القطار والفلوكة والوصية رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 25 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 3245
القطار والفلوكة والوصية رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي

القطار والفلوكة والوصية
رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي

مقدمة
في مشهد الرواية السعودية المعاصرة، حيث تغامر الأقلام النسائية باجتياح فضاءات سردية جديدة، تقف رواية “بهية من الأطر للفلوكة” للكاتبة زكية حمد الحجي كنصّ مختلف. فهي ليست مجرد حكاية عن البحث عن أخت مفقودة، بل هي رحلة جغرافية ووجدانية تمتد على ضفاف النيل، يحكمها لغز ثلاثي: قطار يسير بمحاذاة الماء، زورق شراعي يجسد الحياة الشعبية، ووصية أب غامضة تقلب المعادلات الدرامية. هذه القراءة النقدية تقف عند ثلاث عتبات رئيسة: دهشة العنوان، وانعكاس ثيمة البحث عن الذات، والمفارقة الصارخة بين الزمن المعاصر وأدوات البحث المستخدمة.
*غواية العنوان بين الغموض والإيحاء البصري
يأتي العنوان “بهية من الأطر للفلوكة” محملاً بغرابة لغوية، خاصة مع استخدام كلمتي “الأطر” (القطار في اللهجة المصرية) و”الفلوكة” (الزوارق الشراعية)، وهو ما قد يربك القارئ غير الملم بالدارجة المصرية. لولا أن غلاف الرواية صور مشهداً متكاملاً لقطار يسير بمحاذاة نهر النيل، وزوارق تسبح في الماء، وصورة فتاة تمثل البطلة “نورة”، لضاع القارئ في دهاليز العنوان. واللافت أن الكاتبة، وهي سعودية وليست مصرية، اختارت أن تكتب الرواية بالفصحى، لا بالعامية، مما يعمد هذا الإلغاز البصري، وكأنها تريد وضع القارئ أمام تحدي يجمع بين المشهد والكلمة، قبل أن يشرع في قراءة السطور.
*ثيمة البحث عن الأخت انعكاس للنمط التقليدي؟
تتمحور الرواية حول رحلة “نورة” السعودية التي تدرس في مصر في بحثها عن أختها غير الشقيقة “سوزان”ابنة والدها من زواج سري من مصرية تدعى “بهية”. تبدأ الحكاية بوصية الأب: “أوصيكم بها خيراً”، وهي وصية تقلب المعادلة الدرامية المألوفة، حيث عادة ما يكون الابن الشرعي هو من يبحث عن والده الغائب. لكن هنا تأتي “نورة” لتجعل من دراستها الجامعية في مصر ذريعة ومن قلبها دافعاً للبحث عن “ضرة” أمها فتختلط المشاعر بين الفضول ووشائج الدم والوصية التي جمعت بين الحب والحق معاً، كما تصف الكاتبة في الصفحة السابعة: “لا بدافع الفضول فقط، بل يدفعني الدم والوصية التي جعلت الحب والحق معاً”. غير أن هذا المبرر يطرح سؤالاً نقدياً: هل كانت الوصية ذريعة سردية ماهرة لكتابة رحلة؟ أم أن العمل وقع في فخ التكرار الدرامي الذي نشهده في كثير من الأفلام والروايات العربية؟
*مفارقة الزمن الرقمي.. أزمة أم مكسب أدبي؟
من أبرز الملاحظات النقدية الجديرة بالتوقف، هي المفارقة الزمنية في بنية الرواية. فمع أن الزمن المذكور هو زمن معاصر، نجد أن “نورة” تختار النزول إلى الشارع المصري، واجتياز محافظات صعيد مصر يدوياً – من القاهرة إلى الفيوم، بني سويف، المنيا، أسيوط، سوهاج، الأقصر، وأسوان – بحثاً عن أختها، متجاوزة بذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت ستنهي البحث في دقائق في عصرنا الرقمي. هذه المفارقة، التي قد تقرأ كفجوة درامية أو خطأ في التخطيط السردي وهي في جوهرها مكسب أدبي لأنها منحت الكاتبة فرصة ذهبية لرسم لوحة بانورامية للحياة الاجتماعية في صعيد مصر ووصف دقيق لكل مدينة مما يدخل العمل بقوة في دائرة “أدب الرحلة” ويعيد الاعتبار للمكان بوصفه بطلاً مستقلاً لا مجرد خلفية للأحداث.
نجاح أدب الرحلة والتوثيق الاجتماعي
لا يمكن إنكار أن الكاتبة زكية حمد الحجي قد وفقت في توثيق تفاصيل المدن المصرية التي مرت بها البطلة واستطاعت أن تنقل للقارئ نكهة كل محافظة وعادات أهلها وتفاصيل حياتهم اليومية. هذا البعد الجغرافي والأنثروبولوجي هو ما يمنح الرواية قيمتها الأدبية الحقيقية، ويجعلها أقرب إلى “رحلة ابن بطوطة” المعاصرة حيث يمتزج البحث عن الإنسان بالبحث عن المكان وتصبح الرحلة غاية ووسيلة في آن واحد بفضل ذلك القطار الذي يقطع الصعيد وتلك الفلوكة التي تعبر النيل.
*خاتمة
تبقى رواية “بهية من الأطر للفلوكة” عملاً طموحاً حاولت الكاتبة من خلاله كسر الرتابة السردية والانطلاق إلى فضاء جغرافي ووجداني مختلف حاملة وصية أب وفضول ابنة عبر مدن النيل. على الرغم من الجدل الذي تثيره المفارقة الزمنية بين الواقع الرقمي وأدوات البحث التقليدية، فإن هذا “الخلل” الدرامي تحول ببراعة الكاتبة إلى نافذة مشرعة على ثراء المكان المصري وإنسانه. وهكذا يظل السؤال الأثير عالقاً: هل كانت الرحلة حاجة سردية للبحث عن سوزان، أم كانت رحلة البحث عن مصر ذاتها؟ في كلتا الحالتين، نجحت الحجي في منح القارئ تذكرة سفر على متن ذلك القطار، بين الوصية والفلوكة، حيث تغدو المسافات حكايات وتصبح الغربة وطناً مؤقتاً

