تجسد الفنانة نوال خان حالة استثنائية في المشهد الغنائي العراقي والعربي في الشتات إذ لم تكن مجرد صوت يضاف إلى قائمة الكورال أو الغناء الفردي بل امتداداً واعياً لهوية موسيقية عابرة للحدود والتضاريس الثقافية. إن امتلاكها لجماليات الخامة الصوتية الدافئة والقوية في آنٍ واحد جعل منها جسراً نغمياً يربط أصولها الكردية بالثراء الموسيقي العراقي والمغاربي لتقدم التجربة الغنائية بوصفها فعل إنقاذ وتوثيق للتراث في مواجهة الذاكرة المعرضة للغياب
تتسم خامة نوال خان النغمية بنسيج صوتي مركّب فهي تجمع بين حنية (المقام العراقي) بآهاته الوجدانية الشفافة وبين القدرة العالية على أداء النغم الحماسي المتدفق. هذا التباين هو ما لمحَهُ فيه الموسيقار الراحل فاروق هلال إذ أبصر في صوتها طاقة تعبيرية قادرة على الانتقال السلس بين الانكسارات الشجية في الأغنية الوجدانية (لاموا كثير) والاندفاع الوطني الملحمي الذي يتطلب مساحة صوتية جهورية وعريضة (حيوا العراقية). صوتها لا يكتفي بإيصال النغمة بل يحمل شحنة درامية وإحساساً عالياً بالنص مما يمنح الأداء ثقلاً فنياً يتجاوز الأداء التقني المجرد
لم تكن خافيةً آثار دراستها للإعلام وشغفها المبكر بالرسم والعزف على نتاجها فقد انعكست هذه الخلفية في قدرتها على التقاط (الصورة الموسيقية) ودقة اختيار الكلمة ذات البعد الإنساني والوطني. يتجلى هذا البُعد البصري بوضوح في خوضها تجربة الإخراج التلفزيوني لأعمالها بنفسها (كما في أغنية رايحين التي أخرجتها في مراكش) حيث لا ينفصل الصوت عن الصورة بل يتكاملان لتشكيل مشهدية سينمائية تترجم اغتراب الذات وحنينها. ولعل تنقلها الثقافي بين الكويت والساحة المغاربية ثم استقرارها في لندن أسهم في صقل رؤيتها للفن كرسالة حوار حضاري متجاوزة القوالب الضيقة للغناء إلى رحابة الفعل الثقافي الشامل
تتجلى النضج الفني لدى نوال خان في انحيازها الواعي لجماليات الذاكرة العراقية ومفرداتها البغدادية الرصينة، كما ظهر في عملها (العتب ما يفيد) (كلمات محمد المحاويلي- ألحان كريم هميم). لم تستسلم خان لموجات الاستهلاك السريع بل راهنت على استعادة روح السبعينيات العذبة وإيقاع (الجورجينا) البغدادي الأصيل بأسلوب توزيع حديث يوازن بين التراث والمعاصرة (توزيع فرات تركي وإخراج علي يونس). يثبت هذا الخيار أن التزامها بالهوية هو موقف فني واعٍ يرى في (الندرة والجودة) خياراً دائماً وفي العتب الناضج رسالة إنسانية صادقة تعيد الاعتبار لأصالة الأغنية البغدادية في زمن الشتات
في العاصمة البريطانية لندن لم تستسلم نوال خان لغربتها الفنية بل جعلت من منصة (أكاديمية الفنون والتراث العربي) مسرحاً لإعادة بث الروح في الرصيد الموسيقي العراقي والعربي. إن انضمامها للكورال وأداءها للأغاني التراثية لم يكن مجرد استعادة فولكلورية، بل كان إعادة صياغة للذاكرة الجمعية للجاليات العربية. لقد استطاعت من خلال مشاركاتها في الأمسيات الثقافية أن تقدم الهوية العراقية ببعدها الحضاري الناصع مظهرةً كيف يمكن للغناء التراثي أن يظل حياً ومؤثراً على أعرق المسارح الأوروبية.
