كان الليل قد استقرّ فوق الأرض المفتوحة، ولم يبقَ من الضوء سوى ذلك الشحوب المتسلل من قرص القمر، ينساب بين الأسلاك الشائكة والحفر المتناثرة، ثم ينطفئ عند أطراف موضع الرصد والرمي.
في تلك الأرض، لم يكن أحد يختار من يقف إلى جواره، ولا من يشاركه ساعات الخوف الطويلة. كانوا قد جاؤوا من أمكنة بعيدة، يحمل كلٌّ منهم حكاية مختلفة، ثم انتهوا جميعاً إلى المكان نفسه، ينتظرون الليل كما لو أنهم ينتظرون حكماً مؤجلاً.
كان أبو طارق يقف في ركنه منذ منتصف الليل. وبحسب جدول الحراسة، كان عليه أن يبقى حتى الثانية صباحاً، إن مرت الأمور بهدوء. غير أن الهدوء في تلك الأرض لم يكن يعني السلام؛ فالهدوء نفسه كان مجرد هدنة قصيرة بين انفجارين.
رفع الناظور الليلي إلى عينيه، ثم أنزله ببطء. لم يرَ شيئاً واضحاً. كانت العتمة تبتلع التفاصيل، ولا تُبقي إلا خطوطاً سوداء لا يعرف إن كانت صخوراً أم أجساداً أم أشباحاً تتقدم في الأرض الحرام.
أعاد يديه إلى جيبي معطفه العسكري. كان البرد قاسياً، لكن المعطف لم يمنحه دفئاً. كلما أحاط جسده بذلك القماش الخشن، شعر بأنه يرتدي سجنه معه. ولم يكن يعرف متى بدأ هذا الشعور، ولا متى صار المكان، بكل ما فيه من سواتر وأسلاك وحفر، أشبه بحكم طويل لا يعرف له نهاية.
دوى انفجار بعيد، انتفض أبو طارق. ثم توالت رشقات من بندقية متوسطة، فاقترب أكثر من فتحة الرصد. أخذ قلبه يخفق بعنف، وراح يحاول إقناع نفسه بأن الأمر بعيد، وأن الرصاص ليس متجهاً إليه. لذا قال في سرّه:
“ليس كل صوت موتاً، ليس كل رصاصة تبحث عني”
لكن رصاصة اصطدمت بقطعة حديد مثبتة قرب الأسلاك الشائكة، فانفجر أمامه وميض قصير، جعل جسده يرتجف. أغمض عينيه، وفي اللحظة نفسها، لم يعد يرى الأرض الحرام. رأى طريقاً ترابياً يمتد بين حقول قريته. رأى الغبار الذي تثيره أقدام العائدين عند الغروب، وسمع نباح الكلاب البعيد، ثم جاءه صوت الناي، كما لو أنه يخرج من زمن آخر.
كان صوتاً يعرفه جيداً، صوتاً يشبه البيت. أخذ يتمتم بلحن قديم، في البداية بصوت خافت، ثم ارتفع صوته شيئاً فشيئاً. لم يشعر بنفسه، ولم يدرك أن قدميه تجاوزتا حدود الركن الآمن. كان يغني، أو لعله كان يبكي بطريقة أخرى.
فجأة، جاءه صوت الضابط عبد الله حاداً من الخلف:
– أبو طارق!
لم يلتفت، صاح الضابط مرة أخرى:
– أبو طارق، ماذا تفعل؟
ظل واقفاً، وعيناه معلقتان في العتمة، اقترب الضابط منه وهو يصيح:
– عد إلى مكانك فوراً. أتسمعني؟
التفت أبو طارق ببطء. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائبتين في مكان آخر، وقال:
– اسمع.
توقف الضابط لحظة.
– ماذا أسمع؟
رفع أبو طارق رأسه قليلاً، وقال:
– ألا تسمع الناي؟
نظر الضابط إليه مذهولاً.
– أي ناي؟ هل جننت؟ نحن تحت الرمي.
ابتسم أبو طارق ابتسامة باهتة وقال:
– لا… لست مجنوناً. المجنون هو الذي جعل هذه الأرض كلها تسمع البنادق، ثم منعها من سماع الناي.
هزّ الضابط كتفيه بعنف:
– انخفض يا رجل، الرصاص فوق رؤوسنا.
