مقاربةٌ سيميائيةٌ وتأويلية في “محاولةٌ ليست أخيرةً ” للشاعر سعد ياسين يوسف

صورة الكاتب
بقلم: د. عبد الكريم الحلو
التاريخ: 31 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3257
مقاربةٌ سيميائيةٌ وتأويلية في “محاولةٌ ليست أخيرةً ” للشاعر سعد ياسين يوسف

حين اصطحبني شاعرُ الأشجار الدكتور سعد ياسين يوسف لأرى كيف يعجزُ الكونُ عن وصفِ الجمال أدركت ثمة قصائد نقرؤها ثم نغلق صفحاتها، وثمة قصائد تفتح في أرواحنا نوافذ لا تُغلق.
وقصيدة «محاولةٌ ليست أخيرة» للدكتور سعد ياسين يوسف من ذلك النمط النادر الذي لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يدعو قارئه إلى أن يسكنه، وأن يعيد اكتشافه مع كل قراءة.
منذ اللحظة الأولى، شعرت أنني لا أقف أمام قصيدة حب تقليدية، بل أمام غابةٍ من الرموز، وحديقةٍ من الرؤى، وكونٍ شعري تتعانق فيه الأشجار مع النجوم، والجبال مع البحر، واللغة مع الروح.
كانت القصيدة تمضي بي كما يمضي النهر نحو مصبه، حتى وجدتني أنسى أنني أقرأ نصًا، وأشعر أنني أعيش تجربةً شعريةً كاملة، تتسع كلما أوغلت فيها، وتزداد إشراقًا كلما حاولت القبض على أسرارها.
ولم يكن أكثر ما شدني جمال الصورة وحدها، ولا انسياب اللغة وحده، بل ذلك السر الخفي الذي يسكن النص؛ تلك اللغة الداخلية التي لا تُقال مباشرة، وإنما تومئ وتلمّح وتترك للقارئ متعة الاكتشاف. شعرت أن الشاعر يكتب بالحبر على الورق، لكنه يكتب بالضوء في أعماق الروح، وأن كل صورة شعرية ليست نهاية للمعنى، بل بداية لمعنى آخر.
ولعل أكثر ما أثار دهشتي أن الشاعر استطاع أن يمنح الأشجار حياةً أخرى، فلم تعد في شعره نباتًا يزيّن المشهد، بل أصبحت ذاكرةً، وهويةً، ولغةً، وشخصياتٍ تشارك الإنسان دهشته وعشقه وصلاته بالكون.
ومن هنا لم يكن لقبه «شاعر الأشجار» لقبًا مجازيًا، بل توصيفًا دقيقًا لتجربة شعرية جعلت من الشجرة فلسفةً للجمال، ورمزًا للسمو، وكائنًا يتكلم بلسان القلب. وأمام هذا الثراء الفني والرمزي، وجدت أن الاكتفاء بالإعجاب لا يفي القصيدة حقها، وأن أجمل ما يمكن أن يقدمه الناقد لنصٍّ استثنائي هو أن يصاحبه في رحلة الكشف عن أسراره، وأن يضيء ما انطوى عليه من جمالياتٍ ورؤى ودلالات.
لذلك جاءت هذه الدراسة النقدية المركبة، لا بوصفها شرحًا للقصيدة، وإنما بوصفها حوارًا مع نصٍّ ظل يدهشني في كل قراءة، ويؤكد لي أن الشعر الحقيقي لا يمنح معناه دفعةً واحدة، بل يظل يورق في الذاكرة كما تورق الأشجار في كل ربيع.
منذ العنوان “محاولةٌ ليست أخيرةً” يضعنا الشاعر أمام فعلٍ شعري مفتوح، فالمحاولة لا تنتهي لأن موضوعها يتجاوز القدرة على الاكتمال.
إنها ليست محاولة لكتابة قصيدة حب فحسب، بل محاولة لخلق لغة جديدة تستطيع أن تلامس جمالًا يبدو عصيًا على التوصيف. فالمحبوبة ليست نهاية البحث، بل بدايته المتجددة؛ وكل اقتراب منها يفتح أفقًا آخر للمحاولة.
تنهض القصيدة على بنية مركزية تقوم على تحويل المحبوبة إلى قيمة كونية، إذ يبدأ الشاعر من سؤال يبدو بسيطًا:
“هل ثمةَ شجرةٌ تطالُ سموَّكِ
فأسمّيها باسمكِ؟”
لكن هذا السؤال يتحول سريعًا إلى سؤال وجودي:
هل تستطيع الطبيعة بكل اتساعها أن تنتج صورة توازي الجمال الإنساني؟
ومن هنا تبدأ رحلة المقارنة بين المحبوبة والكون، حيث يدخل الشاعر في حوار مع الأشجار والغابات والجبال والبحار، فلا يجد في الوجود كله ما يكفي ليكون مرآة لهذا الجمال.