تظل نوال خان نموذجاً للفنان الملتزم بهويته ممن استطاعوا تحويل الغربة إلى مساحة للعطاء الملتزم وتقديم الموروث الغنائي العراقي بلغة موسيقية راقية تجمع بين حداثة التعبير وأصالة الجذور
قيثارة المغترب وصوت الهوية بين أصالة التراث وتجدد الأغنية العراقية
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
قيثارة المغترب وصوت الهوية بين أصالة التراث وتجدد الأغنية العراقية
تجسد الفنانة نوال خان حالة استثنائية في المشهد الغنائي العراقي والعربي في الشتات إذ لم تكن مجرد صوت يضاف إلى قائمة الكورال أو الغناء الفردي بل امتداداً واعياً لهوية موسيقية عابرة للحدود والتضاريس الثقافية. إن امتلاكها لجماليات الخامة الصوتية الدافئة والقوية في آنٍ واحد جعل منها جسراً نغمياً يربط أصولها الكردية بالثراء الموسيقي العراقي والمغاربي لتقدم التجربة الغنائية بوصفها فعل إنقاذ وتوثيق للتراث في مواجهة الذاكرة المعرضة للغياب
تتسم خامة نوال خان النغمية بنسيج صوتي مركّب فهي تجمع بين حنية (المقام العراقي) بآهاته الوجدانية الشفافة وبين القدرة العالية على أداء النغم الحماسي المتدفق. هذا التباين هو ما لمحَهُ فيه الموسيقار الراحل فاروق هلال إذ أبصر في صوتها طاقة تعبيرية قادرة على الانتقال السلس بين الانكسارات الشجية في الأغنية الوجدانية (لاموا كثير) والاندفاع الوطني الملحمي الذي يتطلب مساحة صوتية جهورية وعريضة (حيوا العراقية). صوتها لا يكتفي بإيصال النغمة بل يحمل شحنة درامية وإحساساً عالياً بالنص مما يمنح الأداء ثقلاً فنياً يتجاوز الأداء التقني المجرد
لم تكن خافيةً آثار دراستها للإعلام وشغفها المبكر بالرسم والعزف على نتاجها فقد انعكست هذه الخلفية في قدرتها على التقاط (الصورة الموسيقية) ودقة اختيار الكلمة ذات البعد الإنساني والوطني. يتجلى هذا البُعد البصري بوضوح في خوضها تجربة الإخراج التلفزيوني لأعمالها بنفسها (كما في أغنية رايحين التي أخرجتها في مراكش) حيث لا ينفصل الصوت عن الصورة بل يتكاملان لتشكيل مشهدية سينمائية تترجم اغتراب الذات وحنينها. ولعل تنقلها الثقافي بين الكويت والساحة المغاربية ثم استقرارها في لندن أسهم في صقل رؤيتها للفن كرسالة حوار حضاري متجاوزة القوالب الضيقة للغناء إلى رحابة الفعل الثقافي الشامل
تتجلى النضج الفني لدى نوال خان في انحيازها الواعي لجماليات الذاكرة العراقية ومفرداتها البغدادية الرصينة، كما ظهر في عملها (العتب ما يفيد) (كلمات محمد المحاويلي- ألحان كريم هميم). لم تستسلم خان لموجات الاستهلاك السريع بل راهنت على استعادة روح السبعينيات العذبة وإيقاع (الجورجينا) البغدادي الأصيل بأسلوب توزيع حديث يوازن بين التراث والمعاصرة (توزيع فرات تركي وإخراج علي يونس). يثبت هذا الخيار أن التزامها بالهوية هو موقف فني واعٍ يرى في (الندرة والجودة) خياراً دائماً وفي العتب الناضج رسالة إنسانية صادقة تعيد الاعتبار لأصالة الأغنية البغدادية في زمن الشتات
في العاصمة البريطانية لندن لم تستسلم نوال خان لغربتها الفنية بل جعلت من منصة (أكاديمية الفنون والتراث العربي) مسرحاً لإعادة بث الروح في الرصيد الموسيقي العراقي والعربي. إن انضمامها للكورال وأداءها للأغاني التراثية لم يكن مجرد استعادة فولكلورية، بل كان إعادة صياغة للذاكرة الجمعية للجاليات العربية. لقد استطاعت من خلال مشاركاتها في الأمسيات الثقافية أن تقدم الهوية العراقية ببعدها الحضاري الناصع مظهرةً كيف يمكن للغناء التراثي أن يظل حياً ومؤثراً على أعرق المسارح الأوروبية.
تظل نوال خان نموذجاً للفنان الملتزم بهويته ممن استطاعوا تحويل الغربة إلى مساحة للعطاء الملتزم وتقديم الموروث الغنائي العراقي بلغة موسيقية راقية تجمع بين حداثة التعبير وأصالة الجذور
أ. د حسن عبود النخیلة
د. حيدر علي الأسدي
علي حسن الفواز
التعليقات