عتبات الباب الموصد

صورة الكاتب
بقلم: فاضل محمد الربیعي
التاريخ: 7 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2792
عتبات الباب الموصد

كانت ظلالُ الظهيرة تثقل كتفي أحمد حين عبر عتبة تلك الشركة التي طالما تردّد في طرق بابها؛ فالراتب الزهيد الذي أُعلِن عنه لا يوازي همهمة ورقة، لكنّ عسر الأيام وصرير الحاجة في بيته كانا يفرضان عليه طاعة المرغم. وهو يهمّ باجتياز الباب، مرّ به شاب هارب الخطى، يتمتم بكلمات تشبه رجع الصدى المكتوم
ـ «حرامٌ.. يمتصّون دماءنا ثم يلفظوننا”.!»:-
لم يعبأ أحمد بالكلمة حينها، فالعابرون في زحمة العجز كثر، لكنّ الجرس الداخلي في ذهنه ظلّ يتوجس من صداها. قَبِلَ العمل الشاقّ، بل وتحمّل شرطهم التعسفيّ بأن يقضي أسبوعاً كاملاً “تحت التجربة” بلا أجر مضمون، دافعُه الوحيد أن يبرهن لنفسه وللزمن أنه قادر على الانتصاب أمام العاصفة.
انخرط في أتون العمل بمخزونٍ من العزم لا ينضب؛ يحمل، يرتب، ويهندس الفراغات بين ساعات التعب، ملاحظاً في زوايا المكان وجوهاً شابة تبرق ثم تخبو؛ تأتي مجموعات وتتلاشى أخرى كسراب في قيعان الصحراء، فلم يُعرِ التساؤل التفاتة، مستغرقاً في كدحه حتى لتوشك روحه أن تنفصل عن هيكله .
وفي اليوم السادس، وقبل أن يلفظ النهار أنفاسه الأخيرة بساعة واحدة، هبط عليه الطَرْق المفاجئ على باب الإدارة. استدعاه المسؤول بوجوهٍ صلبة، وألقى عليه في وجهه ببرود قاطع
ـ «لقد استغنت الشركة عن خدماتك.. انتهى أمرك “..»:-
تسمّر أحمد في مكانه، وارتدّ صوته مذهولاً:- ” لكنني ما قصرتُ قط! لقد بذلتُ طاقة رجلين، ووهبتكم عرقي كاملاً “.
فأجابه المسؤول بنبرة جافة كأخشاب مهملة
:ـ «لقد أجبْتَ على اتصال هاتفيّ استغرق ثلاث دقائق في اليوم الرابع، وهذا خرقٌ فاضح لشروط التجربة “.
اشتعل الغضب في صدر أحمد، فارتفع صوته محتداً
:ـ «لم يخبرني أحدٌ بحظر الهاتف! ومع ذلك، لم يكن مكالمة لهوٍ؛ كانت والدتي العليلة، وقد احتاجتني، لكني أجّلتُ حتى انتهيتُ من واجبي التزاماً وحرصاً “.!
رمقه المسؤول بابتسامة صفراء لا روح فيها، وقطع عليه الطريق قائلاً بتهكم
:ـ «القوانين لا تتبدل للعواطف.. أنت خارج الأسوار، ولا تحضر غداً، وليس لك في دفاترنا دينارٌ واحدٌ من أجر هذه الأيام الستة “.!
هنا.. وكأن بريقاً خاطفاً شقَّ غياهب عقله، تدفقت الكلمات التي سمعها عند العتبة الأولى لتستقر في مركز الوعي. أدرك الآن سرّ تلك الوجوه المتبخرة، وتلك الدورات المتلاحقة من الضحايا الأبرياء؛ إنها ماكينة استغلال ممنهجة، تلحس جهود البؤساء طيلة ستة أيام، ثم تخترع أوهن الأعذار لطردهم مع آخر ساعة، لتستقبل فوجاً جديداً يجرش طاقاته بلا مقابل!
نظر أحمد إلى المسؤول، وكان الألم يعصر قلبه كمن يُصفّى في معصرة، فتركت عيناه لمعةً ساخنة ترسم خريطة الوجع الإنساني، وقال بصوت هزّ أركان المكان رغم خفوته
:ـ «أما يكفينا هذا الحال المُهين؟ أتشاركوننا بظلم الأيام وتسرقون عرق المقهورين؟ حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن جعل قوت العيال ثمناً للؤمكم.. حسبنا الله وكفى “.!