– سيميائية الطبيعة وتحولاتها
الطبيعة في القصيدة ليست خلفية وصفية، بل كائن شعري مشارك في إنتاج المعنى. فالأشجار والغابات والبحر والزهور لا تظهر كعناصر خارجية، وإنما تتحول إلى علامات تتحدث وتعتذر وتبحث.
حين يقول:
“تعتذرُ الغاباتُ…”
فهو يمنح الغابة وعيًا وإحساسًا بالعجز.
إن الطبيعة هنا لا تنتصر أمام الإنسان، بل تقف أمامه بوصفها عاجزة عن احتواء صورته المثلى. والشجرة في النص تحمل دلالة عميقة؛ فهي رمز الجذر والخلود والامتداد، لكن الشاعر يبحث عن شجرة لا تطاول المحبوبة، فيقلب العلاقة التقليدية بين الإنسان والطبيعة. فالإنسان ليس جزءًا صغيرًا من الكون، بل يصبح أحيانًا أكثر اتساعًا من الكون نفسه.
– الرحلة الأسطورية نحو الجمال
تتحرك القصيدة وفق مسار أسطوري واضح. فالشاعر يبدأ من الأرض ثم يصعد:
“صعدتُ إليها
تضاءل خلفي الوادي”
إن الصعود هنا ليس حركة مكانية فقط، بل انتقال روحي من المحدود إلى المطلق. الوادي والأشجار والجبل كلها تتضاءل خلف الشاعر، لأن هدف الرحلة ليس الوصول إلى مكان، بل الوصول إلى معنى. وعندما يصل إلى القمة لا يجد شيئًا عاديًا، بل يجد؛ “نجمةَ صبحٍ” وهنا تتحول المحبوبة إلى ضوء هادٍ إلى رمز للبداية والنقاء وكأن الرحلة كانت بحثًا عن الفجر الداخلي.
– البعد الصوفي في خطاب العشق
تقترب القصيدة من الرؤية الصوفية حين يصبح الحب طريقًا لاكتشاف الحقيقة. فالمحبوبة لا تُرسم بملامح جسدية، بل تُبنى بوصفها حضورًا روحيًا، والبيت المفتاحي
“قلتُ لحروفي:
كونيها”
يكشف أن الشاعر لم يعد يريد وصفها، بل يريد أن يجعل اللغة ذاتها تتحول إليها. هنا تنتقل القصيدة من مرحلة التشبيه إلى مرحلة التماهي؛
فالحروف لا تحمل صورة المحبوبة، بل تسعى إلى أن تكون هذه الصورة. وهذه من أعمق لحظات النص؛ لأن الشاعر يدرك أن اللغة مهما بلغت من جمال تبقى أقل من الجمال الذي تحاول احتواءه.
– جماليات العجز أمام الجمال
من أهم خصائص القصيدة أنها تبني جمالها على فكرة الاستحالة.  فكل عنصر يستدعيه الشاعر يعلن عدم كفايته، الأشجار لا تكفي الأزهار لا تكفي، البحر لا يكفي، حتى الحروف تحتاج إلى أن تتغير. وهنا تكمن المفارقة الجمالية.
إن الاعتراف بالعجز يصبح أعلى درجات التعبير. فالشاعر لا يمدح المحبوبة بما يملك من صور، بل بما يعجز عن قوله.
– البناء الحركي للقصيدة
تتدرج القصيدة في حركة تصاعدية دقيقة:
الأشجار ← الغابات ← الجبال ← النجوم ← البحر ← الحروف.
إنها رحلة من المحسوس إلى المجرد، ومن الطبيعة إلى اللغة، ومن العالم الخارجي إلى أعماق الروح. وهذا البناء يمنح النص وحدة عضوية؛  لأن كل صورة ليست منفصلة عن الأخرى، بل هي درجة في سلم البحث عن الصورة النهائية التي لا تكتمل.
– اللغة السرية في خطاب المحبوبة
الشاعر لا يتحدث إلى امرأة بالمعنى التقليدي، بل إلى فكرةٍ متعالية اتخذت هيئة امرأة. ولذلك يغيب الوصف الجسدي تمامًا، فلا نجد عينين أو وجهًا أو شعرًا، وإنما نجد؛ السمو، النجمة، الروح، الحلم، العمق، الدهشة.وهذه لغة لها قانونها الخاص، فالمحبوبة ليست شخصًا بقدر ما هي أفقٌ روحي؛
ولهذا كلما اقترب منها ابتعدت أكثر، لأنها ليست هدفًا يُنال، بل قيمة يُسعى إليها حين يقول:
“قلتُ لحروفي: كونيها”
