تدخل القاصة الدكتورة” حنين شرتوخ شرقي” إلى فضاء الكتابة السردية من منطقة مختلفة محاولة أن تغرد خارج السرب عبر نصوص قصيرة تقوم على اللمحة والاختزال والتقاط اللحظة الإنسانية. وفي مجموعتها الأدبية التي تجمع بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والخاطرة، والومضة، تبدو الكاتبة وكأنها تبحث عن الشكل الأكثر قدرة على احتواء أفكارها ومشاعرها.
وهذا التنوع يمنح المجموعة حيوية خاصة لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام سؤال نقدي مهم: متى تتحول الومضة من خاطرة مكثفة إلى قصة قصيرة جداً؟ فالفارق بينهما ليس في عدد الكلمات وحده وإنما في وجود الحدث والتحول، والمفارقة، والعلاقة بين البداية والنهاية، بحيث يستطيع النص القصير أن يروي حكاية أو يترك أثراً حكائياً واضحاً، لا أن يكتفي بتسجيل فكرة أو إحساس. فالومضة القصصية جنس نثري يقوم على الإيجاز الشديد والتكثيف لكنه لا يعني اختزال الكلام وحسب إنها كتابة تحاول أن تقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات. ولذلك تحتاج إلى لغة اقتصادية وإيحاءات متعددة ومفارقة قادرة على إعادة تشكيل معنى النص في لحظته الأخيرة.
ومن أهم سمات الومضة: الإيجاز، والتكثيف، والإيحاء، والمفارقة، والنهاية المباغتة. وقد يكون العنوان فيها جزءاً من بنيتها، إذ يمكن أن يضيف معنى جديداً للنص أو يقود القارئ إلى دلالته النهائية. أما جسد الومضة فينبغي أن يقدم لقطة سردية مركزة، بينما تأتي النهاية لتحدث انزياحاً في توقعات المتلقي، وتترك لديه أثراً يتجاوز حجم النص. وفي ومضات حنين شرتوخ شرقي نجد نماذج تقترب من هذه الشروط، وأخرى تظل أقرب إلى الخاطرة أو التأمل الذاتي. ومن هنا تأتي أهمية قراءة المجموعة من زاوية النوع الأدبي وليس من زاوية اللغة وحدها.
في إحدى الومضات غير المعنونة تقول:
“من أي طين ومعدن خُلقت تلك الأم التي ذاقت مرارة فراق الأبناء ولا زالت تتنفس؟”
هنا تلتقط الكاتبة مأساة الأم التي فقدت أبناءها، وتحولها إلى سؤال عن القدرة الإنسانية على الاحتمال. فالجملة تقوم على مفارقة واضحة بين قسوة الفقد واستمرار الحياة، وكأن الأم لم تعد كائناً من لحم ودم، وإنما صنعت من “طين ومعدن” لكي تستطيع تحمل ما لا يحتمله البشر.
وفي ومضة أخرى تقول:
“علمتني الحياة أن لا أعول على أحد، فالخيبات تملأ أركان حياتي. أخذت دور المتفرج المستمتع حتى نهاية العرض، منتظراً سقوط آخر خيبة، فتتوالى الخيبات.”
تتحول الحياة هنا إلى عرض مسرحي بينما يتحول الإنسان إلى متفرج ينتظر خيبة أخرى. وهي صورة تحمل دلالة تشاؤمية واضحة لكنها تكشف في الوقت نفسه عن قدرة الكاتبة على تحويل التجربة الشخصية إلى صورة رمزية. ومع ذلك فإن النص يميل أكثر إلى التأمل والخاطرة منه إلى الومضة القصصية لأنه يفتقر إلى الحدث والتحول القصصي اللذين يمنحان النص صفته السردية.
أما قولها:
“هناك أقلام تستحق الوقوف عند عتبات مدادها والانحناء أمام ما ترسمه من مشاعر بهيئة أحرف نابضة.”
فهو نص جميل لغوياً لكنه أقرب إلى العبارة الأدبية أو الخاطرة منه إلى الومضة القصصية. وهذا لا ينتقص من جماله وإنما يؤكد أن للمجموعة أكثر من مسار كتابي، وأن الكاتبة لم تحسم تماماً الحدود بين الأجناس التي تتحرك بينها.
