فرضيّة نشوء اللغة وإشكاليّة التكلُّم الأوّليّ بلغة محددة دون غيرها

صورة الكاتب
بقلم: د. کاظم جبار علك
التاريخ: 5 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2339
فرضيّة نشوء اللغة وإشكاليّة التكلُّم الأوّليّ بلغة محددة دون غيرها

فرضيّة نشوء اللغة وإشكاليّة التكلُّم الأوّليّ بلغة محددة دون غيرها 

فرضيّة محتملة لنشوء اللغة تنسجم مع الرؤية التوحيديّة ومعطيات الواقع التاريخيّ، إذ تنطلق هذه الفرضيّة من ثلاثة محاور مُستدَلة من القرآن الكريم والواقع الخارجيّ المُشاهَد، هي:
الأوّل: إنّ الله تعالى أوجد تكوينيّاً في صميم خِلْقة الإنسان قابليّةً لغويّةً عبر الجهاز النطقيّ .
الثاني : إنَّ الله تعالى أوجد أيضاً قابليّة للاختلاف اللغويّ، أيَّ تمظهر الوجود الإنسانيّ بلغات وألسن مختلفة ، ويظهر ذلك واضحاً في قوله تعالى : (( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)) الروم (22) .
المحور الثالث : تحديد صنف اللغة وطريقة إنتاج الألفاظ للمعاني والأفكار التي يحتاجها الإنسان مكتسبة من قبل المجتمع سواء كان الواضع جمعيّاً أو مخصوصاً ، أو كان الوضع دفعيّاً أو تدريجيّاً .
وبهذا التصوّر النظريّ قد جمعنا بين مخلوقيّة اللغة و ارتباط نشأتها بالله تعالى من جهة ، وبين المراحل التاريخيّة الواقعيّة التي تكون قد مرت بها اللغات الإنسانيّة على اختلاف تطوّرها من جهة أخرى . والملاحظ إنّه
توجد ثغرة معرفيّة عن التكلُّم الأوليّ أو الابتدائيّ للجماعات الإنسانيّة بلغة محددة دون لغة أخرى ، وهذه الثغرة المعرفية لن تستطيع مخرجات العلوم الماديّة ومنهجها القائم على التجريب و الملاحظة الحسيّة حلّها ، إذ إنّ التكلُّم الأوليّ للجماعات الإنسانيّة مثلاً باللغة الانكليريّة دون العربيّةأو الهنديّة أو غيرها من اللغات هو ترجيح بلا مُرجِّح مع وجود قابليّة الإنسان على الاختلاف اللغوي ، فهذه القابليّة تجعله قادراً ابتداءً أن يتكلَّم بأيِّ لغة من اللغات المعروفة ، فترجيح النطق ابتداءً مثلاً بالانكليزيّة دون غيرها من اللغات مع وجود قابليّة اختلاف الألسن يجعله أمراً غير منطقي ، فالعلوم الماديّة لن تستطيع أن تفسّر سبب تكلُّم بعض الجماعات الإنسانيّة ابتداءً باللغة العربيّة، وأخرى بالانكليزيّة ،وأخرى بالهنديّة وهكذا ، ياترى من الذي جعل المتكلّمين بالعربيّة الأوائل أن ينطقوا العربيّة ، والمتكلّمين بالهنديّة الأوائل أن ينطقوا بالهنديّة ؟ فلا نسمع جواباً على الترجيح تفسّره مخرجات العلوم اللغويّة في المناهج اللسانيّة الغربيّة . وفي قبال ذلك يمكن تفسير هذه الثغرة المعرفيّة بمباني التوحيد ومرتكزاته ، إذ مع وجود قابليّة الاختلاف اللغويّ التي أوجدوها الله تكوينيّاً في الإنسان نستطيع تفسير هذه الثغرة المعرفيّة عن التكلُّم الأوليّ والابتدائيّ للجماعات الإنسانيّة بالعربيّة مثلاً دون الانكليزيّة والهنديّة والتكلُّم الأوليّ بالانكليزيّة دون العربيّة والهنديّة مثلاً – حتى باتت عندنا هذه اللغات المعروفة الآن وربما لغات أخرى منقرضة- بالانطلاق من رؤية التوحيد ومعطياته ، إذ الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى قد تكلَّم كُلِّ نبي بلغة معيّنة ، ومن ثَمّ علّم قومه على تلك اللغة ، وبذلك تكثّرت اللغات وتعددت . و إذا قيل : إنَّ كُلِّ نبي قد أُرسِل بلسان قومه ، ومن ثَمّ فالأنبياء تكلَّموا بلغات أقوامهم ولم يأتوا بلغة محددة ثُمَّ علّموها لهم ، قلنا : محل حديثنا عن التكلُّم الابتدائيّ بلغة معيّنة دون غيرها ، ومن ثَمَّ يكون التحدُّث عن أصل التعدد الأوليّ بلغات مختلفة فإنّه كان عن طريق تكلُّم الأنبياء بهذه اللغات، فنحن نفترض أنَّ النطق الابتدائيّ بهذه اللغات كان وحيّاً إلهيّاً للأنبياء ، فهذا الافتراض هو الذي يفسّر الثغرة المعرفيّة عن التكلُّم الأوليّ أو الابتدائيّ للجماعات الإنسانيّة بلغة محددة دون لغة أخرى مع وجود قابليّة القدرة على النطق بكُلِّ اللغات .