فهو لا يطلب من الحروف أن تصفها، بل أن تتحول إليها. وهنا تكمن اللغة السرية للنص؛ إنها لغة الفناء في المحبوب، وهي لغة عرفها المتصوفة أكثر مما عرفها شعراء الغزل. فالحروف لم تعد أداة كتابة، بل مشروع ولادة جديدة.
واخيراً ما الذي أراد الشاعر أن يقوله وتركه مبطنًا؟
ترك الشاعر بين السطور اعترافًا لا يريد التصريح به، وهو أن المحبوبة أكبر من اللغة نفسها.ولهذا ظل يستدعي الأشجار والجبال والبحر والزهور، لا ليزين القصيدة، بل ليقدم أدلة متتالية على عجز العالم كله عن أن يكون معادلًا لها.
إن القصيدة ليست قصيدة حب، بل قصيدة هزيمة اللغة أمام الجمال. ولهذا جاءت النهاية خجولة وعميقة في آنٍ واحد:
“احمرّت… حين رأتكِ.”
فالاحمرار ليس للحروف وحدها، بل للشاعر نفسه؛ إنه حياء اللغة حين تكتشف أن ما أمامها لا يمكن أن يُكتب.ولماذا هو شاعر الأشجار؟
ليست الأشجار عند الدكتور سعد ياسين يوسف مجرد مفردة طبيعية تتكرر في شعره، بل هي هويته الشعرية. فالأشجار في عالمه تؤدي وظائف متعددة: هي ذاكرة الأرض. وهي صورة الإنسان الواقف رغم العواصف. وهي الكائن الوحيد الذي يجمع الجذر بالسماء؛ جذوره في التراب، وأغصانه في الضوء، ولذلك أصبحت أفضل رمز لرؤيته الشعرية.
إنه يرى الإنسان كما يرى الشجرة، لا تُقاس بطولها، بل بعمق جذورها وقدرتها على منح الظل والثمر.
ولهذا يبدأ منها كلما أراد الحديث عن الحب أو الوطن أو الوجود، لأنها بالنسبة إليه الأبجدية الأولى للكون.
ولو تأملنا القصيدة لوجدنا أن الشاعر لم يسأل البحر أولًا، ولم يصعد الجبل أولًا، بل بدأ بالشجرة. وكأن الشجرة هي بوابة الدخول إلى العالم، ومنها تنطلق الرحلة نحو المطلق.
في تقديري، لم يكن الشاعر سعد ياسين يوسف يبحث عن شجرة تشبه محبوبته، بل كان يبحث عن لغةٍ تنمو كما تنمو الأشجار؛ لغة تمتد جذورها في أعماق الروح، وترفع أغصانها نحو المطلق. ولما عجزت الأشجار والبحار والجبال والنجوم عن بلوغها، أدرك أن الجمال الحقيقي لا يُوصَف،  بل يُعاش، وأن كل قصيدة ليست سوى محاولة… ليست أخيرة.
بعد هذه الرحلة التأويلية في فضاءات قصيدة «محاولةٌ ليست أخيرةً»، يتأكد لنا أن الشاعر سعد ياسين يوسف لا يكتب قصيدة حب بالمعنى المألوف،  بل يشيّد عالماً شعرياً تتعانق فيه الطبيعة مع الروح، وتتحول فيه الأشجار والجبال والبحار إلى أبجديةٍ أخرى لقول ما تعجز اللغة المباشرة عن الإفصاح عنه.
إنه شاعر يجعل من الصورة الشعرية كائناً حيّاً، ومن الرمز جسراً إلى التأمل الفلسفي والوجداني، حتى تغدو القصيدة رحلةً مفتوحة نحو الجمال المطلق. لقد استطاع الشاعر أن يحافظ على بصمته الخاصة، وأن يؤسس لنبرة شعرية متفردة، تتخذ من الأشجار هويةً جمالية،  ومن الطبيعة شريكاً في صناعة المعنى، لذلك استحق بجدارة أن يُوصَف :
” بأنه شاعر الأشجار ”
لأن الأشجار في شعره ليست مفرداتٍ للزينة، بل كائناتٌ ناطقة، تحمل ذاكرة الأرض، وتمنح القصيدة جذورها وأغصانها معاً.
“محاولةٌ ليست أخيرةً”
قصيدة تنتمي إلى شعر الحب الذي يتجاوز المحبوب ليصل إلى سؤال الجمال نفسه.  إنها قصيدة عن الإنسان حين يقف أمام شيء أعظم من قدرته على الوصف، فيستدعي الكون كله ليشهد على دهشته.
لقد جعل الشاعر من الحب تجربة كونية، ومن الطبيعة لغة ثانية، ومن الحروف كائنًا يحاول أن يولد من جديد.
لذلك بقيت المحاولة غير أخيرة، لأن الجمال الحقيقي لا يُستنفد، وكل قصيدة عنه ليست إلا بداية قصيدة أخرى.

