قراءة في العرض المسرحي (اهمس في أذني السليمة) للمخرج الدكتور محمد حسين حبيب

صورة الكاتب
بقلم: د. حيدر علي الاسدي
التاريخ: 7 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3770
قراءة في العرض المسرحي (اهمس في أذني السليمة) للمخرج الدكتور محمد حسين حبيب

 

العرض المسرحي العراقي “اهمس في أذني السليمة” اعداد إخراج الدكتور محمد حسين حبيب، قدم مؤخرًا في ساحة مسرح أسامة المشيني في جبل اللويبدة ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة، وقدمته نقابة الفنانين العراقيين فرع بابل في المملكة الأردنية الهاشمية- عمان، وقد اعد الدكتور محمد حسين حبيب هذه المسرحية عن نص الكاتب الاميركي وليم هانلي بالعنوان نفسه ومثل في العرض الفنان الرائد احمد عباس والدكتور المسرحي محمد حسين حبيب، بمشاركة صوتية من الفنانة المسرحية الدكتورة شذى سالم ، اما المؤثرات الصوتية للفنان علي عدنان التويجري، والاضاءة علي زهير المطيري، ويحكي النص عن رجلين مسنين (ماكس، تشارلي) ويناقش موضوعات إنسانية تتعلق بالخوف من الموت والنسيان والذاكرة والصراع الداخلي والشعور بالوحدة والانتظار، من حيث الفضاء المغاير فقد اختار المخرج ان يؤثث الفضاء بحلبة صراع بدلالة سيمولوجية تحيل الى الصراع الإنساني في هذه الحياة وهي تحيط الفرد في خضم هذا الصراع، اما المفردة الديكورية الرئيسة (الكراسي) فكانت هي الأخرى إحالة رمزية عن العجز والقيد الوجودي والتي تمثل أحيانا محطة للراحة او التقييد من الحركة ذات طابع نفسي وجسدي فيزيقي او تحيل الى (الانتظار والترقب) لما سيؤول اليه الارهاص الذاتي للشخصية والاعترافات المتأخرة، والأداء هذا هو ما يكمل ويتطابق مع رؤية النص فهو ليس متسرعاً او فوضى وصراخ غير مبرر بل كانت الحوارات المتميزة بين احمد عباس ومحمد حسين حبيب حوارات قائمة على التأمل والبعد الفكري والفلسفي وهكذا نوع من المسرحيات تمتاز بضرورة تقديمها عيانيًا بنفس الطريقة التأملية لا صراخ ولا فوضى ولا زوائد وفوائض ادائية وحوارية بل أداء متقن قائم على فكرة النص والتأمل في حواراتها ، فهي مسرحية قائمة على هذه الدلالات لمتون مشبعة بالفلسفة والاحالات الرمزية ، اذ ان مواجهة الجمهور بهذا البناء الميزانيسي للحركة والفضاء والقطع الديكورية وتأدية بعض الأفعال انما هو مجابهة ومواجهة مع الاخر، وبؤرة فلسفية لتحويل الصراع من ذاتيته الى عموميته للخروج من تجريب الصراع في الشخصية النموذج الى تمثيل عمومية المجتمع ، فهو عرض تحضر فيه الاسترجاعات وحوارات (كان….) للكشف عن المواقف الماضوية وانزياحها للفعل الدرامي الآني في العرض المسرحي وهي رؤية جمالية فكرية نجح المخرج بتوظيفها بتحويل المدلولات الى سياق درامي راهن من حيث الشعور والفعل والحركة على الفضاء المغاير في هذا العرض المسرحي، فهو يقدم الدلالات الجمالية والفنية لا يسترجع من خلالها السرد الماضوي كعتبة انشائية تقريرية ايصالية بل محاولة تكثيف الدوال النفسية الفاعلة للدافع والشعور ، في محاولة تفكيك بنية الزمن والحدث الماضوي وإعادة ترميمها ضمن السياق الآني وتأثيراتهما على الشخصيتين في محاولة توضيح الصراع الداخلي الذاتوي الذي يعيشه (ماكس،تشارلي) اذ تتحول الشخصيات في بنائها الراهن الى (ذاكرة) تتمثل من خلالها لحظة الصراع السيكولوجية الحالية ضمن السياق الدرامي للعرض المسرحي، هذه الاعترافات الماضوية هي البناء السيكولوجي لدوافع تلك الشخصيات وقد برع في تحويلها المخرج بخبرته المسرحية الى عيانية دالة في اداء وحركة الممثل الرائد المبدع (احمد عباس) والاكاديمي المتميز الدكتور محمد حسين حبيب ، فكان أداء الدكتور محمد حسين حبيب في بعض الحوارات هو (الصمت او الايماءة او النظر) وهي ردات فعل عن لا جدوى او عدم وجود إجابة تستوعب ما يحدث او ارهاق للأخر (تشارلي) والذي أدى الشخصية الفنان احمد عباس بجمالية ومرونة عالية في الأداء من حيث التنوع الصوتي المتناغم هرمونيا مع الإضاءة وهما يشكلان البنى السيكولوجية للحوار المسرحي في هذه تكاملية وانسجام هذا العرض، ان الاتصالية والتواصلية في هذا العرض المسرحي كانت تكمن خلف الحوار الفلسفي ابتداء من العتبة الأولى في العنوان وصولاً الى الثيمة والحوارات كافة ، اجادا فيها الفنان احمد عباس والدكتور محمد حسين حبيب في تجسيد قصدي واعي لقيمة الحوار الذي يبتعد من وظيفته المباشرة الى الاحالات والدلالات البليغة في بعدها الوجودي والإنساني بما يتصل بموضوع (كبار السن) وارهاصات حياتهم الماضوية والراهنة ، فيتجسد هنا الحوار أحيانا بسخرية موجعة ، حتى ان تحركاتهم على المسرح ذات طابع سيكولوجي اكثر مما هو جغرافي ركحي، لان البؤر الرئيسة في المتن هي : الذاكرة ، النسيان ، والتي تختلط بالوعي المتصل بتلك الذاكرة ( سأكون مسؤولًا لأني عرفت…)) من حوار لمحمد حسين حبيب (ماكس) حوار الوعي ولعنة الوعي المتصلة بالمسؤولية، وتلك الحوارات كانت بقيمة شعرية عالية مما منحها الاقتصاد اللغوي والدلالة وتحول المنطوق النصي الى حركة وفعل شعوري على الفضاء البصري مما خلق مواجهة وموازنة فكرية بين شخصيتا العرض المسرحي استطاعتا من خلال خبرتهما في مجال التمثيل المسرحي ان توصلا القيمة الفكرية للنص المسرحي بصورة متكاملة الى المتلقي وعبر أداء سيكولوجي منثور بالدلالات والجمالية البصرية التي كانت تزين فضاء النص وتحولاته. اعتقد اننا بحاجة لهكذا عروض مسرحية تدعونا للتأمل في الكلمة والفكرة لا عروض تقوم على الصخب والفوضى الميزانيسية التي تشتغل على الابهار البصري اكثر من الفكرة المجسدة عيانيًا على المسرح وفضاءاته المختلفة.محبة خاصة واحترام لجهود الفنان الرائد احمد عباس والاكاديمي المتميز الدكتور محمد حسين حبيب وفريقهم المسرحي.