لكن أبا طارق لم يتحرك، عاد ينظر إلى الجهة المقابلة، ثم رفع صوته فجأة:
– أنتم… لماذا نتحارب؟
توقف الضابط، وقد اتسعت عيناه.
– أبو طارق، اخفض صوتك.
لكن أبا طارق تقدم خطوة.
– أجيبوني، ماذا فعلنا لكم؟
ازدادت الطلقات، صرخ الضابط:
– ارجع إلى موضعك.
غير أن أبا طارق ظل واقفاً.
– هل أكلنا زروعكم؟ هل سرقنا مواشيكم؟ هل جئنا إلى بيوتكم في الليل؟
كانت الرصاصات تمر في العتمة، فتترك ومضات خاطفة فوق الأرض.
– ماذا تريدون منا؟ صاح أبو طارق. نحن أيضاً لنا بيوت… لنا أمهات ينتظرن، وأطفال يسألون متى نعود.
اندفع الضابط عبد الله نحوه محاولاً جذبه:
– كفى يا أبا طارق، أنت لا تتحدث إلى أهل قريتك. هذه حرب.
نظر إليه أبو طارق، وقال بصوت خفيض:
– أعرف… وهذه هي المصيبة.
سكت الضابط.
تابع أبو طارق:
– في قريتي، إذا اختلف رجلان، جلس بينهما الناس. يتحدثون، يصرخون، يغضبون… لكنهم في النهاية يعودون إلى بيوتهم. لماذا لا نجد أحداً يجلس بيننا وبينهم الآن؟
قال الضابط، وقد اختلط الغضب بالخوف:
– لأن الأمر ليس بهذه البساطة.
ضحك أبو طارق بمرارة:
– بل هو بسيط جداً، واحد يريد أن يعيش، والآخر يريد أن يعيش. واحد لديه أم، والآخر لديه أم. واحد يخاف من الموت، والآخر أيضاً يخاف منه. فلماذا الحرب إذن؟
لم يجد الضابط جواباً. وفي تلك اللحظة، ازداد القصف. تتابعت الانفجارات، واهتزت الأرض تحت أقدامهما.
صاح الضابط:
– انبطح؟
لكن أبا طارق بقي واقفاً، كأنه لم يعد يرى الرصاص ولا يسمع الانفجارات. كان قد عاد إلى قريته، إلى الطريق الترابي، إلى صوت الناي، إلى ذلك المساء البعيد الذي كان الناس فيه يعودون إلى بيوتهم قبل أن يحل الظلام.
رفع صوته للمرة الأخيرة:
– نحن لا نريد منكم شيئاً، نريد فقط أن نعود إلى بيوتنا.
ثم انطلقت رشقة طويلة. ساد بعد ذلك صمت غريب، صمت قصير، لكنه بدا للضابط عبد الله كأنه زمن كامل. رأى أبا طارق يترنح، حاول أن يمد يده إليه، لكن جسده كان قد بدأ يميل ببطء، كما تميل سنبلة أثقلها المطر، سقط. اندفع الضابط نحوه وهو ينادي:
– أبو طارق؟
لم يجبه. جلس إلى جانبه، وحاول أن يسمع شيئاً وسط هدير الانفجارات. فتح أبو طارق عينيه قليلاً، كان القمر قد انحرف عن منتصف السماء، وبدأ الضوء الشاحب ينسحب من وجه الأرض. اقترب الضابط منه.
قال أبو طارق بصوت يكاد لا يُسمع:
– هل… توقف الناي؟
انحنى الضابط أكثر.
– أي ناي يا أبا طارق؟
حرّك شفتيه كأنه يبتسم، ثم قال:
– لا بأس…
وسكت لحظة، ثم همس:
– سيعود، عندما يتعب الرصاص.
وأغمض عينيه. ظل الضابط عبد الله جالساً إلى جواره، فيما كانت البنادق تواصل حديثها في العتمة.
أما أبو طارق، فقد بدا في سكونه الأخير كأنه أخيراً وصل إلى مكان لا تصل إليه الرصاصات. ومع اقتراب الفجر، بدأ صوت بعيد يتسلل عبر الهواء. لم يعرف الضابط إن كان صوت الريح وهي تمر بين الأسلاك الشائكة، أم أن أبا طارق وهو يرحل قد ترك وراءه شيئاً يشبه نغمة ناي. نغمة صغيرة، لكنها كانت أوسع من الحرب.
