ثنائيات السيرة والسرد في رواية “منفى مردوخ” لعبد الحسين بريسم

صورة الكاتب
بقلم: علي لفتة سعيد
التاريخ: 1 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3243
ثنائيات السيرة والسرد في رواية “منفى مردوخ” لعبد الحسين بريسم

 

جمع الشاعر والروائي عبد الحسين بريسم في روايته الأولى لفظين أو اسمين متناقضين، أو يصعب الجمع بينهما خارج فضاء الأدب، فجاء هذا الجمع ممهورًا بالقبول في عنوان “منفى مردوخ”. فالرواية التي تتحدث عن المكان، العمارة، وعن المنفى بوصفه حالةً في الحياة، وعن السعي إلى جمع الشتات ومراوغة التشظي في الحكاية، أراد من خلالها أن يبني جسرًا بين المكان بوصفه بيئةً، والتاريخ بوصفه مأوى ووسيلة، لينتج مقارنةً تقترب من السيرة ولا تبتعد عن السرد، وتحاول استثمار السرد لصالح المتن الروائي.

العنوان وتجلياته

تتجلى العلاقة بين العنوان والبيئة أو المكان بعمق واضح، إذ تسعى الرواية، في سيرتها ولغتها، إلى الاقتراب من تفكيك هذه العلاقة والكشف عن مستوياتها الدلالية. وربما يكون العنوان بوابةً للدخول إلى مدينة النص، لكنه، في الوقت نفسه، يمثل معنىً ومفتاحًا يقود إلى عملية الدخول واكتشاف عوالم الرواية. وتبرز أهمية العنوان في تشكيل البنية الدلالية والنفسية للنص من خلال مرتكزين أساسيين:
الأول: طبيعة العلاقة بين العنوان والمكان:
تحمل العلاقة بين العنوان والمكان مفارقةً واغترابًا، فالعنوان يجمع بين لفظين متباعدين ظاهريًا: “المنفى”، الذي يوحي بالقطيعة والشتات والبعد، و”مردوخ”، الإله الأسطوري البابلي المرتبط بالأرض العراقية العميقة، والحضارة، والتأسيس. وهذه الثنائية تعكس علاقة الإنسان بالمكان، فالمكان ليس مجرد رقعة جغرافية عابرة، بل هو حاضنة أزلية يغترب عنها الإنسان، رغم أنها تظل ساكنةً في داخله.
ويتأكد هذا الارتباط العضوي بالمكان الأصلي، ميسان / العمارة، من خلال غوص متن الرواية في تفاصيل المكان المحلي، شارع بغداد، مقهى نوشي، السوق المسقوف، مقبرة الإنجليز، ونهر دجلة. وهي أمكنة لا تؤدي وظيفةً جغرافيةً فحسب، وإنما تستعيد الذاكرة وتستحضر طبقات التاريخ وتمنح السرد هويته المحلية.
وبذلك يتحول العنوان إلى مظلةٍ كبرى تغطي شعور البطل وهو يستعيد مكانه الأول، العمارة، من خلف غبار المنافي. فالمنفى هنا لا يعود مجرد مكان جغرافي بعيد عن الوطن، وإنما يصبح مسافةً فاصلةً بين الإنسان وذاكرته، وبين الحاضر والماضي، وبين الجسد الذي غادر المكان والروح التي ظلّت معلّقةً به. ومن هنا تكتسب ثنائية “منفى مردوخ” دلالتها الأعمق، إذ يصبح مردوخ رمزًا لمكانٍ موغلٍ في التاريخ، بينما يصبح المنفى تعبيرًا عن اغتراب الإنسان عن المكان الذي يشكّل ذاكرته وهويته.
الثاني: الدلالة البيئية:
تحوّل العنوان إلى مفتاحٍ تأويلي للرواية، كونه البوابة الأساسية لفهم الصراع النفسي للشخصية، فهو يربط بين التاريخ الأسطوري، ممثّلًا في “مردوخ”، والواقع المعيش، ممثّلًا في ميسان وأنهارها وذاكرتها، مما يمنح المكان أبعادًا أعمق تتجاوز واقعيته المباشرة إلى الرمزية الإنسانية. فالعنوان هنا يعكس جدلية الهوية والذاكرة، ويبرز أهمية المكان بوصفه حارسًا للذاكرة ومخزنًا للهوية.
فالبيئة الميسانية، بأزقتها وأنهارها وطقوسها، مثل “البرونايا”، هي التي تمنح العنوان معناه الحقيقي، وتؤكد أن الإنسان، مهما افترق عن مكانه أو عاش “منفاه”، تظل جغرافية الطفولة والبدايات مرجعه الأساسي في تشكيل وجوده ووعيه. ومن هنا لا يعود المكان مجرد فضاءٍ تجري فيه الأحداث، بل يتحول إلى كيانٍ فاعل في تشكيل الشخصية وإعادة إنتاج ذاكرتها.

الحكاية والخطوط السردية

تبدو حكاية الرواية معادلًا موضوعيًا للاهتمام الذي أبداه الكاتب بالمكان والذاكرة، فهي تتمحور حول ثنائيات الذاكرة والمكان، والمنفى والعودة، والحضور والغياب. ولهذا غلب عليها الاقتراب من السيرة من جهة، والفاعلية الوجدانية والعاطفية من جهة أخرى. فقد أراد الكاتب استعادة المكان الأول منذ البدايات، حين أخذ تدفق الذكريات يستحضر تفاصيل العمارة بوصفها المكان الحيّ بكل تفاصيله وأسمائه، لتصبح بمرجعياتها المتنوعة تمثيلًا للوعي والثقافة والتاريخ.
ولم يكتفِ السرد باستعادة المكان من خلال الذاكرة، بل عمد إلى إبراز معالمه الأثرية والدينية والتاريخية، وكل ما يمكن أن يمنحه خصوصيته وهويته، من السوق المسقوف، وكنيسة أم الأحزان، ومعابد الصابئة المندائيين، إلى مقبرة الجنود البريطانيين. وهي معالم تتجاور داخل الفضاء الروائي لتشكّل بيئةً نابضة بالحياة، قائمة على التنوع والتعدد والتعايش، وتكشف في الوقت نفسه عن طبقات التاريخ التي تراكمت في المدينة وتركت آثارها في وعي أهلها.
ولهذا يرتبط ما يرويه النص بفكرة المنفى والتشظي، بما يمنحها دلالةً متصلة بالعنوان. فالمنفى هنا لا يعني الاغتراب عن المكان والانتقال إلى مكان آخر فحسب، كما يتجلى في رحلة البطل إلى بغداد وتجربته فيها، وتسميته بـ”الغوغائي”، وإنما يتخذ أيضًا صورة منفى داخلي يتمثل في شعور الإنسان بالغربة داخل زمانه، حين يرى مدينته وأبناءها يتغيرون، أو يتشتتون خلف الأوهام والأضواء المخادعة. ويتضح ذلك بصورة أكثر عمقًا في رمزية “بيت أبي” وتفرّق الأبناء، حيث يتحول البيت من مكانٍ للسكن إلى علامة على وحدةٍ مفقودة وأسرةٍ أخذها التشظي بعيدًا عن مركزها الأول.
ولهذا احتاج بريسم، في إنتاج الحكاية وبناء خطوطها السردية، إلى فاعليتين مهمتين تتداخلان في تشكيل المتن الروائي:
الأولى: التوظيف الأسطوري والتاريخي:

يتداخل في الرواية التاريخ بالأسطورة والحكايات المحلية، بحيث لا تأتي الإحالات التاريخية والأسطورية بوصفها معلوماتٍ خارجية عن الحكاية، وإنما بوصفها جزءًا من تشكيل وعي المكان وإنتاج دلالته. ونجد ذلك في استدعاء قصة النبي عزرا “عزرا بن شرحيا”، الذي نام مئة عام ثم بُعث حيًا في ناحية العزير، وفي استحضار شخصيات تاريخية وفلكلورية مثل “زهرون عمارة”، صانع الحلي للملوك، وصولًا إلى رمزية الإله البابلي “مردوخ”، الذي يرتبط بفكرة خلق النظام من الفوضى.
وهكذا تمتزج الأسطورة بواقع المدينة العراقية العريق، ويتداخل الزمن القديم مع الزمن الراهن، لتصبح الحكاية فضاءً تتجاور فيه الأزمنة بدل أن تنفصل. ومن خلال هذا التداخل يمنح الكاتب المكان عمقًا تاريخيًا يتجاوز حضوره الجغرافي، ويجعله حاملًا لذاكرةٍ ممتدة من الأسطورة إلى الحياة اليومية.
الثانية: ثيمة الوعي والذاكرة:
لا تقوم الرواية على سرد أحداث تقليدية مجردة بقدر ما تنهض بوصفها محاولةً للدفاع عن الذاكرة في مواجهة النسيان. فالكاتب ينظر إلى المدينة لا باعتبارها عمرانًا يمكن أن يهدم ويُعاد بناؤه، وإنما بوصفها ذاكرةً وهويةً ووعيًا جمعيًا، فالمدن لا تموت بالهدم المادي وحده، وإنما تموت حين تفقد كتبها وذاكرتها وأسماءها وحكاياتها.
ومن هنا تتخذ الذاكرة في الرواية وظيفةً تتجاوز الاسترجاع، لتصبح فعلًا من أفعال مقاومة الفقد. فاستعادة الأمكنة والأسماء والشخصيات والطقوس ليست مجرد عودة إلى الماضي، وإنما محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هوية المدينة، قبل أن تبتلعه التحولات والنسيان.
وتنتهي الرواية إلى تأملات عميقة في معنى الوطن، الذي لا يُقاس بالجغرافيا وحدها، بل بوصفه “احتمال عودة” ودفئًا للجذور. ولذلك يظل الإنسان، رغم صنوف المنفى التي يعيشها، مشدودًا إلى حبل النهر والتل والبيت الأول، لأن المكان الذي غادره الجسد قد يبقى حاضرًا في الذاكرة، وربما يصبح، مع مرور الزمن، أكثر حضورًا من الأمكنة التي عاش فيها بعده.

الفكرة والسعي

تحمل الرواية عددًا من الأفكار التي يسعى الكاتب إلى الإمساك بجمرتها، وفي مقدمتها العلاقة بين الوطن والذاكرة، فالوطن ارتبط بالذاكرة، والذاكرة بدورها أصبحت صورةً أخرى للوطن. فالذاكرة هي الوطن الحقيقي، وهي وسيلة الدفاع عنه في مواجهة الفناء والنسيان. وتنطلق الرواية من فكرة أن المدن لا تموت بالخراب المادي أو الإسمنت وحدهما، بل تموت حين تفقد ذاكرتها وكتبها وأسماء ناسها وحكاياتهم. فالمنفى الحقيقي ليس الابتعاد الجغرافي عن المكان فحسب، وإنما هو انقطاع الإنسان عن جذوره ونسيانه لملامحه الأولى.
ومن هنا تصبح الكتابة والاستعادة وسيلتين لمقاومة الموت والنسيان، إذ يقيم الكاتب ترابطًا بين الهوية والمكان، متخذًا من ميسان أنموذجًا، ليؤكد أن الأماكن ليست مساحات صماء، بل كائنات حية تشكل وجدان الإنسان ووعيه. كما تبرز الرواية الهوية العراقية بوصفها هويةً قائمة على التنوع والتعايش بين المسلمين والمسيحيين والصابئة المندائيين واليهود، وعلى ذلك التلاحم الفريد بين الإنسان وبيئته.
وقد اعتمد الكاتب في بناء هذه الفكرة على فاعليتين أساسيتين:
الأولى: التمزق الإنساني / ثنائية المنفى والعودة:
تطرح الرواية فكرة “المنفى” بصيغ متعددة، فمنفى مكاني، ومنفى داخلي، ومنفى روحي، يتمثل في شعور الإنسان بأنه غريب حتى في وطنه أو زمنه. وتتجلى هذه الفكرة بوضوح في رمزية “بيت أبي” والأبناء الذين غادروا خلف الأضواء المخادعة والأوهام، ليخلص الكاتب إلى أن الركض خلف السراب لا يصنع وطنًا، وأن الإنسان يظل مشدودًا بحبل خفي إلى جذوره الأولى وإلى “احتمال العودة”.
الثانية: الخلود مقابل زيف الأضواء
وظّف الكاتب الأسطورة والتاريخ، مثل قصة مردوخ والنبي عزرا، ليؤكد أن إرادة الحياة والبقاء أقوى من صنوف الموت والشتات. فالأشياء البسيطة، والجذور العميقة، والتاريخ الإنساني الصادق هي التي تبقى وتصمد أمام طوفان الزمن والتغيرات، في حين تتبدد الأضواء الزائفة والبدايات الخادعة.