وفي نص معنْون بـ “قالوا لي: حدثيني عن نفسك”، تقول:
“تاهت مني نفسي منذ زمن بعيد، وأكاد أجزم أنني لا أعرفني، فعن من أتحدث؟ عن تلك النفس التي فقدت هويتها؟ توقفت كثيراً عند هذا السؤال، فكرت وبحثت داخلي ولم أجد أي إجابة. حقاً لم أعد أعرف من أنا.”
نحن أمام نموذج واضح للذات المأزومة أو ما يمكن تسميته بنموذج اللامنتمي، فالذات هنا تبحث عن هويتها فلا تجدها، وتتحول عملية الحديث عن النفس إلى رحلة داخلية تنتهي إلى سؤال أكبر: من أنا؟
غير أن هذا النص، على الرغم من صدقه النفسي، يعتمد على التأمل المباشر أكثر مما يعتمد على المفارقة القصصية. ولو استطاعت الكاتبة اختزال هذه المساحة التأملية وتحويل سؤال الهوية إلى موقف سردي أو مشهد خاطف ينتهي بمفارقة لكان النص أكثر اقتراباً من شروط الومضة.
أما ومضة “العصامي والوصولي” فتبدو من أكثر النصوص نجاحاً في المجموعة لأنها تذهب مباشرة إلى منطقة التناقض الاجتماعي. فالعنوان نفسه يحمل طرفي المفارقة، ويضع القارئ أمام شخصيتين أو نموذجين متناقضين: إنسان يشق طريقه بجهده، وآخر يصل بوسائل لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق. وتزداد قيمة هذا النوع من النصوص حين تقول الكاتبة، بصورة مكثفة، عن واقع اجتماعي “معتدل مختلف التوازن في زمن ضبابي”. فالمفارقة هنا ليست بين شخصين فحسب، وإنما بين القيمة والاستحقاق من جهة، وآليات الوصول والانتهازية من جهة أخرى. وهذه الومضة تحديداً تبدو الأكثر اقتراباً من روح الكتابة القصصية القصيرة ،لأنها لا تشرح كثيراً ولا تسترسل في الوصف، وإنما تضع القارئ أمام مفارقة اجتماعية قابلة للتأويل.
إن ما يلفت الانتباه في تجربة حنين شرتوخ شرقي هو امتلاكها لغة أدبية راقية وحساً واضحاً بالتقاط المشاعر والأفكار. وهي تمتلك مادة أولية مهمة للكتابة الإبداعية غير أن هذه الإمكانية اللغوية تحتاج إلى أن توضع في القالب الفني الأكثر ملاءمة لها. فاللغة الجميلة وحدها لا تصنع الومضة كما أن قصر النص لا يجعله قصة قصيرة جداً. الومضة تحتاج إلى اقتصاد لغوي صارم وإلى حدث ولو كان ضئيلاً، وإلى حركة داخلية تقود النص من نقطة إلى أخرى ثم إلى نهاية تعيد ترتيب ما قرأه المتلقي.
ولذلك فإن تجربة القاصة تبدو في هذه المجموعة تجربة بحث عن الشكل بقدر ما هي تجربة بحث عن الموضوع. فهي تمتلك الرؤية والحس واللغة، وما تحتاج إليه هو المزيد من الاشتغال على البناء، خصوصاً في التمييز بين الخاطرة والومضة والقصة القصيرة جداً.
إنها تجربة تستحق المتابعة، لا لأنها وصلت إلى شكل نهائي مكتمل بل لأنها تكشف عن كاتبة تمتلك أدوات يمكن أن تقودها إلى منطقة أكثر خصوصية في السرد. وإذا ما استطاعت حنين شرتوخ شرقي أن تجعل التكثيف جزءاً من رؤيتها لا مجرد اختصار للنص وأن تستبدل الشرح بالإيحاء والتقرير بالمفارقة فإن ومضاتها ستكون أكثر قدرة على البقاء في ذاكرة القارئ. فالموهبة موجودة واللغة حاضرة والالتقاط الذكي للمفارقات واضح ويبقى التحدي الحقيقي هو أن تجد هذه الموهبة شكلها الفني الذي يليق بها.