لحظات الأفول
كان الليل قد استقرّ فوق الأرض المفتوحة، ولم يبقَ من الضوء سوى ذلك الشحوب المتسلل من قرص القمر، ينساب بين الأسلاك الشائكة والحفر المتناثرة، ثم ينطفئ عند أطراف موضع الرصد والرمي.
في تلك الأرض، لم يكن أحد يختار من يقف إلى جواره، ولا من يشاركه ساعات الخوف الطويلة. كانوا قد جاؤوا من أمكنة بعيدة، يحمل كلٌّ منهم حكاية مختلفة، ثم انتهوا جميعاً إلى المكان نفسه، ينتظرون الليل كما لو أنهم ينتظرون حكماً مؤجلاً.
كان أبو طارق يقف في ركنه منذ منتصف الليل. وبحسب جدول الحراسة، كان عليه أن يبقى حتى الثانية صباحاً، إن مرت الأمور بهدوء. غير أن الهدوء في تلك الأرض لم يكن يعني السلام؛ فالهدوء نفسه كان مجرد هدنة قصيرة بين انفجارين.
رفع الناظور الليلي إلى عينيه، ثم أنزله ببطء. لم يرَ شيئاً واضحاً. كانت العتمة تبتلع التفاصيل، ولا تُبقي إلا خطوطاً سوداء لا يعرف إن كانت صخوراً أم أجساداً أم أشباحاً تتقدم في الأرض الحرام.
أعاد يديه إلى جيبي معطفه العسكري. كان البرد قاسياً، لكن المعطف لم يمنحه دفئاً. كلما أحاط جسده بذلك القماش الخشن، شعر بأنه يرتدي سجنه معه. ولم يكن يعرف متى بدأ هذا الشعور، ولا متى صار المكان، بكل ما فيه من سواتر وأسلاك وحفر، أشبه بحكم طويل لا يعرف له نهاية.
دوى انفجار بعيد، انتفض أبو طارق. ثم توالت رشقات من بندقية متوسطة، فاقترب أكثر من فتحة الرصد. أخذ قلبه يخفق بعنف، وراح يحاول إقناع نفسه بأن الأمر بعيد، وأن الرصاص ليس متجهاً إليه. لذا قال في سرّه:
“ليس كل صوت موتاً، ليس كل رصاصة تبحث عني”
لكن رصاصة اصطدمت بقطعة حديد مثبتة قرب الأسلاك الشائكة، فانفجر أمامه وميض قصير، جعل جسده يرتجف. أغمض عينيه، وفي اللحظة نفسها، لم يعد يرى الأرض الحرام. رأى طريقاً ترابياً يمتد بين حقول قريته. رأى الغبار الذي تثيره أقدام العائدين عند الغروب، وسمع نباح الكلاب البعيد، ثم جاءه صوت الناي، كما لو أنه يخرج من زمن آخر.
كان صوتاً يعرفه جيداً، صوتاً يشبه البيت. أخذ يتمتم بلحن قديم، في البداية بصوت خافت، ثم ارتفع صوته شيئاً فشيئاً. لم يشعر بنفسه، ولم يدرك أن قدميه تجاوزتا حدود الركن الآمن. كان يغني، أو لعله كان يبكي بطريقة أخرى.
فجأة، جاءه صوت الضابط عبد الله حاداً من الخلف:
– أبو طارق!
لم يلتفت، صاح الضابط مرة أخرى:
– أبو طارق، ماذا تفعل؟
ظل واقفاً، وعيناه معلقتان في العتمة، اقترب الضابط منه وهو يصيح:
– عد إلى مكانك فوراً. أتسمعني؟
التفت أبو طارق ببطء. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائبتين في مكان آخر، وقال:
– اسمع.
توقف الضابط لحظة.
– ماذا أسمع؟
رفع أبو طارق رأسه قليلاً، وقال:
– ألا تسمع الناي؟
نظر الضابط إليه مذهولاً.
– أي ناي؟ هل جننت؟ نحن تحت الرمي.
ابتسم أبو طارق ابتسامة باهتة وقال:
– لا… لست مجنوناً. المجنون هو الذي جعل هذه الأرض كلها تسمع البنادق، ثم منعها من سماع الناي.
هزّ الضابط كتفيه بعنف:
– انخفض يا رجل، الرصاص فوق رؤوسنا.