المعالجة الفنية

سعى بريسم إلى وضع معالجات فنية تنقل الرواية من فضاء الذاكرة والسيرة إلى المتن الروائي، فمزج بين السيرة الذاتية والتاريخ والأسطورة وتداعيات الذاكرة، بهدف الإمساك بجمر الاشتغال السردي، عبر تهجين الأجناس الأدبية وتداخل أشكال السيرة. ويتقاطع في النص السرد الروائي التخيّلي مع أدب الرحلة، والتأملات الفلسفية، والتوثيق التاريخي.
ولم يعتمد الكاتب على حبكة تقليدية تصاعدية ذات عقدة وحل، وإنما اعتمد على ما يمكن تسميته حبكة الذاكرة المتدفقة، التي تتحرك بحرية عبر الزمن، فضلًا عن تعدد الأصوات والتقطيع الزمني، إذ يتنقل السرد بين الماضي والحاضر المضطرب، بما يمنح الرواية أبعادًا بوليفونية، ويجعل المكان نفسه بطلًا حيًا ينطق بالنيابة عن أصحابه.
وقد لجأ إلى طريقتين أساسيتين:
الأولى: الرمزية المكانية والعناصر الأسطورية:
يشتغل الكاتب على تحويل الأمكنة الواقعية إلى رموز دلالية كبرى، فالمكان ليس خلفية جغرافية صماء، بل كائن عضوي يحمل أوجاع الإنسان وذاكرته، ويتشابك مع الأسطورة بهدف تجسيد أفكار الاغتراب والبعث واستمرار الحياة.

الثانية: اللغة الشعرية بين التوتر والبوح:
تتراوح اللغة بين التوتر والبوح، ويطغى على السرد نَفَسٌ شعري واضح، أدى إلى تداخل الصور البصرية والمجازات مع التفاصيل اليومية البسيطة. وقد أسهمت اللقطات الشعرية المكثفة في إنقاذ النص من تقريرية التاريخ، وجعلت القارئ يعيش “المنفى” بوصفه شعورًا داخليًا عميقًا، لا مجرد انتقال من جغرافيا إلى أخرى.

الشخصيات وذاكرة الرواية

تمور الرواية بشخصيات عديدة تمتد عبر مساحات زمنية مختلفة، وهي شخصيات لها أثر فاعل في الصراع وفي إثارة فاعلية المكان. وقد اعتمدت الرواية على السرد الاسترجاعي والتأملي، الذي يمزج بين السيرة والذاكرة الجماعية لمدينة ميسان، بدلًا من الاعتماد على حبكة درامية تقليدية ذات صراع خارجي حاد بين شخصيات متصارعة.
ومع ذلك، تبرز في النص مجموعة من الشخصيات المحورية:
أولًا: الراوي / البطل:
يمثل الراوي محور الرواية وصوتها الأساسي، وله أثر فاعل في تشكيل الصراع ودفعه، فهو يخوض صراعًا داخليًا بين واقعه في “المنفى” وبين جاذبية الذاكرة والجذور الأولى في ميسان. وتنعكس عبر وعيه صراعات الاغتراب والبحث عن الهوية، وتأمل أوجاع المدينة وناسها.
“في كنف مردوخ، لم أكن بطلأ خارقًا. كنت ابن هذا الشارع. خرجت منه، وعدتُ إليه، وحملته معي حتى حين حاولت الهرب.” (ص 14)
ثانيًا: الأب:
يمثل الأب الجذور الثابتة والاحتواء والأصل الذي لا يتغير، رغم عاصفة التحولات وتشظّي الأبناء. وهو يجسد صراع البقاء والثبات في مواجهة “طوفان الأضواء المخادعة” الذي جذب الأبناء بعيدًا.
“على التل، كان أبي ما يزال يلوّح. لم يكن التل عاليًا، لكن وقفته عليه كانت تعلو على البيوت كلها. كان يرفع يده كل مساء، كأن الأفق نافذة، وكأن أبناءه سيطلون منها فجأة.” (ص 91)
ثالثًا: زهرون عمارة / الجد / صانع الحلي:
وهو شخصية فلكلورية وتاريخية بارزة، ويُذكر بوصفه جد الشاعرة لميعة عباس والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد. وقد أدت الشخصية دورًا في استحضار الإرث الحضاري والثقافي للمدينة، وفي مواجهة محاولات الطمس والنسيان، من خلال رموز الإبداع والجمال التي خلفتها الأجيال السابقة.
“زهرون عمارة، جد الشاعرة لميعة عباس والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، كان يتجول في أذهاننا كما لو أنه لا يزال حيًا، حكاياته عن الذهب والأساور التي صنعها لملوك بريطانيا وقيصر روسيا تتخلل المكان…” (ص 42)
رابعًا: النبي عزرا / عزرا بن شرحيا:
وهو شخصية دينية وتاريخية مرتبطة بمرقده على ضفاف دجلة في ناحية العزير. وقد استثمرها الكاتب لإثارة تساؤلات فلسفية عميقة حول الزمن والموت والبعث والمنفى الطويل، إذ يربط الراوي بين قصة نومه مئة عام ثم عودته إلى الحياة، وبين إحساس الإنسان المغترب باستيقاظه المفاجئ في زمن غريب.
“العزير لم يخلق شيئًا، هو فقط رأى الخلق، أمام عينيه.” (ص 72)
خامسًا: حيدر حسين داود / حارس المكتبة العصرية:
يمثل حيدر حسين داود رمز الثقافة والوعي المقاوم للنسيان والجهل. ووجوده في المكتبة العصرية يشكل مواجهةً مع فكرة موت المدن، فالمثقف وحارس الكتب يدافعان عن بقاء الروح الحية للمكان، وعن الذاكرة التي تحملها الكتب.
“خلف الطاولة يقف حيدر حسين داود بهدوئه الذي يشبه هدوء المكتبات الكبرى. لا يبيع كتابًا، بل يسلمك احتمالًا. إلى جانبه الأستاذ شريف، يبتسم ابتسامة من يعرف أن الثقافة ليست مهنة، بل موقف.” (ص 23)

