امرأة في الهاتف

صورة الكاتب
بقلم: فوز حمزة
التاريخ: 2 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2436
امرأة في الهاتف

ما إن دخلتُ حتى ابتسم لي.
تلفتُ من حولي، وحين تأكدتُ بأنني الوحيدة معه في صالة المطعم عرفتُ أنه يخصني بتلك الابتسامة.
شعرتُ بالإحراجِ، فبادلته بابتسامة خجلة!
الطاولة التي اخترتها تبعد بضع أمتار عن طاولته.
بدأتُ أفكر، لعلي قابلته في مكان ما ونسيت، لكنني متأكدة من عدم حدوث ذلك.
أقنعتُ نفسي ربما هي المصادفة فقط.
الشكوكُ عادتْ ثانيةً مع صوتهِ الذي تسلل إليّ هامسًا:
– أنا هنا بانتظاركِ منذ الصباح سيدتي.
رمى إليّ بهاتين الكلمتين وعيناه تتفحصني.
حاولتُ أشغال نفسي باختيار صنف طعام أتناوله بعد أن قدم النادل لي القائمة.
– تكلمي، لن تجدي أحدًا غيري يستمع إليكِ.
فكرتُ في الهاتفِ كوسيلة أتحايلُ بها على الموقفِ، تظاهرتُ بأننّي أتصفحُ حسابي الفيسبوكي.. قال وفي نبرةِ صوتهِ حزم شديد:
– صدقيني، ذلك لن يُجدي، الوقتُ يمرُ سريعًا.
احتجتُ إلى وقتٍ لأقنعَ نفسي بالنظر إليه مجددًا لعلي أتذكره، لمْ تسبق لي رؤيته.
وضعَ النادلُ أمامه طبق الطعام، تناولُ منه القليل قبل أن يوجه حديثه إليّ مرة ثالثة:
– فكري في انقاذ نفسكِ… كل لحظة تمر ليستْ في صالحكِ.
استأنف حديثه بعد أن وضع لقمة أخرى في فمه:
– فاتَ الآوان على فعل أي شيء.
الأوراق التي في يدي تدينكِ. لا تكوني غبية وأحسني استغلال الفرصة، قد لا تتكرر.
أخرجتُ منديلًا لأمسح العرق من فوق جبيني مرددة مع نفسي: انكشفَ أمري!
كأن رصاصة اخترقتْ مسمعي حين قال:
– أعيدي ما سرقتيهِ، وأنا أتكفل بإصلاح الأمور وإلّا فأبواب السجن مفتوحة لك.
ألم فظيع دبَّ في ساقيّ، يدايّ ترتجفان، قلبي يخفق بشدة . عِمّتُ في العرق الذي بدأ يظهرعلى ملابسي.
كيف حصل ذلك؟!
لم تمض سوى ساعتين على سرقتي للمال، كيف اكتشفوا أمري بهذه السرعة؟!
– تشجعي سيدتي، لا يحتاج الأمر منكِ سوى خطوة.
كلماته اخترقتْ رأسي فأصابني دوار عظيم.
إحساس كأنني عاريةٌ أمامه سيطر عليّ، كيف سأبرر ما فعلته؟ هل يصدق لو أخبرته بأنها المرة الأولى التي أسرق فيها؟ سدَ منافذ الأمل عليّ حين قال:
– لا تحاولي شرح الأمر. فكري فقط بإصلاحهِ.
إلهي! كيف عرف بما يدور في رأسي؟!
سولتْ لي نفسي الهرب، لكن الشجاعة خذلتني.
أخرجتُ المال من حقيبتي، لم يكن كبيرًا. حملتُ نفسي وتوجهتُ إليه بالرغم من أنني كنت أبكي بصدق إلّا إنني كنت أمني نفسي بأن يرق لي قلبه، فيتركني أذهب دون عقاب، والأهم دون فضيحة.
اقتربتُ منه، مددتُ إليه يدي بالمال دون أن أتفوه بكلمة.
ظلَ يحدقُ فيّ لحظات قبل أن يقول لي وهو يخلع من أذنه سماعة البلوتوث:
– هل هناك من شيء سيدتي؟!