لكن أبا طارق لم يتحرك، عاد ينظر إلى الجهة المقابلة، ثم رفع صوته فجأة:
– أنتم… لماذا نتحارب؟
توقف الضابط، وقد اتسعت عيناه.
– أبو طارق، اخفض صوتك.
لكن أبا طارق تقدم خطوة.
– أجيبوني، ماذا فعلنا لكم؟
ازدادت الطلقات، صرخ الضابط:
– ارجع إلى موضعك.
غير أن أبا طارق ظل واقفاً.
– هل أكلنا زروعكم؟ هل سرقنا مواشيكم؟ هل جئنا إلى بيوتكم في الليل؟
كانت الرصاصات تمر في العتمة، فتترك ومضات خاطفة فوق الأرض.
– ماذا تريدون منا؟ صاح أبو طارق. نحن أيضاً لنا بيوت… لنا أمهات ينتظرن، وأطفال يسألون متى نعود.
اندفع الضابط عبد الله نحوه محاولاً جذبه:
– كفى يا أبا طارق، أنت لا تتحدث إلى أهل قريتك. هذه حرب.
نظر إليه أبو طارق، وقال بصوت خفيض:
– أعرف… وهذه هي المصيبة.
سكت الضابط.
تابع أبو طارق:
– في قريتي، إذا اختلف رجلان، جلس بينهما الناس. يتحدثون، يصرخون، يغضبون… لكنهم في النهاية يعودون إلى بيوتهم. لماذا لا نجد أحداً يجلس بيننا وبينهم الآن؟
قال الضابط، وقد اختلط الغضب بالخوف:
– لأن الأمر ليس بهذه البساطة.
ضحك أبو طارق بمرارة:
– بل هو بسيط جداً، واحد يريد أن يعيش، والآخر يريد أن يعيش. واحد لديه أم، والآخر لديه أم. واحد يخاف من الموت، والآخر أيضاً يخاف منه. فلماذا الحرب إذن؟
لم يجد الضابط جواباً. وفي تلك اللحظة، ازداد القصف. تتابعت الانفجارات، واهتزت الأرض تحت أقدامهما.
صاح الضابط:
– انبطح؟
لكن أبا طارق بقي واقفاً، كأنه لم يعد يرى الرصاص ولا يسمع الانفجارات. كان قد عاد إلى قريته، إلى الطريق الترابي، إلى صوت الناي، إلى ذلك المساء البعيد الذي كان الناس فيه يعودون إلى بيوتهم قبل أن يحل الظلام.
رفع صوته للمرة الأخيرة:
– نحن لا نريد منكم شيئاً، نريد فقط أن نعود إلى بيوتنا.
ثم انطلقت رشقة طويلة. ساد بعد ذلك صمت غريب، صمت قصير، لكنه بدا للضابط عبد الله كأنه زمن كامل. رأى أبا طارق يترنح، حاول أن يمد يده إليه، لكن جسده كان قد بدأ يميل ببطء، كما تميل سنبلة أثقلها المطر، سقط. اندفع الضابط نحوه وهو ينادي:
– أبو طارق؟
لم يجبه. جلس إلى جانبه، وحاول أن يسمع شيئاً وسط هدير الانفجارات. فتح أبو طارق عينيه قليلاً، كان القمر قد انحرف عن منتصف السماء، وبدأ الضوء الشاحب ينسحب من وجه الأرض. اقترب الضابط منه.
قال أبو طارق بصوت يكاد لا يُسمع:
– هل… توقف الناي؟
انحنى الضابط أكثر.
– أي ناي يا أبا طارق؟
حرّك شفتيه كأنه يبتسم، ثم قال:
– لا بأس…
وسكت لحظة، ثم همس:
– سيعود، عندما يتعب الرصاص.
وأغمض عينيه. ظل الضابط عبد الله جالساً إلى جواره، فيما كانت البنادق تواصل حديثها في العتمة.
أما أبو طارق، فقد بدا في سكونه الأخير كأنه أخيراً وصل إلى مكان لا تصل إليه الرصاصات. ومع اقتراب الفجر، بدأ صوت بعيد يتسلل عبر الهواء. لم يعرف الضابط إن كان صوت الريح وهي تمر بين الأسلاك الشائكة، أم أن أبا طارق وهو يرحل قد ترك وراءه شيئاً يشبه نغمة ناي. نغمة صغيرة، لكنها كانت أوسع من الحرب.
التعليقات