……….

القصيدة :

” محاولةٌ ليست أخيرةً ”
كُلَّما همَمْتُ
بكتابةِ قصيدةِ حبٍّ
لكِ عاليتي…
وقفتُ على حافةِ هذا الكونِ
لأنادي أشجاري،
أشجارَ الغاباتِ من أقصى الأرضِ
إلى أقصاها لتُرِيَني
هل ثمةَ شجرةٌ تطالُ سموَّك ِ
فأسمّيها باسمكِ….؟
تتمايلُ في حضرتكِ ملايينُ الأشجارِ
رافعةً كلَّ غصونِ الوردِ
الأعشاشَ، عصافيرَ البهجةِ،
أطرافَ كفوفِ أرزِ الرب ِّ
المثقلةِ بالدَّعواتِ
تعتذرُ الغاباتُ…
تلوذُ بعصفِ الثَّلجِ…
تلتحفُ الأبيضَ وهيَ
تُوميءُ بغصنِ محبّتِها
لجبالٍ عالية ٍ
بجناحي لهفتيَ الحَرَّى
صعدتُ إليها
تضاءَل خلفي الوادي،
أشجارُ السّروِ،
تصاغرَ “جبلُ الفيلِ”
ومَنْ يصعدُهُ…!
إذ انهمرتْ شلالاتُ الوجدِ بقلبي
وحينَ علوتُ وجدتُكِ
نجمةَ صبحٍ، تَحلُمُ قِممُ الأرض ِ
أنْ تبلغَك ِ…
أيمِّمُ وجهي
صوبَ زهورِ براري الحُلمِ،
حدائقِها وحقولِ بنفسجِها
دوَّار الشَّمسِ، حقولِ اللافندرِ
أسألُها أن تكفيَني لأبتكرَ قميصاً
تطرزهُ الألوانُ…
لمفاتنِ روحكِ
وهي تحلّقُ مثلَ الحُلم ِ
فوقَ رمالِ الشَّاطئ…
لنْ تكفي كتبَتْها الأزهارُ…!!!
وهي تشيرُ إلى موجِ البحر ِ
همستُ بزرقتهِ أن تمنحَني
ما تملكُ من عمقٍ
كي أسبرَ زرقةَ روحكِ
وكمْ تُخفي من أسرارِ الصَّدَفاتِ
المسكونةِ باللُّؤلؤِ…؟
انحسرَ البحرُ إلى أفقِ الشَّمسِ
وامتلأ الشَّاطئُ ببريقِ كنوزهِ…!
– قلت لحروفي:
– كونيها
احمرّتْ… حينَ رأتك ِ
وهي تحدّقُ في مرآةِ تَشكُّلِها
لتكوني….
دهشتَها المفقودةَ

عن الکاتب / الکاتبة

د. عبد الكريم الحلو
د. عبد الكريم الحلو
کاتب وناقد/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

التحليل الأدبي للنّص ( أسعى خَلفَكَ أنا بقايا طِينَتِكَ الذي جُبلتُ منهُ) للشاعرة وداد الواسطي

