الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش.
مفهوم الانزياح مِنَ المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات الأسلوبيّة الحديثة، حيثُ يُشير إلى عدول اللغة الشِّعرية عن النسق التركيبي المألوف في اللغة العادية إلى بِناء خاص يحقق وظيفة جمالية ودلالية.
وقد أسهم(جان كوهن) في تأصيل هذا المفهوم (الانزياح)، في كتابه(بِنية اللغة الشِّعرية)،مؤكداً أنّ الشِّعر يقوم على خرق منظّم للمعيار اللغوي؛ ولا سيَّما على المستوى التركيبي.
ويتجلى الانزياح التركيبي في شعر(محمود درويش)، حيثُ أعاد الشّاعر تشكيل البِنية النحوية بما يخدم رؤيته الوجودية والجمالية.. ويسعى هذا المقال إلى الكشف عن مظاهر الانزياح التركيبي في شعره، وبيان وظائفه الأسلوبيّة والدلالية من خلال مقاطع مختارة من قصيدته الطّويلة(الجّدارية).
يرى(جان كوهن)، أنّ اللغة العادية تخضع لمبدأ الوضوح والإبلاغ، بينما تقوم اللغة الشِّعرية على خرق هذا المبدأ عبر تشكيل العلاقات التركيبية بين عناصر الجُملة.
فالشّاعر يعمد إلى تغيير ترتيب الكلمات، أو حذف بعض العناصر، أو توظيف صيغ غير متوقعة مما يؤدي إلى خلق توتّر بين ما هو متوقع وما هو مُنجز فعلياً في النصّ.(كوهن:ص6).
والانزياح التركيبي هو عدول عن النسق المألوف من خلال: التّقديم والتّأخير، والحذف، وتفكيك العلاقة المنطقية بينَ عناصر الجُملة..
وليس ذلكَ ببعيد عن نظرية(النظم)، التي جاء بها عبد القاهر الجرجاني(ت471 هجرية)، حيثُ ربط بين العدول(الانزياح)، وجماليات البلاغة، التي تتحقق عبرَ العلاقات النحوية كالتقديم والتأخير والحذف..، وذلكَ في كتابيه(دلائل الإعجاز و أسرار البلاغة).
ويؤكد(كوهن)، أنّ الانزياح لا يكون شعرياً إلّا إذا كان محكوماً بقانون يجعله مختلفاً عن غير المعقول :(والانزياح المفرط يجعل منه كلاماً غير معقول، مستعصيّ التأويل، وبذلكَ تسقط عنه السمة المميّزة للغة وهي التواصل):ص7.
إنّ الانزياح التركيبي في الشِّعر ليس خروجاً سلبياً عن القاعدة؛ بل من أهم سمات اللغة الشِّعرية؛ لأنّه يكشف عن قدرة الشّاعر على إعادة تشكيل اللغة على وفق تجربته الخاصّة، وبذلكَ وغيره، يتميّز الشعراء الحقيقيون..
وانطلاقاً من هذا التّصور النظري للانزياح التركيبي، فتطبيقه على مقاطع مختارة من قصيدة(الجّدارية) الطويلة من شعر محمود درويش، يكشف أنّ الشّاعر لا يلتزم بالبِنية التركيبية؛ بل يُعيد تشكيلها عبرَ التقديم والتأخير ، والحذف والتكرار، والتوازي وتفكيك العلاقات النحوية التقليدية، بما يحوّل التركيب من أداة ناقلة للمعنى إلى بِنية مولّدة له.
يقول محمود درويش:
(أنا حبّة القمح
التي ماتت لكي تخضرّ ثانية، وفي
موتي حياة ما…
كأنّي لا كأنّي
لم يمت أحدْ هناكَ نيابة عنّي
فماذا يحفظ الموتى من الكلمات غيرَ
الشّكر:إنّ الله يرحمنا..)
:روائع محمود درويش:104
لفظة الموت ومشتقاتها من أبرز الظواهر الأسلوبيّة المهيمنة في قصيدة(الجّدارية):مات،يمت،موتى، الموتى، ياموت.. وهذا التكرار ليس شكليا؛ وإنّما هو تكرار بنائي ودلالي، حيثُ تتجمع مفردات النصّ حولَ بؤرة دلالية هي(الموت)، لتشكّل حقلاً دلالياً مهيمناً.
يقول:
(أنا حبّة القمح التي ماتت لكي تخضرّ ثانية).
يبدو الانزياح الدلالي التصويري واضحاً،فالموت هنا لا يعني النهاية؛ بل هو شرط من شروط الحياة،و الشّاعر يشبه نفسه بحبّة القمح التي يجب أن تموت في الأرض لكي تنبت من جديد، وفي ذلكَ إلغاء لمعنى الموت التّقليدي بوصفه فناء، وإعادة تعريفه بوصفه بداية جديدة يتحول فيها الموت إلى مرحلة في دورة الحياة.