عن الکاتب / الکاتبة

د. حيدر علي الاسدي
د. حيدر علي الاسدي
ناقد وآكاديمي/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

الدكتور عامر صباح المرزوك والمنجز الببليوغرافي في الحركة المسرحية

الدكتور عامر صباح المرزوك والمنجز الببليوغرافي في الحركة المسرحية

الدكتور عامر صباح المرزوك والمنجز الببليوغرافي في الحركة المسرحية البيبليوغرافيا أصبحت من المصنفات النقدية المهمة…

صورة الكاتب د. حيدر علي الاسدي
19 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة في العرض المسرحي (اهمس في أذني السليمة) للمخرج الدكتور محمد حسين حبيب

بقلم: د. حيدر علي الاسدي | التاريخ: 7 سبتمبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

 

العرض المسرحي العراقي “اهمس في أذني السليمة” اعداد إخراج الدكتور محمد حسين حبيب، قدم مؤخرًا في ساحة مسرح أسامة المشيني في جبل اللويبدة ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة، وقدمته نقابة الفنانين العراقيين فرع بابل في المملكة الأردنية الهاشمية- عمان، وقد اعد الدكتور محمد حسين حبيب هذه المسرحية عن نص الكاتب الاميركي وليم هانلي بالعنوان نفسه ومثل في العرض الفنان الرائد احمد عباس والدكتور المسرحي محمد حسين حبيب، بمشاركة صوتية من الفنانة المسرحية الدكتورة شذى سالم ، اما المؤثرات الصوتية للفنان علي عدنان التويجري، والاضاءة علي زهير المطيري، ويحكي النص عن رجلين مسنين (ماكس، تشارلي) ويناقش موضوعات إنسانية تتعلق بالخوف من الموت والنسيان والذاكرة والصراع الداخلي والشعور بالوحدة والانتظار، من حيث الفضاء المغاير فقد اختار المخرج ان يؤثث الفضاء بحلبة صراع بدلالة سيمولوجية تحيل الى الصراع الإنساني في هذه الحياة وهي تحيط الفرد في خضم هذا الصراع، اما المفردة الديكورية الرئيسة (الكراسي) فكانت هي الأخرى إحالة رمزية عن العجز والقيد الوجودي والتي تمثل أحيانا محطة للراحة او التقييد من الحركة ذات طابع نفسي وجسدي فيزيقي او تحيل الى (الانتظار والترقب) لما سيؤول اليه الارهاص الذاتي للشخصية والاعترافات المتأخرة، والأداء هذا هو ما يكمل ويتطابق مع رؤية النص فهو ليس متسرعاً او فوضى وصراخ غير مبرر بل كانت الحوارات المتميزة بين احمد عباس ومحمد حسين حبيب حوارات قائمة على التأمل والبعد الفكري والفلسفي وهكذا نوع من المسرحيات تمتاز بضرورة تقديمها عيانيًا بنفس الطريقة التأملية لا صراخ ولا فوضى ولا زوائد وفوائض ادائية وحوارية بل أداء متقن قائم على فكرة النص والتأمل في حواراتها ، فهي مسرحية قائمة على هذه الدلالات لمتون مشبعة بالفلسفة والاحالات الرمزية ، اذ ان مواجهة الجمهور بهذا البناء الميزانيسي للحركة والفضاء والقطع الديكورية وتأدية بعض الأفعال انما هو مجابهة ومواجهة مع الاخر، وبؤرة فلسفية لتحويل الصراع من ذاتيته الى عموميته للخروج من تجريب الصراع في الشخصية النموذج الى تمثيل عمومية المجتمع ، فهو عرض تحضر فيه الاسترجاعات وحوارات (كان….) للكشف عن المواقف الماضوية وانزياحها للفعل الدرامي الآني في