التحليل الأدبي للنّص ( أسعى خَلفَكَ أنا بقايا طِينَتِكَ الذي جُبلتُ منهُ) للشاعرة وداد الواسطي

الشاعرة وداد الواسطي المحترمة : هي كلماتٌ تمتلئ بخضوعٍ شفيف، وانجذابٍ روحي ينساب بين ثنايا…

صورة الكاتب د. عبد الكريم الحلو
28 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مقاربةٌ سيميائيةٌ وتأويلية في “محاولةٌ ليست أخيرةً ” للشاعر سعد ياسين يوسف

بقلم: د. عبد الكريم الحلو | التاريخ: 31 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

حين اصطحبني شاعرُ الأشجار الدكتور سعد ياسين يوسف لأرى كيف يعجزُ الكونُ عن وصفِ الجمال أدركت ثمة قصائد نقرؤها ثم نغلق صفحاتها، وثمة قصائد تفتح في أرواحنا نوافذ لا تُغلق.
وقصيدة «محاولةٌ ليست أخيرة» للدكتور سعد ياسين يوسف من ذلك النمط النادر الذي لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يدعو قارئه إلى أن يسكنه، وأن يعيد اكتشافه مع كل قراءة.
منذ اللحظة الأولى، شعرت أنني لا أقف أمام قصيدة حب تقليدية، بل أمام غابةٍ من الرموز، وحديقةٍ من الرؤى، وكونٍ شعري تتعانق فيه الأشجار مع النجوم، والجبال مع البحر، واللغة مع الروح.
كانت القصيدة تمضي بي كما يمضي النهر نحو مصبه، حتى وجدتني أنسى أنني أقرأ نصًا، وأشعر أنني أعيش تجربةً شعريةً كاملة، تتسع كلما أوغلت فيها، وتزداد إشراقًا كلما حاولت القبض على أسرارها.
ولم يكن أكثر ما شدني جمال الصورة وحدها، ولا انسياب اللغة وحده، بل ذلك السر الخفي الذي يسكن النص؛ تلك اللغة الداخلية التي لا تُقال مباشرة، وإنما تومئ وتلمّح وتترك للقارئ متعة الاكتشاف. شعرت أن الشاعر يكتب بالحبر على الورق، لكنه يكتب بالضوء في أعماق الروح، وأن كل صورة شعرية ليست نهاية للمعنى، بل بداية لمعنى آخر.
ولعل أكثر ما أثار دهشتي أن الشاعر استطاع أن يمنح الأشجار حياةً أخرى، فلم تعد في شعره نباتًا يزيّن المشهد، بل أصبحت ذاكرةً، وهويةً، ولغةً، وشخصياتٍ تشارك الإنسان دهشته وعشقه وصلاته بالكون.
ومن هنا لم يكن لقبه «شاعر الأشجار» لقبًا مجازيًا، بل توصيفًا دقيقًا لتجربة شعرية جعلت من الشجرة فلسفةً للجمال، ورمزًا للسمو، وكائنًا يتكلم بلسان القلب. وأمام هذا الثراء الفني والرمزي، وجدت أن الاكتفاء بالإعجاب لا يفي القصيدة حقها، وأن أجمل ما يمكن أن يقدمه الناقد لنصٍّ استثنائي هو أن يصاحبه في رحلة الكشف عن أسراره، وأن يضيء ما انطوى عليه من جمالياتٍ ورؤى ودلالات.
لذلك جاءت هذه الدراسة النقدية المركبة، لا بوصفها شرحًا للقصيدة، وإنما بوصفها حوارًا مع نصٍّ ظل يدهشني في كل قراءة، ويؤكد لي أن الشعر الحقيقي لا يمنح معناه دفعةً واحدة، بل يظل يورق في الذاكرة كما تورق الأشجار في كل ربيع.
منذ العنوان “محاولةٌ ليست أخيرةً” يضعنا الشاعر أمام فعلٍ شعري مفتوح، فالمحاولة لا تنتهي لأن موضوعها يتجاوز القدرة على الاكتمال.
إنها ليست محاولة لكتابة قصيدة حب فحسب، بل محاولة لخلق لغة جديدة تستطيع أن تلامس جمالًا يبدو عصيًا على التوصيف. فالمحبوبة ليست نهاية البحث، بل بدايته المتجددة؛ وكل اقتراب منها يفتح أفقًا آخر للمحاولة.
تنهض القصيدة على بنية مركزية تقوم على تحويل المحبوبة إلى قيمة كونية، إذ يبدأ الشاعر من سؤال يبدو بسيطًا:
“هل ثمةَ شجرةٌ تطالُ سموَّكِ
فأسمّيها باسمكِ؟”
لكن هذا السؤال يتحول سريعًا إلى سؤال وجودي:
هل تستطيع الطبيعة بكل اتساعها أن تنتج صورة توازي الجمال الإنساني؟