البيئة وفاعلية السرد

كانت البيئة في هذه الرواية حاضرةً في أبعادها المختلفة، من حيث الاشتغال على المكان واستثمار إمكاناته السردية، فقد جعل الكاتب البيئة والمكان عنصرًا حيًا وفاعلًا، لا مجرد ديكور خلفي للأحداث، بل شريكًا أساسيًا في بناء الرواية وتعميق دلالاتها.
ويمكن رصد الأثر البيئي في الرواية من جهتين:
الأولى: حضور الطبيعة:
تتميز بيئة ميسان بكونها مدينةً قائمة على الماء والنخيل والأهوار، وقد ترك هذا الحضور الطبيعي، المتمثل في نهر دجلة والجداول وطين الأرض وسعف النخل، أثره في وجدان الشخصيات، فمزج بين الصفاء والحنين والشعور الدائم بالارتباط بالجذور.
ولم يقتصر حضور البيئة على الطبيعة، بل امتد إلى البيئة العمرانية والثقافية والذاكرة المكانية، إذ استعاد الكاتب البيئة الشعبية والعمرانية من خلال السوق المسقوف، وشارع بغداد، وشارع التربية، ومقهى نوشي، والمكتبة العصرية، ومقبرة الإنجليز، وكنيسة أم الأحزان. وقد شكّلت هذه الأماكن، بتجاورها وترابطها، بيئةً حاضنة للتنوع والتعايش الإنساني بين المسلمين والمسيحيين والصابئة واليهود.
الثانية: بيئة الجوع والشقاء المقاوم:

لم يقدم الكاتب البيئة بوصفها فضاءً للترف والطمأنينة، وإنما كشف عن جوانبها الصعبة والقاسية، مثل المدينة التي “تنام مبكرًا وتصحو على قرقرة البطون”. وهي صورة تجعل البيئة الاجتماعية جزءًا من الصراع، وتولد لدى الإنسان رغبةً عنيدة في البقاء والمقاومة والتمسك بالحياة.

تقنية التوزيع الشكلي

استخدم بريسم في هذه الرواية تقنية التقسيم إلى فصول ومقاطع تحمل عناوين مستقلة، مثل: “شارع بغداد في ميسان”، و”حارس مقبرة الإنجليز”، و”مقهى نوشي وأحلام الشعراء”، و”ضوء البرونايا”، و”أجنحة الإسمنت”، و”بيت أبي”. كما اعتمد السطر السردي الذي يأتي أحيانًا قريبًا من السطر النثري، حتى إن اللغة في بعض المواضع بدت أكثر شعرية من كونها سردية بالمعنى التقليدي.
وقد قام هذا التقسيم على خاصيتين أساسيتين:
الأولى: البناء الفسيفسائي للذاكرة:
لم يكن تقسيم الرواية إلى أقسام مجرد فهرسة تقليدية لأحداث متلاحقة، بل جاء بوصفه تشكيلًا للوحة فسيفسائية تتكون من أجزاء متفرقة تكتمل دلالتها عند اجتماعها. فالرواية تقوم على الاسترجاع والتداعيات النفسية، وكل عنوان يمثل “محطة” أو “بؤرة إشعاع” مستقلة نسبيًا، لكنها تتكامل مع غيرها لتشكّل في النهاية الصورة الكاملة لمدينة ميسان، وجدانيًا وتاريخيًا.
وقد أسهم هذا البناء في التحرر من الحبكة الخطية، وعكس طبيعة الوعي البشري والذاكرة التي لا تستعيد الماضي في خط مستقيم، وإنما في صورة ومضات وصور وأماكن وأزمنة متباعدة تتلاقى في نقطة شعورية واحدة، هي شعور المنفى والحنين.
الثانية: المفاتيح التأويلية وتوجيه قراءة المتلقّي:
عمل عنوان كل قسم بوصفه “مفتاحًا دلاليًا” يوجّه القارئ ويهيئ أفق توقعاته. فعندما تقع عين القارئ على عنوان مثل “حارس مقبرة الإنجليز” أو “مئة عام من الصمت”، فإنه يدخل مباشرةً إلى الفضاء النفسي والزمني للقسم، وإلى دلالات الموت والصمت والتاريخ والخلود، قبل أن يقرأ السطور الأولى.
وبذلك لا يؤدي التقسيم الشكلي وظيفة تنظيمية فحسب، وإنما يساهم في بناء المعنى، ومنح كل مقطع استقلاليته النسبية وعمقه الخاص، فضلًا عن خلق إيقاع نفسي وتأملي يتناسب مع طبيعة الرواية القائمة على الذاكرة والاستعادة وتداخل الأزمنة والأمكنة.

ثناية السيرة والسرد

عملت الرواية على استعادة المكان بوصفه ذاكرةً وهويةً، وعلى تحويل السيرة الشخصية إلى مادّةٍ سردية تتداخل فيها التجربة الذاتية مع الذاكرة الجماعية لمدينة ميسان،. لذا تقوم الرواية على ثنائية مركزية هي المنفى والعودة، فالمنفى لا يتمثل في الابتعاد الجغرافي عن الوطن فحسب، وإنما يتخذ صورةً داخلية تتمثل في اغتراب الإنسان عن جذوره وذاكرته ومكانه الأول. ومن هنا تصبح العودة إلى العمارة عودةً إلى الذات، فيما تتحول الذاكرة إلى وطن بديل ومقاومة للنسيان والفناء.. كما اعتمدت الرواية على بنية سردية، تقوم على تدفّق الذاكرة والاسترجاع والتداعي، وعلى مقاطع وعناوين تشكل لوحةً متفرقة، تستعيد المدينة من خلال شظاياها وأمكنتها وأصواتها. وأسهمت اللغة الشعرية في تحويل التفاصيل اليومية والتاريخية إلى صورٍ وجدانية، فأصبح المكان حاملًا للذاكرة، وأصبحت الذاكرة وسيلةً لاستعادة المكان.
وبذلك تسعى الرواية إلى الدفاع عن ذاكرة المدينة في مواجهة النسيان، والتأكيد أن المدن لا تموت حين تتغير مبانيها فقط، بل حين تفقد أسماءها وحكاياتها وكتبها وناسها. وفي النهاية يصبح الوطن أكثر من جغرافيا؛ إنه جذور وذاكرة واحتمال عودة، فيما يغدو السرد محاولةً لإنقاذ ما تبقى من المكان والإنسان من التشظي والفناء.