عن الکاتب / الکاتبة

د. کاظم جبار علك
د. کاظم جبار علك
کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار

اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار

اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار   اللغة نظام تواصلي غايتها الإفهام والتفهيم، ونقل الأفكار…

صورة الكاتب د. کاظم جبار علك
11 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


فرضيّة نشوء اللغة وإشكاليّة التكلُّم الأوّليّ بلغة محددة دون غيرها

بقلم: د. کاظم جبار علك | التاريخ: 5 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

فرضيّة نشوء اللغة وإشكاليّة التكلُّم الأوّليّ بلغة محددة دون غيرها 

فرضيّة محتملة لنشوء اللغة تنسجم مع الرؤية التوحيديّة ومعطيات الواقع التاريخيّ، إذ تنطلق هذه الفرضيّة من ثلاثة محاور مُستدَلة من القرآن الكريم والواقع الخارجيّ المُشاهَد، هي:
الأوّل: إنّ الله تعالى أوجد تكوينيّاً في صميم خِلْقة الإنسان قابليّةً لغويّةً عبر الجهاز النطقيّ .
الثاني : إنَّ الله تعالى أوجد أيضاً قابليّة للاختلاف اللغويّ، أيَّ تمظهر الوجود الإنسانيّ بلغات وألسن مختلفة ، ويظهر ذلك واضحاً في قوله تعالى : (( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)) الروم (22) .
المحور الثالث : تحديد صنف اللغة وطريقة إنتاج الألفاظ للمعاني والأفكار التي يحتاجها الإنسان مكتسبة من قبل المجتمع سواء كان الواضع جمعيّاً أو مخصوصاً ، أو كان الوضع دفعيّاً أو تدريجيّاً .
وبهذا التصوّر النظريّ قد جمعنا بين مخلوقيّة اللغة و ارتباط نشأتها بالله تعالى من جهة ، وبين المراحل التاريخيّة الواقعيّة التي تكون قد مرت بها اللغات الإنسانيّة على اختلاف تطوّرها من جهة أخرى . والملاحظ إنّه
توجد ثغرة معرفيّة عن التكلُّم الأوليّ أو الابتدائيّ للجماعات الإنسانيّة بلغة محددة دون لغة أخرى ، وهذه الثغرة المعرفية لن تستطيع مخرجات العلوم الماديّة ومنهجها القائم على التجريب و الملاحظة الحسيّة حلّها ، إذ إنّ التكلُّم الأوليّ للجماعات الإنسانيّة مثلاً باللغة الانكليريّة دون العربيّةأو الهنديّة أو غيرها من اللغات هو ترجيح بلا مُرجِّح مع وجود قابليّة الإنسان على الاختلاف اللغوي ، فهذه القابليّة تجعله قادراً ابتداءً أن يتكلَّم بأيِّ لغة من اللغات المعروفة ، فترجيح النطق ابتداءً مثلاً بالانكليزيّة دون غيرها من اللغات مع وجود قابليّة اختلاف الألسن يجعله أمراً غير منطقي ، فالعلوم الماديّة لن تستطيع أن تفسّر سبب تكلُّم بعض الجماعات الإنسانيّة ابتداءً باللغة العربيّة، وأخرى بالانكليزيّة ،وأخرى بالهنديّة وهكذا ، ياترى من الذي جعل المتكلّمين بالعربيّة الأوائل أن ينطقوا العربيّة ، والمتكلّمين بالهنديّة الأوائل أن ينطقوا بالهنديّة ؟ فلا نسمع جواباً على الترجيح تفسّره مخرجات العلوم اللغويّة في المناهج اللسانيّة الغربيّة . وفي قبال ذلك يمكن تفسير هذه الثغرة المعرفيّة بمباني التوحيد ومرتكزاته ، إذ مع وجود قابليّة الاختلاف اللغويّ التي أوجدوها الله تكوينيّاً في الإنسان نستطيع تفسير هذه الثغرة المعرفيّة عن التكلُّم الأوليّ والابتدائيّ للجماعات الإنسانيّة بالعربيّة مثلاً دون الانكليزيّة والهنديّة والتكلُّم الأوليّ بالانكليزيّة دون العربيّة والهنديّة مثلاً – حتى باتت عندنا هذه اللغات المعروفة الآن وربما لغات أخرى منقرضة- بالانطلاق من رؤية التوحيد ومعطياته ، إذ الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى قد تكلَّم كُلِّ نبي بلغة معيّنة ، ومن ثَمّ علّم قومه على تلك اللغة ، وبذلك تكثّرت اللغات وتعددت . و إذا قيل : إنَّ كُلِّ نبي قد أُرسِل بلسان قومه ، ومن ثَمّ فالأنبياء تكلَّموا بلغات أقوامهم ولم يأتوا بلغة محددة ثُمَّ علّموها لهم ، قلنا : محل حديثنا عن التكلُّم الابتدائيّ بلغة معيّنة دون غيرها ، ومن ثَمَّ يكون التحدُّث عن أصل التعدد الأوليّ بلغات مختلفة فإنّه كان عن طريق تكلُّم الأنبياء بهذه اللغات، فنحن نفترض أنَّ النطق الابتدائيّ بهذه اللغات كان وحيّاً إلهيّاً للأنبياء ، فهذا الافتراض هو الذي يفسّر الثغرة المعرفيّة عن التكلُّم الأوليّ أو الابتدائيّ للجماعات الإنسانيّة بلغة محددة دون لغة أخرى مع وجود قابليّة القدرة على النطق بكُلِّ اللغات .