عن الکاتب / الکاتبة

فوز حمزة
فوز حمزة
کاتبة وروائیة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“اللقاء”

“اللقاء”

اللقاء عبر الهاتف، سمعته للمرة الأولى يدعوني إلى بيته. مشاعر فرح ممزوجة بالرهبة انتابتني! خطر…

صورة الكاتب فوز حمزة
28 أبريل 2026
اقرأ المزيد
حب بلون الغرق

حب بلون الغرق

  حب بلون الغرق الساعة الآن الثانية عشرة ليلًا إلا دقيقة واحدة. بدأ العدّ التنازلي:…

صورة الكاتب فوز حمزة
30 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
أحلام آخر الليل

أحلام آخر الليل

نظرَ إلى الحقيبة، فبدتْ له ثقيلةً جدًّا، وأعوامُه الستون تعجزُ عن حملها. خبّأ فيها حفنةً…

صورة الكاتب فوز حمزة
7 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


امرأة في الهاتف

بقلم: فوز حمزة | التاريخ: 2 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

ما إن دخلتُ حتى ابتسم لي.
تلفتُ من حولي، وحين تأكدتُ بأنني الوحيدة معه في صالة المطعم عرفتُ أنه يخصني بتلك الابتسامة.
شعرتُ بالإحراجِ، فبادلته بابتسامة خجلة!
الطاولة التي اخترتها تبعد بضع أمتار عن طاولته.
بدأتُ أفكر، لعلي قابلته في مكان ما ونسيت، لكنني متأكدة من عدم حدوث ذلك.
أقنعتُ نفسي ربما هي المصادفة فقط.
الشكوكُ عادتْ ثانيةً مع صوتهِ الذي تسلل إليّ هامسًا:
– أنا هنا بانتظاركِ منذ الصباح سيدتي.
رمى إليّ بهاتين الكلمتين وعيناه تتفحصني.
حاولتُ أشغال نفسي باختيار صنف طعام أتناوله بعد أن قدم النادل لي القائمة.
– تكلمي، لن تجدي أحدًا غيري يستمع إليكِ.
فكرتُ في الهاتفِ كوسيلة أتحايلُ بها على الموقفِ، تظاهرتُ بأننّي أتصفحُ حسابي الفيسبوكي.. قال وفي نبرةِ صوتهِ حزم شديد:
– صدقيني، ذلك لن يُجدي، الوقتُ يمرُ سريعًا.
احتجتُ إلى وقتٍ لأقنعَ نفسي بالنظر إليه مجددًا لعلي أتذكره، لمْ تسبق لي رؤيته.
وضعَ النادلُ أمامه طبق الطعام، تناولُ منه القليل قبل أن يوجه حديثه إليّ مرة ثالثة:
– فكري في انقاذ نفسكِ… كل لحظة تمر ليستْ في صالحكِ.
استأنف حديثه بعد أن وضع لقمة أخرى في فمه:
– فاتَ الآوان على فعل أي شيء.
الأوراق التي في يدي تدينكِ. لا تكوني غبية وأحسني استغلال الفرصة، قد لا تتكرر.
أخرجتُ منديلًا لأمسح العرق من فوق جبيني مرددة مع نفسي: انكشفَ أمري!
كأن رصاصة اخترقتْ مسمعي حين قال:
– أعيدي ما سرقتيهِ، وأنا أتكفل بإصلاح الأمور وإلّا فأبواب السجن مفتوحة لك.
ألم فظيع دبَّ في ساقيّ، يدايّ ترتجفان، قلبي يخفق بشدة . عِمّتُ في العرق الذي بدأ يظهرعلى ملابسي.
كيف حصل ذلك؟!
لم تمض سوى ساعتين على سرقتي للمال، كيف اكتشفوا أمري بهذه السرعة؟!
– تشجعي سيدتي، لا يحتاج الأمر منكِ سوى خطوة.
كلماته اخترقتْ رأسي فأصابني دوار عظيم.
إحساس كأنني عاريةٌ أمامه سيطر عليّ، كيف سأبرر ما فعلته؟ هل يصدق لو أخبرته بأنها المرة الأولى التي أسرق فيها؟ سدَ منافذ الأمل عليّ حين قال:
– لا تحاولي شرح الأمر. فكري فقط بإصلاحهِ.
إلهي! كيف عرف بما يدور في رأسي؟!
سولتْ لي نفسي الهرب، لكن الشجاعة خذلتني.
أخرجتُ المال من حقيبتي، لم يكن كبيرًا. حملتُ نفسي وتوجهتُ إليه بالرغم من أنني كنت أبكي بصدق إلّا إنني كنت أمني نفسي بأن يرق لي قلبه، فيتركني أذهب دون عقاب، والأهم دون فضيحة.
اقتربتُ منه، مددتُ إليه يدي بالمال دون أن أتفوه بكلمة.
ظلَ يحدقُ فيّ لحظات قبل أن يقول لي وهو يخلع من أذنه سماعة البلوتوث:
– هل هناك من شيء سيدتي؟!