عن الکاتب / الکاتبة

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد
روائي . ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ثنائيات السيرة والسرد في رواية “منفى مردوخ” لعبد الحسين بريسم

بقلم: علي لفتة سعيد | التاريخ: 1 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

 

جمع الشاعر والروائي عبد الحسين بريسم في روايته الأولى لفظين أو اسمين متناقضين، أو يصعب الجمع بينهما خارج فضاء الأدب، فجاء هذا الجمع ممهورًا بالقبول في عنوان “منفى مردوخ”. فالرواية التي تتحدث عن المكان، العمارة، وعن المنفى بوصفه حالةً في الحياة، وعن السعي إلى جمع الشتات ومراوغة التشظي في الحكاية، أراد من خلالها أن يبني جسرًا بين المكان بوصفه بيئةً، والتاريخ بوصفه مأوى ووسيلة، لينتج مقارنةً تقترب من السيرة ولا تبتعد عن السرد، وتحاول استثمار السرد لصالح المتن الروائي.

العنوان وتجلياته

تتجلى العلاقة بين العنوان والبيئة أو المكان بعمق واضح، إذ تسعى الرواية، في سيرتها ولغتها، إلى الاقتراب من تفكيك هذه العلاقة والكشف عن مستوياتها الدلالية. وربما يكون العنوان بوابةً للدخول إلى مدينة النص، لكنه، في الوقت نفسه، يمثل معنىً ومفتاحًا يقود إلى عملية الدخول واكتشاف عوالم الرواية. وتبرز أهمية العنوان في تشكيل البنية الدلالية والنفسية للنص من خلال مرتكزين أساسيين:
الأول: طبيعة العلاقة بين العنوان والمكان:
تحمل العلاقة بين العنوان والمكان مفارقةً واغترابًا، فالعنوان يجمع بين لفظين متباعدين ظاهريًا: “المنفى”، الذي يوحي بالقطيعة والشتات والبعد، و”مردوخ”، الإله الأسطوري البابلي المرتبط بالأرض العراقية العميقة، والحضارة، والتأسيس. وهذه الثنائية تعكس علاقة الإنسان بالمكان، فالمكان ليس مجرد رقعة جغرافية عابرة، بل هو حاضنة أزلية يغترب عنها الإنسان، رغم أنها تظل ساكنةً في داخله.
ويتأكد هذا الارتباط العضوي بالمكان الأصلي، ميسان / العمارة، من خلال غوص متن الرواية في تفاصيل المكان المحلي، شارع بغداد، مقهى نوشي، السوق المسقوف، مقبرة الإنجليز، ونهر دجلة. وهي أمكنة لا تؤدي وظيفةً جغرافيةً فحسب، وإنما تستعيد الذاكرة وتستحضر طبقات التاريخ وتمنح السرد هويته المحلية.
وبذلك يتحول العنوان إلى مظلةٍ كبرى تغطي شعور البطل وهو يستعيد مكانه الأول، العمارة، من خلف غبار المنافي. فالمنفى هنا لا يعود مجرد مكان جغرافي بعيد عن الوطن، وإنما يصبح مسافةً فاصلةً بين الإنسان وذاكرته، وبين الحاضر والماضي، وبين الجسد الذي غادر المكان والروح التي ظلّت معلّقةً به. ومن هنا تكتسب ثنائية “منفى مردوخ” دلالتها الأعمق، إذ يصبح مردوخ رمزًا لمكانٍ موغلٍ في التاريخ، بينما يصبح المنفى تعبيرًا عن اغتراب الإنسان عن المكان الذي يشكّل ذاكرته وهويته.
الثاني: الدلالة البيئية:
تحوّل العنوان إلى مفتاحٍ تأويلي للرواية، كونه البوابة الأساسية لفهم الصراع النفسي للشخصية، فهو يربط بين التاريخ الأسطوري، ممثّلًا في “مردوخ”، والواقع المعيش، ممثّلًا في ميسان وأنهارها وذاكرتها، مما يمنح المكان أبعادًا أعمق تتجاوز واقعيته المباشرة إلى الرمزية الإنسانية. فالعنوان هنا يعكس جدلية الهوية والذاكرة، ويبرز أهمية المكان بوصفه حارسًا للذاكرة ومخزنًا للهوية.
فالبيئة الميسانية، بأزقتها وأنهارها وطقوسها، مثل “البرونايا”، هي التي تمنح العنوان معناه الحقيقي، وتؤكد أن الإنسان، مهما افترق عن مكانه أو عاش “منفاه”، تظل جغرافية الطفولة والبدايات مرجعه الأساسي في تشكيل وجوده ووعيه. ومن هنا لا يعود المكان مجرد فضاءٍ تجري فيه الأحداث، بل يتحول إلى كيانٍ فاعل في تشكيل الشخصية وإعادة إنتاج ذاكرتها.

الحكاية والخطوط السردية

تبدو حكاية الرواية معادلًا موضوعيًا للاهتمام الذي أبداه الكاتب بالمكان والذاكرة، فهي تتمحور حول ثنائيات الذاكرة والمكان، والمنفى والعودة، والحضور والغياب. ولهذا غلب عليها الاقتراب من السيرة من جهة، والفاعلية الوجدانية والعاطفية من جهة أخرى. فقد أراد الكاتب استعادة المكان الأول منذ البدايات، حين أخذ تدفق الذكريات يستحضر تفاصيل العمارة بوصفها المكان الحيّ بكل تفاصيله وأسمائه، لتصبح بمرجعياتها المتنوعة تمثيلًا للوعي والثقافة والتاريخ.
ولم يكتفِ السرد باستعادة المكان من خلال الذاكرة، بل عمد إلى إبراز معالمه الأثرية والدينية والتاريخية، وكل ما يمكن أن يمنحه خصوصيته وهويته، من السوق المسقوف، وكنيسة أم الأحزان، ومعابد الصابئة المندائيين، إلى مقبرة الجنود البريطانيين. وهي معالم تتجاور داخل الفضاء الروائي لتشكّل بيئةً نابضة بالحياة، قائمة على التنوع والتعدد والتعايش، وتكشف في الوقت نفسه عن طبقات التاريخ التي تراكمت في المدينة وتركت آثارها في وعي أهلها.
ولهذا يرتبط ما يرويه النص بفكرة المنفى والتشظي، بما يمنحها دلالةً متصلة بالعنوان. فالمنفى هنا لا يعني الاغتراب عن المكان والانتقال إلى مكان آخر فحسب، كما يتجلى في رحلة البطل إلى بغداد وتجربته فيها، وتسميته بـ”الغوغائي”، وإنما يتخذ أيضًا صورة منفى داخلي يتمثل في شعور الإنسان بالغربة داخل زمانه، حين يرى مدينته وأبناءها يتغيرون، أو يتشتتون خلف الأوهام والأضواء المخادعة. ويتضح ذلك بصورة أكثر عمقًا في رمزية “بيت أبي” وتفرّق الأبناء، حيث يتحول البيت من مكانٍ للسكن إلى علامة على وحدةٍ مفقودة وأسرةٍ أخذها التشظي بعيدًا عن مركزها الأول.
ولهذا احتاج بريسم، في إنتاج الحكاية وبناء خطوطها السردية، إلى فاعليتين مهمتين تتداخلان في تشكيل المتن الروائي:
الأولى: التوظيف الأسطوري والتاريخي:

يتداخل في الرواية التاريخ بالأسطورة والحكايات المحلية، بحيث لا تأتي الإحالات التاريخية والأسطورية بوصفها معلوماتٍ خارجية عن الحكاية، وإنما بوصفها جزءًا من تشكيل وعي المكان وإنتاج دلالته. ونجد ذلك في استدعاء قصة النبي عزرا “عزرا بن شرحيا”، الذي نام مئة عام ثم بُعث حيًا في ناحية العزير، وفي استحضار شخصيات تاريخية وفلكلورية مثل “زهرون عمارة”، صانع الحلي للملوك، وصولًا إلى رمزية الإله البابلي “مردوخ”، الذي يرتبط بفكرة خلق النظام من الفوضى.
وهكذا تمتزج الأسطورة بواقع المدينة العراقية العريق، ويتداخل الزمن القديم مع الزمن الراهن، لتصبح الحكاية فضاءً تتجاور فيه الأزمنة بدل أن تنفصل. ومن خلال هذا التداخل يمنح الكاتب المكان عمقًا تاريخيًا يتجاوز حضوره الجغرافي، ويجعله حاملًا لذاكرةٍ ممتدة من الأسطورة إلى الحياة اليومية.
الثانية: ثيمة الوعي والذاكرة:
لا تقوم الرواية على سرد أحداث تقليدية مجردة بقدر ما تنهض بوصفها محاولةً للدفاع عن الذاكرة في مواجهة النسيان. فالكاتب ينظر إلى المدينة لا باعتبارها عمرانًا يمكن أن يهدم ويُعاد بناؤه، وإنما بوصفها ذاكرةً وهويةً ووعيًا جمعيًا، فالمدن لا تموت بالهدم المادي وحده، وإنما تموت حين تفقد كتبها وذاكرتها وأسماءها وحكاياتها.
ومن هنا تتخذ الذاكرة في الرواية وظيفةً تتجاوز الاسترجاع، لتصبح فعلًا من أفعال مقاومة الفقد. فاستعادة الأمكنة والأسماء والشخصيات والطقوس ليست مجرد عودة إلى الماضي، وإنما محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هوية المدينة، قبل أن تبتلعه التحولات والنسيان.
وتنتهي الرواية إلى تأملات عميقة في معنى الوطن، الذي لا يُقاس بالجغرافيا وحدها، بل بوصفه “احتمال عودة” ودفئًا للجذور. ولذلك يظل الإنسان، رغم صنوف المنفى التي يعيشها، مشدودًا إلى حبل النهر والتل والبيت الأول، لأن المكان الذي غادره الجسد قد يبقى حاضرًا في الذاكرة، وربما يصبح، مع مرور الزمن، أكثر حضورًا من الأمكنة التي عاش فيها بعده.

الفكرة والسعي

تحمل الرواية عددًا من الأفكار التي يسعى الكاتب إلى الإمساك بجمرتها، وفي مقدمتها العلاقة بين الوطن والذاكرة، فالوطن ارتبط بالذاكرة، والذاكرة بدورها أصبحت صورةً أخرى للوطن. فالذاكرة هي الوطن الحقيقي، وهي وسيلة الدفاع عنه في مواجهة الفناء والنسيان. وتنطلق الرواية من فكرة أن المدن لا تموت بالخراب المادي أو الإسمنت وحدهما، بل تموت حين تفقد ذاكرتها وكتبها وأسماء ناسها وحكاياتهم. فالمنفى الحقيقي ليس الابتعاد الجغرافي عن المكان فحسب، وإنما هو انقطاع الإنسان عن جذوره ونسيانه لملامحه الأولى.
ومن هنا تصبح الكتابة والاستعادة وسيلتين لمقاومة الموت والنسيان، إذ يقيم الكاتب ترابطًا بين الهوية والمكان، متخذًا من ميسان أنموذجًا، ليؤكد أن الأماكن ليست مساحات صماء، بل كائنات حية تشكل وجدان الإنسان ووعيه. كما تبرز الرواية الهوية العراقية بوصفها هويةً قائمة على التنوع والتعايش بين المسلمين والمسيحيين والصابئة المندائيين واليهود، وعلى ذلك التلاحم الفريد بين الإنسان وبيئته.
وقد اعتمد الكاتب في بناء هذه الفكرة على فاعليتين أساسيتين:
الأولى: التمزق الإنساني / ثنائية المنفى والعودة:
تطرح الرواية فكرة “المنفى” بصيغ متعددة، فمنفى مكاني، ومنفى داخلي، ومنفى روحي، يتمثل في شعور الإنسان بأنه غريب حتى في وطنه أو زمنه. وتتجلى هذه الفكرة بوضوح في رمزية “بيت أبي” والأبناء الذين غادروا خلف الأضواء المخادعة والأوهام، ليخلص الكاتب إلى أن الركض خلف السراب لا يصنع وطنًا، وأن الإنسان يظل مشدودًا بحبل خفي إلى جذوره الأولى وإلى “احتمال العودة”.
الثانية: الخلود مقابل زيف الأضواء
وظّف الكاتب الأسطورة والتاريخ، مثل قصة مردوخ والنبي عزرا، ليؤكد أن إرادة الحياة والبقاء أقوى من صنوف الموت والشتات. فالأشياء البسيطة، والجذور العميقة، والتاريخ الإنساني الصادق هي التي تبقى وتصمد أمام طوفان الزمن والتغيرات، في حين تتبدد الأضواء الزائفة والبدايات الخادعة.