وقوله:
(لم يمت أحدٌ هناكَ نيابة عنّي).
يؤكد الشّاعر فردية التجربة، فالموت تجربة ذاتية لا يمكن أن ينوب أحدٌ عن أحد..فالموت يُرسّخ وعي الشّاعر بحقيقته الوجودية ويعبّر عن مواجهته الشخصية للمصير الذي ينتظره..
(فماذا يحفظ الموتي من الكلمات غيرَ الشّكر).
وهنا يطرح سؤالاً وجودياً؛ الموتى لا يحفظون مِنَ اللغة إلّا بأثر بسيط، كلمة واحدة:(الشّكر).
وهنا يصبح الموت فقداناً للصوت و فقداناً للقدرة على التعبير،
وصمتاً مطلقاً !
وبذلك يتحول التكرار إلى وسيلة للكشف عن حدود اللغة أمامَ الموت،و فضلاً عن ذلك، يؤدي التكرار وظيفة دلالية ونفسية إذْ عبّر الشّاعر عن مواجهته مع الموت بوصفه تحولاً لا نهاية، وبذلك تشكّل إيقاع داخلي يعكس توتّر التجربة..
ويقول محمود درويش في موضع آخر من قصيدته (الجّدارية):
(لا شيء يبقى على حاله
للولادة وَقْتٌ
وللموت وَقْتٌ
وللصمت وَقْتٌ
وللنُّطق وَقْتٌ
وللحرب وَقْتٌ
وللصُّلح وَقْتٌ
وللوقت وَقْتٌ
ولا شيء يبقى على حاله..
:ص118.
هذا المقطع من(الجّدارية)، يُعدّ مِنَ المقاطع المفصلية التي تكثّف الرؤية الوجودية في القصيدة، وتتمحور دلالته حولَ فكرة: الزّمن قانون التحوّل الشامل، ومن دلالاته عدم الثّبات ، حيثُ يفتتح الشّاعر ويختتم بقوله:
(لا شيء يبقى على حاله).
وهذا التكرار يؤكد أنّ التغيّر هو القانون الثابت..وكُلّ شيءٍ خاضع لحركة الزّمن..
للولادة وَقْتٌ
وللموت وَقْتٌ
وللصمت وَقْتٌ
وللنُّطق وَقْتٌ
فلكل ظاهرة زمنها الخاص، ولا يمكن أن تحدث خارجه، ومن دلالة ذلك؛ الوجود ليسَ عبثاً ، بل منظم على وفق إيقاع زمني شامل.. وحتى الاضداد: الولادة/ الموت، الصّمت/ النُّطق، الحرب/ الصُّلح، كلها تخضع للقانون نفسه.. فهذه الاضداد ليست متناقضة تماماً؛ بل مراحل ضمن دورة واحدة، فالموت ليسَ نهاية مطلقة، وإنّما جزء من نظام التّحول.
أمّا الوظيفة الأسلوبيّة لتكرار كلمة(وَقْتٌ) فإنّه يحقق إيقاعاً منتظماً و إحساساً بحتمية الزّمن وسيطرته على كُلِّ شيء، وحتى اللغة نفسها تحاكي حركة الزّمن..
ومن خلال هذا المقطع يؤسّس الشّاعر رؤية وجودية أساسها:أنّ التّغير هو جوهر الوجود وإنّ جميع الظواهر.. تخضع لقانون زمنيّ شامل..يجعل الإنسان جزءاً من التّحول المستمر الذي لا يعرف الثّبات.
أمّا ما حول هذه القصيدة الطويلة(الجّدارية) ل محمود درويش،فقد كان الشّاعر في حوار فلسفيّ مع الموت إذْ كان مريضاً فعلاً وخضع لعملية جراحية خطيرة في القلب، فكانت هذه التجربة القاسية هي الخلفية المباشرة لكتابة الجّدارية !
يتضح أنّ الانزياح التّركيبي يشكّل سمة أسلوبيّة بارزة في شعر محمود درويش،حيثُ تجلّى في عدوله عن البِنية النحوية المألوفة عبرَ التكرار ، والحذف، والتوازي.. مما أسهم في تعميق الدلالة وتعزيز البعد الجمالي للنصّ، وتبيّن إنّ هذا الانزياح لم يكن مجرد خروج شكلي عن القاعدة؛ بل أداة فاعلة في تجسيد رؤية الشاعر الوجودية والإنسانية.
المراجع:
1- بِنية اللغة الشِّعرية-جان كوهن- ترجمة، محمد الولي و محمد العمري-1966.
2- روائع محمود درويش-محمود سمير-ط1-دار الجندي للنشر- القدس.
حمدي العطار
جليلة المازني
علاء احمد الشاهین
التعليقات