ومن هنا تبدأ رحلة المقارنة بين المحبوبة والكون، حيث يدخل الشاعر في حوار مع الأشجار والغابات والجبال والبحار، فلا يجد في الوجود كله ما يكفي ليكون مرآة لهذا الجمال.
– سيميائية الطبيعة وتحولاتها
الطبيعة في القصيدة ليست خلفية وصفية، بل كائن شعري مشارك في إنتاج المعنى. فالأشجار والغابات والبحر والزهور لا تظهر كعناصر خارجية، وإنما تتحول إلى علامات تتحدث وتعتذر وتبحث.
حين يقول:
“تعتذرُ الغاباتُ…”
فهو يمنح الغابة وعيًا وإحساسًا بالعجز.
إن الطبيعة هنا لا تنتصر أمام الإنسان، بل تقف أمامه بوصفها عاجزة عن احتواء صورته المثلى. والشجرة في النص تحمل دلالة عميقة؛ فهي رمز الجذر والخلود والامتداد، لكن الشاعر يبحث عن شجرة لا تطاول المحبوبة، فيقلب العلاقة التقليدية بين الإنسان والطبيعة. فالإنسان ليس جزءًا صغيرًا من الكون، بل يصبح أحيانًا أكثر اتساعًا من الكون نفسه.
– الرحلة الأسطورية نحو الجمال
تتحرك القصيدة وفق مسار أسطوري واضح. فالشاعر يبدأ من الأرض ثم يصعد:
“صعدتُ إليها
تضاءل خلفي الوادي”
إن الصعود هنا ليس حركة مكانية فقط، بل انتقال روحي من المحدود إلى المطلق. الوادي والأشجار والجبل كلها تتضاءل خلف الشاعر، لأن هدف الرحلة ليس الوصول إلى مكان، بل الوصول إلى معنى. وعندما يصل إلى القمة لا يجد شيئًا عاديًا، بل يجد؛ “نجمةَ صبحٍ” وهنا تتحول المحبوبة إلى ضوء هادٍ إلى رمز للبداية والنقاء وكأن الرحلة كانت بحثًا عن الفجر الداخلي.
– البعد الصوفي في خطاب العشق
تقترب القصيدة من الرؤية الصوفية حين يصبح الحب طريقًا لاكتشاف الحقيقة. فالمحبوبة لا تُرسم بملامح جسدية، بل تُبنى بوصفها حضورًا روحيًا، والبيت المفتاحي
“قلتُ لحروفي:
كونيها”
يكشف أن الشاعر لم يعد يريد وصفها، بل يريد أن يجعل اللغة ذاتها تتحول إليها. هنا تنتقل القصيدة من مرحلة التشبيه إلى مرحلة التماهي؛
فالحروف لا تحمل صورة المحبوبة، بل تسعى إلى أن تكون هذه الصورة. وهذه من أعمق لحظات النص؛ لأن الشاعر يدرك أن اللغة مهما بلغت من جمال تبقى أقل من الجمال الذي تحاول احتواءه.
– جماليات العجز أمام الجمال
من أهم خصائص القصيدة أنها تبني جمالها على فكرة الاستحالة.  فكل عنصر يستدعيه الشاعر يعلن عدم كفايته، الأشجار لا تكفي الأزهار لا تكفي، البحر لا يكفي، حتى الحروف تحتاج إلى أن تتغير. وهنا تكمن المفارقة الجمالية.
إن الاعتراف بالعجز يصبح أعلى درجات التعبير. فالشاعر لا يمدح المحبوبة بما يملك من صور، بل بما يعجز عن قوله.
– البناء الحركي للقصيدة
تتدرج القصيدة في حركة تصاعدية دقيقة:
الأشجار ← الغابات ← الجبال ← النجوم ← البحر ← الحروف.
إنها رحلة من المحسوس إلى المجرد، ومن الطبيعة إلى اللغة، ومن العالم الخارجي إلى أعماق الروح. وهذا البناء يمنح النص وحدة عضوية؛  لأن كل صورة ليست منفصلة عن الأخرى، بل هي درجة في سلم البحث عن الصورة النهائية التي لا تكتمل.
– اللغة السرية في خطاب المحبوبة
الشاعر لا يتحدث إلى امرأة بالمعنى التقليدي، بل إلى فكرةٍ متعالية اتخذت هيئة امرأة. ولذلك يغيب الوصف الجسدي تمامًا، فلا نجد عينين أو وجهًا أو شعرًا، وإنما نجد؛ السمو، النجمة، الروح، الحلم، العمق، الدهشة.وهذه لغة لها قانونها الخاص، فالمحبوبة ليست شخصًا بقدر ما هي أفقٌ روحي؛
ولهذا كلما اقترب منها ابتعدت أكثر، لأنها ليست هدفًا يُنال، بل قيمة يُسعى إليها حين يقول:
“قلتُ لحروفي: كونيها”