المعالجة الفنية

سعى بريسم إلى وضع معالجات فنية تنقل الرواية من فضاء الذاكرة والسيرة إلى المتن الروائي، فمزج بين السيرة الذاتية والتاريخ والأسطورة وتداعيات الذاكرة، بهدف الإمساك بجمر الاشتغال السردي، عبر تهجين الأجناس الأدبية وتداخل أشكال السيرة. ويتقاطع في النص السرد الروائي التخيّلي مع أدب الرحلة، والتأملات الفلسفية، والتوثيق التاريخي.
ولم يعتمد الكاتب على حبكة تقليدية تصاعدية ذات عقدة وحل، وإنما اعتمد على ما يمكن تسميته حبكة الذاكرة المتدفقة، التي تتحرك بحرية عبر الزمن، فضلًا عن تعدد الأصوات والتقطيع الزمني، إذ يتنقل السرد بين الماضي والحاضر المضطرب، بما يمنح الرواية أبعادًا بوليفونية، ويجعل المكان نفسه بطلًا حيًا ينطق بالنيابة عن أصحابه.
وقد لجأ إلى طريقتين أساسيتين:
الأولى: الرمزية المكانية والعناصر الأسطورية:
يشتغل الكاتب على تحويل الأمكنة الواقعية إلى رموز دلالية كبرى، فالمكان ليس خلفية جغرافية صماء، بل كائن عضوي يحمل أوجاع الإنسان وذاكرته، ويتشابك مع الأسطورة بهدف تجسيد أفكار الاغتراب والبعث واستمرار الحياة.

الثانية: اللغة الشعرية بين التوتر والبوح:
تتراوح اللغة بين التوتر والبوح، ويطغى على السرد نَفَسٌ شعري واضح، أدى إلى تداخل الصور البصرية والمجازات مع التفاصيل اليومية البسيطة. وقد أسهمت اللقطات الشعرية المكثفة في إنقاذ النص من تقريرية التاريخ، وجعلت القارئ يعيش “المنفى” بوصفه شعورًا داخليًا عميقًا، لا مجرد انتقال من جغرافيا إلى أخرى.

الشخصيات وذاكرة الرواية

تمور الرواية بشخصيات عديدة تمتد عبر مساحات زمنية مختلفة، وهي شخصيات لها أثر فاعل في الصراع وفي إثارة فاعلية المكان. وقد اعتمدت الرواية على السرد الاسترجاعي والتأملي، الذي يمزج بين السيرة والذاكرة الجماعية لمدينة ميسان، بدلًا من الاعتماد على حبكة درامية تقليدية ذات صراع خارجي حاد بين شخصيات متصارعة.
ومع ذلك، تبرز في النص مجموعة من الشخصيات المحورية:
أولًا: الراوي / البطل:
يمثل الراوي محور الرواية وصوتها الأساسي، وله أثر فاعل في تشكيل الصراع ودفعه، فهو يخوض صراعًا داخليًا بين واقعه في “المنفى” وبين جاذبية الذاكرة والجذور الأولى في ميسان. وتنعكس عبر وعيه صراعات الاغتراب والبحث عن الهوية، وتأمل أوجاع المدينة وناسها.
“في كنف مردوخ، لم أكن بطلأ خارقًا. كنت ابن هذا الشارع. خرجت منه، وعدتُ إليه، وحملته معي حتى حين حاولت الهرب.” (ص 14)
ثانيًا: الأب:
يمثل الأب الجذور الثابتة والاحتواء والأصل الذي لا يتغير، رغم عاصفة التحولات وتشظّي الأبناء. وهو يجسد صراع البقاء والثبات في مواجهة “طوفان الأضواء المخادعة” الذي جذب الأبناء بعيدًا.
“على التل، كان أبي ما يزال يلوّح. لم يكن التل عاليًا، لكن وقفته عليه كانت تعلو على البيوت كلها. كان يرفع يده كل مساء، كأن الأفق نافذة، وكأن أبناءه سيطلون منها فجأة.” (ص 91)
ثالثًا: زهرون عمارة / الجد / صانع الحلي:
وهو شخصية فلكلورية وتاريخية بارزة، ويُذكر بوصفه جد الشاعرة لميعة عباس والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد. وقد أدت الشخصية دورًا في استحضار الإرث الحضاري والثقافي للمدينة، وفي مواجهة محاولات الطمس والنسيان، من خلال رموز الإبداع والجمال التي خلفتها الأجيال السابقة.
“زهرون عمارة، جد الشاعرة لميعة عباس والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، كان يتجول في أذهاننا كما لو أنه لا يزال حيًا، حكاياته عن الذهب والأساور التي صنعها لملوك بريطانيا وقيصر روسيا تتخلل المكان…” (ص 42)
رابعًا: النبي عزرا / عزرا بن شرحيا:
وهو شخصية دينية وتاريخية مرتبطة بمرقده على ضفاف دجلة في ناحية العزير. وقد استثمرها الكاتب لإثارة تساؤلات فلسفية عميقة حول الزمن والموت والبعث والمنفى الطويل، إذ يربط الراوي بين قصة نومه مئة عام ثم عودته إلى الحياة، وبين إحساس الإنسان المغترب باستيقاظه المفاجئ في زمن غريب.
“العزير لم يخلق شيئًا، هو فقط رأى الخلق، أمام عينيه.” (ص 72)
خامسًا: حيدر حسين داود / حارس المكتبة العصرية:
يمثل حيدر حسين داود رمز الثقافة والوعي المقاوم للنسيان والجهل. ووجوده في المكتبة العصرية يشكل مواجهةً مع فكرة موت المدن، فالمثقف وحارس الكتب يدافعان عن بقاء الروح الحية للمكان، وعن الذاكرة التي تحملها الكتب.
“خلف الطاولة يقف حيدر حسين داود بهدوئه الذي يشبه هدوء المكتبات الكبرى. لا يبيع كتابًا، بل يسلمك احتمالًا. إلى جانبه الأستاذ شريف، يبتسم ابتسامة من يعرف أن الثقافة ليست مهنة، بل موقف.” (ص 23)