عن الکاتب / الکاتبة

فاضل محمد الربیعي
فاضل محمد الربیعي
قاص وصحفي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الضباب … والايمان

الضباب … والايمان

بين أروقة الذاكرة المتآكلة وظلال الشيب التي غطت ثمانين عاماً من عمره، كان “بدري” يقف…

صورة الكاتب فاضل محمد الربیعي
19 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
السفر نحو البستان

السفر نحو البستان

السفر نحو البستان يمضي ليطفىءً الأانتظارً بقناديـلٍ الأمـلٍ ويغادر الرمادية بصهوةٍ الوصول. كان يلتهم بعضً…

صورة الكاتب فاضل محمد الربیعي
2 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عتبات الباب الموصد

بقلم: فاضل محمد الربیعي | التاريخ: 7 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

كانت ظلالُ الظهيرة تثقل كتفي أحمد حين عبر عتبة تلك الشركة التي طالما تردّد في طرق بابها؛ فالراتب الزهيد الذي أُعلِن عنه لا يوازي همهمة ورقة، لكنّ عسر الأيام وصرير الحاجة في بيته كانا يفرضان عليه طاعة المرغم. وهو يهمّ باجتياز الباب، مرّ به شاب هارب الخطى، يتمتم بكلمات تشبه رجع الصدى المكتوم
ـ «حرامٌ.. يمتصّون دماءنا ثم يلفظوننا”.!»:-
لم يعبأ أحمد بالكلمة حينها، فالعابرون في زحمة العجز كثر، لكنّ الجرس الداخلي في ذهنه ظلّ يتوجس من صداها. قَبِلَ العمل الشاقّ، بل وتحمّل شرطهم التعسفيّ بأن يقضي أسبوعاً كاملاً “تحت التجربة” بلا أجر مضمون، دافعُه الوحيد أن يبرهن لنفسه وللزمن أنه قادر على الانتصاب أمام العاصفة.
انخرط في أتون العمل بمخزونٍ من العزم لا ينضب؛ يحمل، يرتب، ويهندس الفراغات بين ساعات التعب، ملاحظاً في زوايا المكان وجوهاً شابة تبرق ثم تخبو؛ تأتي مجموعات وتتلاشى أخرى كسراب في قيعان الصحراء، فلم يُعرِ التساؤل التفاتة، مستغرقاً في كدحه حتى لتوشك روحه أن تنفصل عن هيكله .
وفي اليوم السادس، وقبل أن يلفظ النهار أنفاسه الأخيرة بساعة واحدة، هبط عليه الطَرْق المفاجئ على باب الإدارة. استدعاه المسؤول بوجوهٍ صلبة، وألقى عليه في وجهه ببرود قاطع
ـ «لقد استغنت الشركة عن خدماتك.. انتهى أمرك “..»:-
تسمّر أحمد في مكانه، وارتدّ صوته مذهولاً:- ” لكنني ما قصرتُ قط! لقد بذلتُ طاقة رجلين، ووهبتكم عرقي كاملاً “.
فأجابه المسؤول بنبرة جافة كأخشاب مهملة
:ـ «لقد أجبْتَ على اتصال هاتفيّ استغرق ثلاث دقائق في اليوم الرابع، وهذا خرقٌ فاضح لشروط التجربة “.
اشتعل الغضب في صدر أحمد، فارتفع صوته محتداً
:ـ «لم يخبرني أحدٌ بحظر الهاتف! ومع ذلك، لم يكن مكالمة لهوٍ؛ كانت والدتي العليلة، وقد احتاجتني، لكني أجّلتُ حتى انتهيتُ من واجبي التزاماً وحرصاً “.!
رمقه المسؤول بابتسامة صفراء لا روح فيها، وقطع عليه الطريق قائلاً بتهكم
:ـ «القوانين لا تتبدل للعواطف.. أنت خارج الأسوار، ولا تحضر غداً، وليس لك في دفاترنا دينارٌ واحدٌ من أجر هذه الأيام الستة “.!
هنا.. وكأن بريقاً خاطفاً شقَّ غياهب عقله، تدفقت الكلمات التي سمعها عند العتبة الأولى لتستقر في مركز الوعي. أدرك الآن سرّ تلك الوجوه المتبخرة، وتلك الدورات المتلاحقة من الضحايا الأبرياء؛ إنها ماكينة استغلال ممنهجة، تلحس جهود البؤساء طيلة ستة أيام، ثم تخترع أوهن الأعذار لطردهم مع آخر ساعة، لتستقبل فوجاً جديداً يجرش طاقاته بلا مقابل!
نظر أحمد إلى المسؤول، وكان الألم يعصر قلبه كمن يُصفّى في معصرة، فتركت عيناه لمعةً ساخنة ترسم خريطة الوجع الإنساني، وقال بصوت هزّ أركان المكان رغم خفوته
:ـ «أما يكفينا هذا الحال المُهين؟ أتشاركوننا بظلم الأيام وتسرقون عرق المقهورين؟ حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن جعل قوت العيال ثمناً للؤمكم.. حسبنا الله وكفى “.!