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو

بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو

بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو   ليست المدن شوارع ومبانٍ…

صورة الكاتب حمدي العطار
15 يوليو 2026
اقرأ المزيد
على هامش مهرجان خيمة الإبداع العربي أمجد توفيق… روائي يكتب تحولات العراق بلغة الإنسان

على هامش مهرجان خيمة الإبداع العربي أمجد توفيق… روائي يكتب تحولات العراق بلغة الإنسان

على هامش مهرجان خيمة الإبداع العربي أمجد توفيق… روائي يكتب تحولات العراق بلغة الإنسان باكو…

صورة الكاتب حمدي العطار
11 يوليو 2026
اقرأ المزيد
في أمسية احتفت بـ”سمفونية المدن المرئية”.. الأدباء يتجولون بين مدن رغد السهيل ويختلفون حول حدود السرد

في أمسية احتفت بـ”سمفونية المدن المرئية”.. الأدباء يتجولون بين مدن رغد السهيل ويختلفون حول حدود السرد

ا لم تكن الأمسية التي احتضنها منتدى الثلاثاء الثقافي في ثقافية الحزب الشيوعي مجرد جلسة…

صورة الكاتب حمدي العطار
8 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


القطار والفلوكة والوصية رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 25 يوليو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

القطار والفلوكة والوصية
رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي

مقدمة
في مشهد الرواية السعودية المعاصرة، حيث تغامر الأقلام النسائية باجتياح فضاءات سردية جديدة، تقف رواية “بهية من الأطر للفلوكة” للكاتبة زكية حمد الحجي كنصّ مختلف. فهي ليست مجرد حكاية عن البحث عن أخت مفقودة، بل هي رحلة جغرافية ووجدانية تمتد على ضفاف النيل، يحكمها لغز ثلاثي: قطار يسير بمحاذاة الماء، زورق شراعي يجسد الحياة الشعبية، ووصية أب غامضة تقلب المعادلات الدرامية. هذه القراءة النقدية تقف عند ثلاث عتبات رئيسة: دهشة العنوان، وانعكاس ثيمة البحث عن الذات، والمفارقة الصارخة بين الزمن المعاصر وأدوات البحث المستخدمة.
*غواية العنوان بين الغموض والإيحاء البصري
يأتي العنوان “بهية من الأطر للفلوكة” محملاً بغرابة لغوية، خاصة مع استخدام كلمتي “الأطر” (القطار في اللهجة المصرية) و”الفلوكة” (الزوارق الشراعية)، وهو ما قد يربك القارئ غير الملم بالدارجة المصرية. لولا أن غلاف الرواية صور مشهداً متكاملاً لقطار يسير بمحاذاة نهر النيل، وزوارق تسبح في الماء، وصورة فتاة تمثل البطلة “نورة”، لضاع القارئ في دهاليز العنوان. واللافت أن الكاتبة، وهي سعودية وليست مصرية، اختارت أن تكتب الرواية بالفصحى، لا بالعامية، مما يعمد هذا الإلغاز البصري، وكأنها تريد وضع القارئ أمام تحدي يجمع بين المشهد والكلمة، قبل أن يشرع في قراءة السطور.
*ثيمة البحث عن الأخت انعكاس للنمط التقليدي؟