فهو لا يطلب من الحروف أن تصفها، بل أن تتحول إليها. وهنا تكمن اللغة السرية للنص؛ إنها لغة الفناء في المحبوب، وهي لغة عرفها المتصوفة أكثر مما عرفها شعراء الغزل. فالحروف لم تعد أداة كتابة، بل مشروع ولادة جديدة.
واخيراً ما الذي أراد الشاعر أن يقوله وتركه مبطنًا؟
ترك الشاعر بين السطور اعترافًا لا يريد التصريح به، وهو أن المحبوبة أكبر من اللغة نفسها.ولهذا ظل يستدعي الأشجار والجبال والبحر والزهور، لا ليزين القصيدة، بل ليقدم أدلة متتالية على عجز العالم كله عن أن يكون معادلًا لها.
إن القصيدة ليست قصيدة حب، بل قصيدة هزيمة اللغة أمام الجمال. ولهذا جاءت النهاية خجولة وعميقة في آنٍ واحد:
“احمرّت… حين رأتكِ.”
فالاحمرار ليس للحروف وحدها، بل للشاعر نفسه؛ إنه حياء اللغة حين تكتشف أن ما أمامها لا يمكن أن يُكتب.ولماذا هو شاعر الأشجار؟
ليست الأشجار عند الدكتور سعد ياسين يوسف مجرد مفردة طبيعية تتكرر في شعره، بل هي هويته الشعرية. فالأشجار في عالمه تؤدي وظائف متعددة: هي ذاكرة الأرض. وهي صورة الإنسان الواقف رغم العواصف. وهي الكائن الوحيد الذي يجمع الجذر بالسماء؛ جذوره في التراب، وأغصانه في الضوء، ولذلك أصبحت أفضل رمز لرؤيته الشعرية.
إنه يرى الإنسان كما يرى الشجرة، لا تُقاس بطولها، بل بعمق جذورها وقدرتها على منح الظل والثمر.
ولهذا يبدأ منها كلما أراد الحديث عن الحب أو الوطن أو الوجود، لأنها بالنسبة إليه الأبجدية الأولى للكون.
ولو تأملنا القصيدة لوجدنا أن الشاعر لم يسأل البحر أولًا، ولم يصعد الجبل أولًا، بل بدأ بالشجرة. وكأن الشجرة هي بوابة الدخول إلى العالم، ومنها تنطلق الرحلة نحو المطلق.
في تقديري، لم يكن الشاعر سعد ياسين يوسف يبحث عن شجرة تشبه محبوبته، بل كان يبحث عن لغةٍ تنمو كما تنمو الأشجار؛ لغة تمتد جذورها في أعماق الروح، وترفع أغصانها نحو المطلق. ولما عجزت الأشجار والبحار والجبال والنجوم عن بلوغها، أدرك أن الجمال الحقيقي لا يُوصَف،  بل يُعاش، وأن كل قصيدة ليست سوى محاولة… ليست أخيرة.
بعد هذه الرحلة التأويلية في فضاءات قصيدة «محاولةٌ ليست أخيرةً»، يتأكد لنا أن الشاعر سعد ياسين يوسف لا يكتب قصيدة حب بالمعنى المألوف،  بل يشيّد عالماً شعرياً تتعانق فيه الطبيعة مع الروح، وتتحول فيه الأشجار والجبال والبحار إلى أبجديةٍ أخرى لقول ما تعجز اللغة المباشرة عن الإفصاح عنه.
إنه شاعر يجعل من الصورة الشعرية كائناً حيّاً، ومن الرمز جسراً إلى التأمل الفلسفي والوجداني، حتى تغدو القصيدة رحلةً مفتوحة نحو الجمال المطلق. لقد استطاع الشاعر أن يحافظ على بصمته الخاصة، وأن يؤسس لنبرة شعرية متفردة، تتخذ من الأشجار هويةً جمالية،  ومن الطبيعة شريكاً في صناعة المعنى، لذلك استحق بجدارة أن يُوصَف :
” بأنه شاعر الأشجار ”
لأن الأشجار في شعره ليست مفرداتٍ للزينة، بل كائناتٌ ناطقة، تحمل ذاكرة الأرض، وتمنح القصيدة جذورها وأغصانها معاً.
“محاولةٌ ليست أخيرةً”
قصيدة تنتمي إلى شعر الحب الذي يتجاوز المحبوب ليصل إلى سؤال الجمال نفسه.  إنها قصيدة عن الإنسان حين يقف أمام شيء أعظم من قدرته على الوصف، فيستدعي الكون كله ليشهد على دهشته.
لقد جعل الشاعر من الحب تجربة كونية، ومن الطبيعة لغة ثانية، ومن الحروف كائنًا يحاول أن يولد من جديد.
لذلك بقيت المحاولة غير أخيرة، لأن الجمال الحقيقي لا يُستنفد، وكل قصيدة عنه ليست إلا بداية قصيدة أخرى.