البيئة وفاعلية السرد

كانت البيئة في هذه الرواية حاضرةً في أبعادها المختلفة، من حيث الاشتغال على المكان واستثمار إمكاناته السردية، فقد جعل الكاتب البيئة والمكان عنصرًا حيًا وفاعلًا، لا مجرد ديكور خلفي للأحداث، بل شريكًا أساسيًا في بناء الرواية وتعميق دلالاتها.
ويمكن رصد الأثر البيئي في الرواية من جهتين:
الأولى: حضور الطبيعة:
تتميز بيئة ميسان بكونها مدينةً قائمة على الماء والنخيل والأهوار، وقد ترك هذا الحضور الطبيعي، المتمثل في نهر دجلة والجداول وطين الأرض وسعف النخل، أثره في وجدان الشخصيات، فمزج بين الصفاء والحنين والشعور الدائم بالارتباط بالجذور.
ولم يقتصر حضور البيئة على الطبيعة، بل امتد إلى البيئة العمرانية والثقافية والذاكرة المكانية، إذ استعاد الكاتب البيئة الشعبية والعمرانية من خلال السوق المسقوف، وشارع بغداد، وشارع التربية، ومقهى نوشي، والمكتبة العصرية، ومقبرة الإنجليز، وكنيسة أم الأحزان. وقد شكّلت هذه الأماكن، بتجاورها وترابطها، بيئةً حاضنة للتنوع والتعايش الإنساني بين المسلمين والمسيحيين والصابئة واليهود.
الثانية: بيئة الجوع والشقاء المقاوم:

لم يقدم الكاتب البيئة بوصفها فضاءً للترف والطمأنينة، وإنما كشف عن جوانبها الصعبة والقاسية، مثل المدينة التي “تنام مبكرًا وتصحو على قرقرة البطون”. وهي صورة تجعل البيئة الاجتماعية جزءًا من الصراع، وتولد لدى الإنسان رغبةً عنيدة في البقاء والمقاومة والتمسك بالحياة.

تقنية التوزيع الشكلي

استخدم بريسم في هذه الرواية تقنية التقسيم إلى فصول ومقاطع تحمل عناوين مستقلة، مثل: “شارع بغداد في ميسان”، و”حارس مقبرة الإنجليز”، و”مقهى نوشي وأحلام الشعراء”، و”ضوء البرونايا”، و”أجنحة الإسمنت”، و”بيت أبي”. كما اعتمد السطر السردي الذي يأتي أحيانًا قريبًا من السطر النثري، حتى إن اللغة في بعض المواضع بدت أكثر شعرية من كونها سردية بالمعنى التقليدي.
وقد قام هذا التقسيم على خاصيتين أساسيتين:
الأولى: البناء الفسيفسائي للذاكرة:
لم يكن تقسيم الرواية إلى أقسام مجرد فهرسة تقليدية لأحداث متلاحقة، بل جاء بوصفه تشكيلًا للوحة فسيفسائية تتكون من أجزاء متفرقة تكتمل دلالتها عند اجتماعها. فالرواية تقوم على الاسترجاع والتداعيات النفسية، وكل عنوان يمثل “محطة” أو “بؤرة إشعاع” مستقلة نسبيًا، لكنها تتكامل مع غيرها لتشكّل في النهاية الصورة الكاملة لمدينة ميسان، وجدانيًا وتاريخيًا.
وقد أسهم هذا البناء في التحرر من الحبكة الخطية، وعكس طبيعة الوعي البشري والذاكرة التي لا تستعيد الماضي في خط مستقيم، وإنما في صورة ومضات وصور وأماكن وأزمنة متباعدة تتلاقى في نقطة شعورية واحدة، هي شعور المنفى والحنين.
الثانية: المفاتيح التأويلية وتوجيه قراءة المتلقّي:
عمل عنوان كل قسم بوصفه “مفتاحًا دلاليًا” يوجّه القارئ ويهيئ أفق توقعاته. فعندما تقع عين القارئ على عنوان مثل “حارس مقبرة الإنجليز” أو “مئة عام من الصمت”، فإنه يدخل مباشرةً إلى الفضاء النفسي والزمني للقسم، وإلى دلالات الموت والصمت والتاريخ والخلود، قبل أن يقرأ السطور الأولى.
وبذلك لا يؤدي التقسيم الشكلي وظيفة تنظيمية فحسب، وإنما يساهم في بناء المعنى، ومنح كل مقطع استقلاليته النسبية وعمقه الخاص، فضلًا عن خلق إيقاع نفسي وتأملي يتناسب مع طبيعة الرواية القائمة على الذاكرة والاستعادة وتداخل الأزمنة والأمكنة.

ثناية السيرة والسرد

عملت الرواية على استعادة المكان بوصفه ذاكرةً وهويةً، وعلى تحويل السيرة الشخصية إلى مادّةٍ سردية تتداخل فيها التجربة الذاتية مع الذاكرة الجماعية لمدينة ميسان،. لذا تقوم الرواية على ثنائية مركزية هي المنفى والعودة، فالمنفى لا يتمثل في الابتعاد الجغرافي عن الوطن فحسب، وإنما يتخذ صورةً داخلية تتمثل في اغتراب الإنسان عن جذوره وذاكرته ومكانه الأول. ومن هنا تصبح العودة إلى العمارة عودةً إلى الذات، فيما تتحول الذاكرة إلى وطن بديل ومقاومة للنسيان والفناء.. كما اعتمدت الرواية على بنية سردية، تقوم على تدفّق الذاكرة والاسترجاع والتداعي، وعلى مقاطع وعناوين تشكل لوحةً متفرقة، تستعيد المدينة من خلال شظاياها وأمكنتها وأصواتها. وأسهمت اللغة الشعرية في تحويل التفاصيل اليومية والتاريخية إلى صورٍ وجدانية، فأصبح المكان حاملًا للذاكرة، وأصبحت الذاكرة وسيلةً لاستعادة المكان.
وبذلك تسعى الرواية إلى الدفاع عن ذاكرة المدينة في مواجهة النسيان، والتأكيد أن المدن لا تموت حين تتغير مبانيها فقط، بل حين تفقد أسماءها وحكاياتها وكتبها وناسها. وفي النهاية يصبح الوطن أكثر من جغرافيا؛ إنه جذور وذاكرة واحتمال عودة، فيما يغدو السرد محاولةً لإنقاذ ما تبقى من المكان والإنسان من التشظي والفناء.