تتمحور الرواية حول رحلة “نورة” السعودية التي تدرس في مصر في بحثها عن أختها غير الشقيقة “سوزان”ابنة والدها من زواج سري من مصرية تدعى “بهية”. تبدأ الحكاية بوصية الأب: “أوصيكم بها خيراً”، وهي وصية تقلب المعادلة الدرامية المألوفة، حيث عادة ما يكون الابن الشرعي هو من يبحث عن والده الغائب. لكن هنا تأتي “نورة” لتجعل من دراستها الجامعية في مصر ذريعة ومن قلبها دافعاً للبحث عن “ضرة” أمها فتختلط المشاعر بين الفضول ووشائج الدم والوصية التي جمعت بين الحب والحق معاً، كما تصف الكاتبة في الصفحة السابعة: “لا بدافع الفضول فقط، بل يدفعني الدم والوصية التي جعلت الحب والحق معاً”. غير أن هذا المبرر يطرح سؤالاً نقدياً: هل كانت الوصية ذريعة سردية ماهرة لكتابة رحلة؟ أم أن العمل وقع في فخ التكرار الدرامي الذي نشهده في كثير من الأفلام والروايات العربية؟
*مفارقة الزمن الرقمي.. أزمة أم مكسب أدبي؟
من أبرز الملاحظات النقدية الجديرة بالتوقف، هي المفارقة الزمنية في بنية الرواية. فمع أن الزمن المذكور هو زمن معاصر، نجد أن “نورة” تختار النزول إلى الشارع المصري، واجتياز محافظات صعيد مصر يدوياً – من القاهرة إلى الفيوم، بني سويف، المنيا، أسيوط، سوهاج، الأقصر، وأسوان – بحثاً عن أختها، متجاوزة بذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت ستنهي البحث في دقائق في عصرنا الرقمي. هذه المفارقة، التي قد تقرأ كفجوة درامية أو خطأ في التخطيط السردي وهي في جوهرها مكسب أدبي لأنها منحت الكاتبة فرصة ذهبية لرسم لوحة بانورامية للحياة الاجتماعية في صعيد مصر ووصف دقيق لكل مدينة مما يدخل العمل بقوة في دائرة “أدب الرحلة” ويعيد الاعتبار للمكان بوصفه بطلاً مستقلاً لا مجرد خلفية للأحداث.
نجاح أدب الرحلة والتوثيق الاجتماعي
لا يمكن إنكار أن الكاتبة زكية حمد الحجي قد وفقت في توثيق تفاصيل المدن المصرية التي مرت بها البطلة واستطاعت أن تنقل للقارئ نكهة كل محافظة وعادات أهلها وتفاصيل حياتهم اليومية. هذا البعد الجغرافي والأنثروبولوجي هو ما يمنح الرواية قيمتها الأدبية الحقيقية، ويجعلها أقرب إلى “رحلة ابن بطوطة” المعاصرة حيث يمتزج البحث عن الإنسان بالبحث عن المكان وتصبح الرحلة غاية ووسيلة في آن واحد بفضل ذلك القطار الذي يقطع الصعيد وتلك الفلوكة التي تعبر النيل.
*خاتمة
تبقى رواية “بهية من الأطر للفلوكة” عملاً طموحاً حاولت الكاتبة من خلاله كسر الرتابة السردية والانطلاق إلى فضاء جغرافي ووجداني مختلف حاملة وصية أب وفضول ابنة عبر مدن النيل. على الرغم من الجدل الذي تثيره المفارقة الزمنية بين الواقع الرقمي وأدوات البحث التقليدية، فإن هذا “الخلل” الدرامي تحول ببراعة الكاتبة إلى نافذة مشرعة على ثراء المكان المصري وإنسانه. وهكذا يظل السؤال الأثير عالقاً: هل كانت الرحلة حاجة سردية للبحث عن سوزان، أم كانت رحلة البحث عن مصر ذاتها؟ في كلتا الحالتين، نجحت الحجي في منح القارئ تذكرة سفر على متن ذلك القطار، بين الوصية والفلوكة، حيث تغدو المسافات حكايات وتصبح الغربة وطناً مؤقتاً