خارج السرب…حنين شرتوخ شرقي.. وتجربة الومضة القصصية
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
خارج السرب…حنين شرتوخ شرقي.. وتجربة الومضة القصصية
تدخل القاصة الدكتورة” حنين شرتوخ شرقي” إلى فضاء الكتابة السردية من منطقة مختلفة محاولة أن تغرد خارج السرب عبر نصوص قصيرة تقوم على اللمحة والاختزال والتقاط اللحظة الإنسانية. وفي مجموعتها الأدبية التي تجمع بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والخاطرة، والومضة، تبدو الكاتبة وكأنها تبحث عن الشكل الأكثر قدرة على احتواء أفكارها ومشاعرها.
وهذا التنوع يمنح المجموعة حيوية خاصة لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام سؤال نقدي مهم: متى تتحول الومضة من خاطرة مكثفة إلى قصة قصيرة جداً؟ فالفارق بينهما ليس في عدد الكلمات وحده وإنما في وجود الحدث والتحول، والمفارقة، والعلاقة بين البداية والنهاية، بحيث يستطيع النص القصير أن يروي حكاية أو يترك أثراً حكائياً واضحاً، لا أن يكتفي بتسجيل فكرة أو إحساس. فالومضة القصصية جنس نثري يقوم على الإيجاز الشديد والتكثيف لكنه لا يعني اختزال الكلام وحسب إنها كتابة تحاول أن تقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات. ولذلك تحتاج إلى لغة اقتصادية وإيحاءات متعددة ومفارقة قادرة على إعادة تشكيل معنى النص في لحظته الأخيرة.
ومن أهم سمات الومضة: الإيجاز، والتكثيف، والإيحاء، والمفارقة، والنهاية المباغتة. وقد يكون العنوان فيها جزءاً من بنيتها، إذ يمكن أن يضيف معنى جديداً للنص أو يقود القارئ إلى دلالته النهائية. أما جسد الومضة فينبغي أن يقدم لقطة سردية مركزة، بينما تأتي النهاية لتحدث انزياحاً في توقعات المتلقي، وتترك لديه أثراً يتجاوز حجم النص. وفي ومضات حنين شرتوخ شرقي نجد نماذج تقترب من هذه الشروط، وأخرى تظل أقرب إلى الخاطرة أو التأمل الذاتي. ومن هنا تأتي أهمية قراءة المجموعة من زاوية النوع الأدبي وليس من زاوية اللغة وحدها.
في إحدى الومضات غير المعنونة تقول:
“من أي طين ومعدن خُلقت تلك الأم التي ذاقت مرارة فراق الأبناء ولا زالت تتنفس؟”
هنا تلتقط الكاتبة مأساة الأم التي فقدت أبناءها، وتحولها إلى سؤال عن القدرة الإنسانية على الاحتمال. فالجملة تقوم على مفارقة واضحة بين قسوة الفقد واستمرار الحياة، وكأن الأم لم تعد كائناً من لحم ودم، وإنما صنعت من “طين ومعدن” لكي تستطيع تحمل ما لا يحتمله البشر.
وفي ومضة أخرى تقول:
“علمتني الحياة أن لا أعول على أحد، فالخيبات تملأ أركان حياتي. أخذت دور المتفرج المستمتع حتى نهاية العرض، منتظراً سقوط آخر خيبة، فتتوالى الخيبات.”
تتحول الحياة هنا إلى عرض مسرحي بينما يتحول الإنسان إلى متفرج ينتظر خيبة أخرى. وهي صورة تحمل دلالة تشاؤمية واضحة لكنها تكشف في الوقت نفسه عن قدرة الكاتبة على تحويل التجربة الشخصية إلى صورة رمزية. ومع ذلك فإن النص يميل أكثر إلى التأمل والخاطرة منه إلى الومضة القصصية لأنه يفتقر إلى الحدث والتحول القصصي اللذين يمنحان النص صفته السردية.
أما قولها:
“هناك أقلام تستحق الوقوف عند عتبات مدادها والانحناء أمام ما ترسمه من مشاعر بهيئة أحرف نابضة.”
فهو نص جميل لغوياً لكنه أقرب إلى العبارة الأدبية أو الخاطرة منه إلى الومضة القصصية. وهذا لا ينتقص من جماله وإنما يؤكد أن للمجموعة أكثر من مسار كتابي، وأن الكاتبة لم تحسم تماماً الحدود بين الأجناس التي تتحرك بينها.
