أثر الخلاف بين البصرة و الكوفة في النقد العربي

صورة الكاتب
بقلم: د.یونس حمید السراي
التاريخ: 2 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3251
أثر الخلاف بين البصرة و الكوفة في النقد العربي

أثر الخلاف بين البصرة و الكوفة في النقد العربي

نشأ النقد العربي القديم في بيئة علمية تداخلت فيها علوم اللغة والنحو والرواية والأدب، فلم يكن النقد في مراحله الأولى علماً مستقلاً عن هذه العلوم؛ بل كان اللغوي والراوية والناقد يشتركون في النظر إلى الشعر وتقويمه والحكم على على فصاحته وجودته.

ويأتي كتاب:( النقد عند اللغويين في القرن الثاني ) لسنية أحمد محمد، عن جانب مهم من هذه المرحلة؛ ولاسيّما من خلال عنايته بالنقد اللغوي وتوثيق الشعر وبناء القصيدة والموازنة بين الشعراء.

ومن هنا تبرز أهمية الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة إذْ لم يكن خلافهما مقتصراً على مسائل النحو، وإنّما اتصل بطريقة النظر إلى اللغة والشاهد الشعري ومن ثم  كان له أثر في جوانب النقد الأدبي.

كان القرن الثاني الهجري مرحلة مهمة في تاريخ الدرس العربي، إذْ أخذت اللغة تنتقل من طور الرواية والمشافهة إلى طور الجمع والتصنيف والتقعيد بهدف حماية علوم القرآن الكريم واللغة من اللحن والضياع بعد اختلاط العرب بالأمم الأخرى.. وبرزت البصرة والكوفة مركزين علميين كبيرين، لكل منهما منهجه في التعامل مع المادة اللغوية.وقد انعكس هذا الاختلاف بين المدرستين بصورة مباشرة أو غير مباشرة على النظر في الشعر؛ لأنّ الشعر كان أهم مصادر الاحتجاج اللغوي، وفي الوقت نفسه كان موضوعاً للتقويم والنقد.

يُنظر-النقد عند اللغويين:147

وتتجلّى أهمية النقد اللغوي، كما في معالجة(سنية أحمد) للنقد عند اللغويين حيثُ إنّ اللغوي حين يحكم على لفظ أو تركيب أو استعمال شعري لا يتعامل معه بوصفه مادة لغوية مجرّدة، وإنّما يدخل بذلك في عملية تقويم النص الشعري.

ومن هنا أصبح السؤال عن فصاحة الشاعر وسلامة عبارته جزءاً من الحكم على شعره.لذلك ، يظهر أثر الاختلاف بين البصريين والكوفيين، فقد اِتَّجَهَ البصريّون في الأساس إلى القياس و الاطراد والتحفظ في قبول الشواهد..بينما كان الكوفيّون أوسع في الأخذ بالمسموع والرواية وأكثر قبولاً لبعض الشواهد التي لم تكن مطردة على القياس البصري ، ولم يكن هذا الاختلاف نظرياً فحسب؛ لأنّ البيت الشعري كان ميداناً حقيقياً لهذا  الخلاف، فقد يكون البيت عند أحد الاتجاهين شاهداً صحيحاً على الاستعمال العربي ، بينما يحتاج  عند الاتجاه الآخر إلى تأويل أو توجيه أو قد يُصف بالشذوذ..لذا تتضح الصِّلَةُ بين الخلاف النحوي والنقد اللغوي..

يُنظر- النقد عند اللغويين:193-197

إنّ النقد في القرن الثاني الهجري لم يبقَ محصوراً في الجانب اللغوي؛ بل اِتّجه أيضاً إلى نقد الشعر وبناء القصيدة والنظر في معايير تقدم بعضهم ومكانة بعضهم الآخر، وهذا يشير إلى أنّ النقد العربي كان يتسع تدريجياً من الحكم على سلامة اللغة إلى النظر في خصائص الشعر ومكوناته الفنية، فقد كان  أبو عبيدة معمر بن المثنى(من العلماء البصريين في اللغة والأدب..)، هو(( الوحيد الذي انتبه إلى ظاهرة الصدق الفنّي في الشعر  في قوله؛ كان جميل يصدق في حبه ، وكان جميل يكذب.))

النقد عند اللغويين:386

وهكذا يمكن النظر إلى النقد اللغوي في القرن الثاني الهجري بوصفه مرحلة أساسية في الطريق إلى النقد الأدبي الأكثر  شمولا..

يتّضح مما تقدّم، أنّ الخلاف بينَ البصريين والكوفيين لم يكن نحوياً محضاً، وإنّما امتدّت آثاره إلى قضايا النقد، ولاسيّما النقد اللغوي وتقويم الشعر وتوثيق شواهده..ويأتي كتاب:(النقد عند اللغويين) لسنية أحمد ، في هذا السياق، ليكشف عن طبيعة الشعر والشعراء، بيدّ أنّ أثر الخلاف البصري الكوفي كان أوضح في النقد اللغوي منه في النقد الأدبي الجمالي بمفهومه اللاحق.. ولكنه مهّدَ لانتقال النقد العربي من الحكم اللغوي إلى آفاق نقدية أوسع وأشمل..

المرجع الأساس: النقد عند اللغويين في القرن الثاني الهجري- سنية أحمد محمد- دار الرسالة للطباعة- بغداد-1977

عن الکاتب / الکاتبة

د.یونس حمید السراي
د.یونس حمید السراي
باحث وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

  أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ اللغة الشِّعرية لا تقف عند وظيفتها التّواصلية بنقل المعنى في…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
11 مارس 2026
اقرأ المزيد
الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش

الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش

  الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش. مفهوم الانزياح مِنَ المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات الأسلوبيّة…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
4 مارس 2026
اقرأ المزيد
الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش.

الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش.

  الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش. مفهوم الانزياح مِنَ المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات الأسلوبيّة…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
3 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أثر الخلاف بين البصرة و الكوفة في النقد العربي

بقلم: د.یونس حمید السراي | التاريخ: 2 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

أثر الخلاف بين البصرة و الكوفة في النقد العربي

نشأ النقد العربي القديم في بيئة علمية تداخلت فيها علوم اللغة والنحو والرواية والأدب، فلم يكن النقد في مراحله الأولى علماً مستقلاً عن هذه العلوم؛ بل كان اللغوي والراوية والناقد يشتركون في النظر إلى الشعر وتقويمه والحكم على على فصاحته وجودته.

ويأتي كتاب:( النقد عند اللغويين في القرن الثاني ) لسنية أحمد محمد، عن جانب مهم من هذه المرحلة؛ ولاسيّما من خلال عنايته بالنقد اللغوي وتوثيق الشعر وبناء القصيدة والموازنة بين الشعراء.

ومن هنا تبرز أهمية الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة إذْ لم يكن خلافهما مقتصراً على مسائل النحو، وإنّما اتصل بطريقة النظر إلى اللغة والشاهد الشعري ومن ثم  كان له أثر في جوانب النقد الأدبي.

كان القرن الثاني الهجري مرحلة مهمة في تاريخ الدرس العربي، إذْ أخذت اللغة تنتقل من طور الرواية والمشافهة إلى طور الجمع والتصنيف والتقعيد بهدف حماية علوم القرآن الكريم واللغة من اللحن والضياع بعد اختلاط العرب بالأمم الأخرى.. وبرزت البصرة والكوفة مركزين علميين كبيرين، لكل منهما منهجه في التعامل مع المادة اللغوية.وقد انعكس هذا الاختلاف بين المدرستين بصورة مباشرة أو غير مباشرة على النظر في الشعر؛ لأنّ الشعر كان أهم مصادر الاحتجاج اللغوي، وفي الوقت نفسه كان موضوعاً للتقويم والنقد.

يُنظر-النقد عند اللغويين:147

وتتجلّى أهمية النقد اللغوي، كما في معالجة(سنية أحمد) للنقد عند اللغويين حيثُ إنّ اللغوي حين يحكم على لفظ أو تركيب أو استعمال شعري لا يتعامل معه بوصفه مادة لغوية مجرّدة، وإنّما يدخل بذلك في عملية تقويم النص الشعري.

ومن هنا أصبح السؤال عن فصاحة الشاعر وسلامة عبارته جزءاً من الحكم على شعره.لذلك ، يظهر أثر الاختلاف بين البصريين والكوفيين، فقد اِتَّجَهَ البصريّون في الأساس إلى القياس و الاطراد والتحفظ في قبول الشواهد..بينما كان الكوفيّون أوسع في الأخذ بالمسموع والرواية وأكثر قبولاً لبعض الشواهد التي لم تكن مطردة على القياس البصري ، ولم يكن هذا الاختلاف نظرياً فحسب؛ لأنّ البيت الشعري كان ميداناً حقيقياً لهذا  الخلاف، فقد يكون البيت عند أحد الاتجاهين شاهداً صحيحاً على الاستعمال العربي ، بينما يحتاج  عند الاتجاه الآخر إلى تأويل أو توجيه أو قد يُصف بالشذوذ..لذا تتضح الصِّلَةُ بين الخلاف النحوي والنقد اللغوي..

يُنظر- النقد عند اللغويين:193-197

إنّ النقد في القرن الثاني الهجري لم يبقَ محصوراً في الجانب اللغوي؛ بل اِتّجه أيضاً إلى نقد الشعر وبناء القصيدة والنظر في معايير تقدم بعضهم ومكانة بعضهم الآخر، وهذا يشير إلى أنّ النقد العربي كان يتسع تدريجياً من الحكم على سلامة اللغة إلى النظر في خصائص الشعر ومكوناته الفنية، فقد كان  أبو عبيدة معمر بن المثنى(من العلماء البصريين في اللغة والأدب..)، هو(( الوحيد الذي انتبه إلى ظاهرة الصدق الفنّي في الشعر  في قوله؛ كان جميل يصدق في حبه ، وكان جميل يكذب.))

النقد عند اللغويين:386

وهكذا يمكن النظر إلى النقد اللغوي في القرن الثاني الهجري بوصفه مرحلة أساسية في الطريق إلى النقد الأدبي الأكثر  شمولا..

يتّضح مما تقدّم، أنّ الخلاف بينَ البصريين والكوفيين لم يكن نحوياً محضاً، وإنّما امتدّت آثاره إلى قضايا النقد، ولاسيّما النقد اللغوي وتقويم الشعر وتوثيق شواهده..ويأتي كتاب:(النقد عند اللغويين) لسنية أحمد ، في هذا السياق، ليكشف عن طبيعة الشعر والشعراء، بيدّ أنّ أثر الخلاف البصري الكوفي كان أوضح في النقد اللغوي منه في النقد الأدبي الجمالي بمفهومه اللاحق.. ولكنه مهّدَ لانتقال النقد العربي من الحكم اللغوي إلى آفاق نقدية أوسع وأشمل..

المرجع الأساس: النقد عند اللغويين في القرن الثاني الهجري- سنية أحمد محمد- دار الرسالة للطباعة- بغداد-1977