا قبل أن تحملاه إلى ما لا رجعة منه…