……….

القصيدة :

” محاولةٌ ليست أخيرةً ”
كُلَّما همَمْتُ
بكتابةِ قصيدةِ حبٍّ
لكِ عاليتي…
وقفتُ على حافةِ هذا الكونِ
لأنادي أشجاري،
أشجارَ الغاباتِ من أقصى الأرضِ
إلى أقصاها لتُرِيَني
هل ثمةَ شجرةٌ تطالُ سموَّك ِ
فأسمّيها باسمكِ….؟
تتمايلُ في حضرتكِ ملايينُ الأشجارِ
رافعةً كلَّ غصونِ الوردِ
الأعشاشَ، عصافيرَ البهجةِ،
أطرافَ كفوفِ أرزِ الرب ِّ
المثقلةِ بالدَّعواتِ
تعتذرُ الغاباتُ…
تلوذُ بعصفِ الثَّلجِ…
تلتحفُ الأبيضَ وهيَ
تُوميءُ بغصنِ محبّتِها
لجبالٍ عالية ٍ
بجناحي لهفتيَ الحَرَّى
صعدتُ إليها
تضاءَل خلفي الوادي،
أشجارُ السّروِ،
تصاغرَ “جبلُ الفيلِ”
ومَنْ يصعدُهُ…!
إذ انهمرتْ شلالاتُ الوجدِ بقلبي
وحينَ علوتُ وجدتُكِ
نجمةَ صبحٍ، تَحلُمُ قِممُ الأرض ِ
أنْ تبلغَك ِ…
أيمِّمُ وجهي
صوبَ زهورِ براري الحُلمِ،
حدائقِها وحقولِ بنفسجِها
دوَّار الشَّمسِ، حقولِ اللافندرِ
أسألُها أن تكفيَني لأبتكرَ قميصاً
تطرزهُ الألوانُ…
لمفاتنِ روحكِ
وهي تحلّقُ مثلَ الحُلم ِ
فوقَ رمالِ الشَّاطئ…
لنْ تكفي كتبَتْها الأزهارُ…!!!
وهي تشيرُ إلى موجِ البحر ِ
همستُ بزرقتهِ أن تمنحَني
ما تملكُ من عمقٍ
كي أسبرَ زرقةَ روحكِ
وكمْ تُخفي من أسرارِ الصَّدَفاتِ
المسكونةِ باللُّؤلؤِ…؟
انحسرَ البحرُ إلى أفقِ الشَّمسِ
وامتلأ الشَّاطئُ ببريقِ كنوزهِ…!
– قلت لحروفي:
– كونيها
احمرّتْ… حينَ رأتك ِ
وهي تحدّقُ في مرآةِ تَشكُّلِها
لتكوني….
دهشتَها المفقودةَ