أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

صورة الكاتب
بقلم: د.یونس حمید السراي
التاريخ: 11 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2892
أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

 

أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

اللغة الشِّعرية لا تقف عند وظيفتها التّواصلية بنقل المعنى في صورته التّقريرية المباشرة؛بل تتجاوز ذلك، إلى إعادة تشكيل الدّلالة من خلال وسائل فنّية تجعل التّعبير أكثر كثافة وإيحاء.
ومن أهم الآليات ما يُعرف في الدّراسات الأسلوبيّة ب(الانزياح)، وهو خروج مقصود عن الاستعمال اللغويّ المألوف؛ لتوليد أثر دلاليّ وجماليّ جديد.
ويُعدّ الانزياح الدلاليّ التّصويريّ من أبرز مظاهر هذا الخروج، حيثُ تنتقل الكلمة من معناها المُعجميّ المباشر إلى المعنى المجازيّ الذي يولّد صورة شعرية..

يقوم الانزياح الدّلاليّ التصويريّ على تحويل العلاقات الدّلالية بين الكلمات بحيث تتجاوز حدودها في المُعجم إلى فضاء تخيّليّ، فالكلمة في الشِّعر لا تُستعمل بوصفها علامة لغويّة ثابتة؛ بل بوصفها عنصراً فاعلاً في تشكيل اللوحة الشّعرية.
ولذلكَ، تعتمد الصورة الشّعرية على نقل الصّفات بين الأشياء وتراسل الحواس وتشخيص المعاني المجرّدة، فتغدو الطبيعة كائناً حياً وتتحول الأفكار والمشاعر إلى صورة حسيّة قابلة للرؤية والتخيل، يقول الشّاعر والناقد البريطاني، سيسيل دي لويس:(الصورة هي رسم قوامه الكلمات)(1)، وهذه الكلمات ينبغي أن تحمل دلالات زاخِرة بالعاطفة والمشاعر الإنسانيّة؛ لتحقيق التواصل مع القارىء والتّأثير فيه..

ويتجلّى التّحوّل الدّلالي في الشّعر الحديث الذي وسّعَ طاقات اللغة التّصويريّة عبرَ وسائل فنّية وجمالية مختلفة..ومن ذلك ما جاء في قصيدة(المومس العمياء) للشاعر الرائد بدر شاكر السيّاب(1926-1964)،كقوله:
الحارس المكدود يعبر، والبّغايا متعبات،
النوم في أحداقهن يرف كالطير السجين،
وعلى الشفاه أو الجبين
تترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،
متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات. (الأعمال الكاملة:270).
……………………………
…………………………..
يقوم هذا المقطع على تشكيل مشهد ليلي مفعم بالتعب والمعاناة والمفارقات، حيثُ يتجاور الحارس المكدود والبغايا المتعبات في فضاء واحد يهيمن علية الإنهاك والأسى الإنساني..وتبرز شعرية النصّ في الانزياح الدّلالي التصويري في قول الشاعر:
النوم في أحداقهن يرفّ كالطير السجين.
إذ يتحول النوم من معناه المجرد إلى كائن حيّ يرف في العيون، ثمّ يُشبّه بطائر سجين في صورة تكثف معنى التعب والحرمان من الراحة.
والبسمة كحالة تعبيرية ثابته، لكنّها تُصوّر هنا ككائن حيّ يترنح..
ويتواصل هذا الانزياح في تشخيص البسمات والأصباغ حين يصفها بأنّها (ثكلى باكيات)، بما يكشف تهاوي القناع الجمالي الذي تحاول الزينة إخفاءه..
و متعثرات بالعيون و بالخطى والقهقهات .
يبدو النظر والحركة والضحك جميعاً كُلها فاقدة للتوازن، فتغدو القهقهة نفسها علامة على الفراغ والإنهاك..
وبذلك، تتحول التفاصيل الواقعية إلى صور دلالية مكثفة تكشف مأساة إنسانية كامنة خلف مظاهر الحياة الليلية.
يكشف هذا المقطع عن قدرة السيّاب على تشكيل صورة شعرية مركبة تقوم على الانزياح الدلالي والتشخيص المجازي، فالنوم يصبح طائراً سجيناً، والبسمات والأصباغ كائنات باكية،والقهقهات خطوات متعثرة، وبهذا التحوّل تنتقل اللغة من وسيلة وصف إلى أداة كشف عن مأساة إنسانية تختبىء وراء مظاهر الحياة اليومية.

يتبيّن من خلال العرض، أنّ الانزياح الدّلالي التّصويري يمثّل عنصراً أساسياً في تشكيل شعريّة الخطاب الأدبي، حيثُ تتجاوز اللغة وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة جمالية، وعبرَ هذا الانزياح تتشكل الصّورة الشِّعرية بوصفها حصيلة لتفاعل المعنى مع الخيال، ويكشف هذا المفهوم عن العلاقة الجدلية بين اللغة المعيارية وحرية الاستعمال، فاللغة تحتاج إلى نظام يحفظها، لكنّها تحتاج كذلك إلى الانزياح..

المراجع:
1- الصورة الشعرية- سيسيل دي لويس- ترجمة، أحمد نصيف الجنابي- دار الرشيد-ط1-1982-بغداد:ص21.
2- الأعمال الكاملة-بدر شاكر السيّاب- دار الحرية للطباعة والنشر-ط4-2008-بغداد:ص270.

عن الکاتب / الکاتبة

د.یونس حمید السراي
د.یونس حمید السراي
باحث وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش

الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش

  الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش. مفهوم الانزياح مِنَ المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات الأسلوبيّة…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
4 مارس 2026
اقرأ المزيد
الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش.

الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش.

  الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش. مفهوم الانزياح مِنَ المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات الأسلوبيّة…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
3 مارس 2026
اقرأ المزيد
مدارات: مُفارَقة الحداثةالشِّعرية

مدارات: مُفارَقة الحداثةالشِّعرية

  شكّل الشِّعر الحديث منعطفاً في تاريخ الشِّعر العربي على مستوى اللغة والمعنى والإيقاع وكل…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
18 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

بقلم: د.یونس حمید السراي | التاريخ: 11 مارس 2026

التصنيف: الأدب

 

أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

اللغة الشِّعرية لا تقف عند وظيفتها التّواصلية بنقل المعنى في صورته التّقريرية المباشرة؛بل تتجاوز ذلك، إلى إعادة تشكيل الدّلالة من خلال وسائل فنّية تجعل التّعبير أكثر كثافة وإيحاء.
ومن أهم الآليات ما يُعرف في الدّراسات الأسلوبيّة ب(الانزياح)، وهو خروج مقصود عن الاستعمال اللغويّ المألوف؛ لتوليد أثر دلاليّ وجماليّ جديد.
ويُعدّ الانزياح الدلاليّ التّصويريّ من أبرز مظاهر هذا الخروج، حيثُ تنتقل الكلمة من معناها المُعجميّ المباشر إلى المعنى المجازيّ الذي يولّد صورة شعرية..

يقوم الانزياح الدّلاليّ التصويريّ على تحويل العلاقات الدّلالية بين الكلمات بحيث تتجاوز حدودها في المُعجم إلى فضاء تخيّليّ، فالكلمة في الشِّعر لا تُستعمل بوصفها علامة لغويّة ثابتة؛ بل بوصفها عنصراً فاعلاً في تشكيل اللوحة الشّعرية.
ولذلكَ، تعتمد الصورة الشّعرية على نقل الصّفات بين الأشياء وتراسل الحواس وتشخيص المعاني المجرّدة، فتغدو الطبيعة كائناً حياً وتتحول الأفكار والمشاعر إلى صورة حسيّة قابلة للرؤية والتخيل، يقول الشّاعر والناقد البريطاني، سيسيل دي لويس:(الصورة هي رسم قوامه الكلمات)(1)، وهذه الكلمات ينبغي أن تحمل دلالات زاخِرة بالعاطفة والمشاعر الإنسانيّة؛ لتحقيق التواصل مع القارىء والتّأثير فيه..

ويتجلّى التّحوّل الدّلالي في الشّعر الحديث الذي وسّعَ طاقات اللغة التّصويريّة عبرَ وسائل فنّية وجمالية مختلفة..ومن ذلك ما جاء في قصيدة(المومس العمياء) للشاعر الرائد بدر شاكر السيّاب(1926-1964)،كقوله:
الحارس المكدود يعبر، والبّغايا متعبات،
النوم في أحداقهن يرف كالطير السجين،
وعلى الشفاه أو الجبين
تترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،
متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات. (الأعمال الكاملة:270).
……………………………
…………………………..
يقوم هذا المقطع على تشكيل مشهد ليلي مفعم بالتعب والمعاناة والمفارقات، حيثُ يتجاور الحارس المكدود والبغايا المتعبات في فضاء واحد يهيمن علية الإنهاك والأسى الإنساني..وتبرز شعرية النصّ في الانزياح الدّلالي التصويري في قول الشاعر:
النوم في أحداقهن يرفّ كالطير السجين.
إذ يتحول النوم من معناه المجرد إلى كائن حيّ يرف في العيون، ثمّ يُشبّه بطائر سجين في صورة تكثف معنى التعب والحرمان من الراحة.
والبسمة كحالة تعبيرية ثابته، لكنّها تُصوّر هنا ككائن حيّ يترنح..
ويتواصل هذا الانزياح في تشخيص البسمات والأصباغ حين يصفها بأنّها (ثكلى باكيات)، بما يكشف تهاوي القناع الجمالي الذي تحاول الزينة إخفاءه..
و متعثرات بالعيون و بالخطى والقهقهات .
يبدو النظر والحركة والضحك جميعاً كُلها فاقدة للتوازن، فتغدو القهقهة نفسها علامة على الفراغ والإنهاك..
وبذلك، تتحول التفاصيل الواقعية إلى صور دلالية مكثفة تكشف مأساة إنسانية كامنة خلف مظاهر الحياة الليلية.
يكشف هذا المقطع عن قدرة السيّاب على تشكيل صورة شعرية مركبة تقوم على الانزياح الدلالي والتشخيص المجازي، فالنوم يصبح طائراً سجيناً، والبسمات والأصباغ كائنات باكية،والقهقهات خطوات متعثرة، وبهذا التحوّل تنتقل اللغة من وسيلة وصف إلى أداة كشف عن مأساة إنسانية تختبىء وراء مظاهر الحياة اليومية.

يتبيّن من خلال العرض، أنّ الانزياح الدّلالي التّصويري يمثّل عنصراً أساسياً في تشكيل شعريّة الخطاب الأدبي، حيثُ تتجاوز اللغة وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة جمالية، وعبرَ هذا الانزياح تتشكل الصّورة الشِّعرية بوصفها حصيلة لتفاعل المعنى مع الخيال، ويكشف هذا المفهوم عن العلاقة الجدلية بين اللغة المعيارية وحرية الاستعمال، فاللغة تحتاج إلى نظام يحفظها، لكنّها تحتاج كذلك إلى الانزياح..

المراجع:
1- الصورة الشعرية- سيسيل دي لويس- ترجمة، أحمد نصيف الجنابي- دار الرشيد-ط1-1982-بغداد:ص21.
2- الأعمال الكاملة-بدر شاكر السيّاب- دار الحرية للطباعة والنشر-ط4-2008-بغداد:ص270.