وفي نص معنْون بـ “قالوا لي: حدثيني عن نفسك”، تقول:
“تاهت مني نفسي منذ زمن بعيد، وأكاد أجزم أنني لا أعرفني، فعن من أتحدث؟ عن تلك النفس التي فقدت هويتها؟ توقفت كثيراً عند هذا السؤال، فكرت وبحثت داخلي ولم أجد أي إجابة. حقاً لم أعد أعرف من أنا.”
نحن أمام نموذج واضح للذات المأزومة أو ما يمكن تسميته بنموذج اللامنتمي، فالذات هنا تبحث عن هويتها فلا تجدها، وتتحول عملية الحديث عن النفس إلى رحلة داخلية تنتهي إلى سؤال أكبر: من أنا؟
غير أن هذا النص، على الرغم من صدقه النفسي، يعتمد على التأمل المباشر أكثر مما يعتمد على المفارقة القصصية. ولو استطاعت الكاتبة اختزال هذه المساحة التأملية وتحويل سؤال الهوية إلى موقف سردي أو مشهد خاطف ينتهي بمفارقة لكان النص أكثر اقتراباً من شروط الومضة.
أما ومضة “العصامي والوصولي” فتبدو من أكثر النصوص نجاحاً في المجموعة لأنها تذهب مباشرة إلى منطقة التناقض الاجتماعي. فالعنوان نفسه يحمل طرفي المفارقة، ويضع القارئ أمام شخصيتين أو نموذجين متناقضين: إنسان يشق طريقه بجهده، وآخر يصل بوسائل لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق. وتزداد قيمة هذا النوع من النصوص حين تقول الكاتبة، بصورة مكثفة، عن واقع اجتماعي “معتدل مختلف التوازن في زمن ضبابي”. فالمفارقة هنا ليست بين شخصين فحسب، وإنما بين القيمة والاستحقاق من جهة، وآليات الوصول والانتهازية من جهة أخرى. وهذه الومضة تحديداً تبدو الأكثر اقتراباً من روح الكتابة القصصية القصيرة ،لأنها لا تشرح كثيراً ولا تسترسل في الوصف، وإنما تضع القارئ أمام مفارقة اجتماعية قابلة للتأويل.
إن ما يلفت الانتباه في تجربة حنين شرتوخ شرقي هو امتلاكها لغة أدبية راقية وحساً واضحاً بالتقاط المشاعر والأفكار. وهي تمتلك مادة أولية مهمة للكتابة الإبداعية غير أن هذه الإمكانية اللغوية تحتاج إلى أن توضع في القالب الفني الأكثر ملاءمة لها. فاللغة الجميلة وحدها لا تصنع الومضة كما أن قصر النص لا يجعله قصة قصيرة جداً. الومضة تحتاج إلى اقتصاد لغوي صارم وإلى حدث ولو كان ضئيلاً، وإلى حركة داخلية تقود النص من نقطة إلى أخرى ثم إلى نهاية تعيد ترتيب ما قرأه المتلقي.
ولذلك فإن تجربة القاصة تبدو في هذه المجموعة تجربة بحث عن الشكل بقدر ما هي تجربة بحث عن الموضوع. فهي تمتلك الرؤية والحس واللغة، وما تحتاج إليه هو المزيد من الاشتغال على البناء، خصوصاً في التمييز بين الخاطرة والومضة والقصة القصيرة جداً.
إنها تجربة تستحق المتابعة، لا لأنها وصلت إلى شكل نهائي مكتمل بل لأنها تكشف عن كاتبة تمتلك أدوات يمكن أن تقودها إلى منطقة أكثر خصوصية في السرد. وإذا ما استطاعت حنين شرتوخ شرقي أن تجعل التكثيف جزءاً من رؤيتها لا مجرد اختصار للنص وأن تستبدل الشرح بالإيحاء والتقرير بالمفارقة فإن ومضاتها ستكون أكثر قدرة على البقاء في ذاكرة القارئ. فالموهبة موجودة واللغة حاضرة والالتقاط الذكي للمفارقات واضح ويبقى التحدي الحقيقي هو أن تجد هذه الموهبة شكلها الفني الذي يليق بها.
عماد خالد رحمة
د. علي جعفر العلاق
ماجد القيسي
التعليقات