العرض المسرحي وهي رؤية جمالية فكرية نجح المخرج بتوظيفها بتحويل المدلولات الى سياق درامي راهن من حيث الشعور والفعل والحركة على الفضاء المغاير في هذا العرض المسرحي، فهو يقدم الدلالات الجمالية والفنية لا يسترجع من خلالها السرد الماضوي كعتبة انشائية تقريرية ايصالية بل محاولة تكثيف الدوال النفسية الفاعلة للدافع والشعور ، في محاولة تفكيك بنية الزمن والحدث الماضوي وإعادة ترميمها ضمن السياق الآني وتأثيراتهما على الشخصيتين في محاولة توضيح الصراع الداخلي الذاتوي الذي يعيشه (ماكس،تشارلي) اذ تتحول الشخصيات في بنائها الراهن الى (ذاكرة) تتمثل من خلالها لحظة الصراع السيكولوجية الحالية ضمن السياق الدرامي للعرض المسرحي، هذه الاعترافات الماضوية هي البناء السيكولوجي لدوافع تلك الشخصيات وقد برع في تحويلها المخرج بخبرته المسرحية الى عيانية دالة في اداء وحركة الممثل الرائد المبدع (احمد عباس) والاكاديمي المتميز الدكتور محمد حسين حبيب ، فكان أداء الدكتور محمد حسين حبيب في بعض الحوارات هو (الصمت او الايماءة او النظر) وهي ردات فعل عن لا جدوى او عدم وجود إجابة تستوعب ما يحدث او ارهاق للأخر (تشارلي) والذي أدى الشخصية الفنان احمد عباس بجمالية ومرونة عالية في الأداء من حيث التنوع الصوتي المتناغم هرمونيا مع الإضاءة وهما يشكلان البنى السيكولوجية للحوار المسرحي في هذه تكاملية وانسجام هذا العرض، ان الاتصالية والتواصلية في هذا العرض المسرحي كانت تكمن خلف الحوار الفلسفي ابتداء من العتبة الأولى في العنوان وصولاً الى الثيمة والحوارات كافة ، اجادا فيها الفنان احمد عباس والدكتور محمد حسين حبيب في تجسيد قصدي واعي لقيمة الحوار الذي يبتعد من وظيفته المباشرة الى الاحالات والدلالات البليغة في بعدها الوجودي والإنساني بما يتصل بموضوع (كبار السن) وارهاصات حياتهم الماضوية والراهنة ، فيتجسد هنا الحوار أحيانا بسخرية موجعة ، حتى ان تحركاتهم على المسرح ذات طابع سيكولوجي اكثر مما هو جغرافي ركحي، لان البؤر الرئيسة في المتن هي : الذاكرة ، النسيان ، والتي تختلط بالوعي المتصل بتلك الذاكرة ( سأكون مسؤولًا لأني عرفت…)) من حوار لمحمد حسين حبيب (ماكس) حوار الوعي ولعنة الوعي المتصلة بالمسؤولية، وتلك الحوارات كانت بقيمة شعرية عالية مما منحها الاقتصاد اللغوي والدلالة وتحول المنطوق النصي الى حركة وفعل شعوري على الفضاء البصري مما خلق مواجهة وموازنة فكرية بين شخصيتا العرض المسرحي استطاعتا من خلال خبرتهما في مجال التمثيل المسرحي ان توصلا القيمة الفكرية للنص المسرحي بصورة متكاملة الى المتلقي وعبر أداء سيكولوجي منثور بالدلالات والجمالية البصرية التي كانت تزين فضاء النص وتحولاته. اعتقد اننا بحاجة لهكذا عروض مسرحية تدعونا للتأمل في الكلمة والفكرة لا عروض تقوم على الصخب والفوضى الميزانيسية التي تشتغل على الابهار البصري اكثر من الفكرة المجسدة عيانيًا على المسرح وفضاءاته المختلفة.محبة خاصة واحترام لجهود الفنان الرائد احمد عباس والاكاديمي المتميز الدكتور محمد حسين حبيب وفريقهم المسرحي.