متعةُ القراءة : إضاءة وانطباع
في البدايةِ سيجدُ القارئُ نفسَهُ أمامَ نصٍّ ( حمَّال أوجه) فيميلُ تارةً إلى وجهٍ وتارة إلى أخرَ. وأنَّهُ محكومٌ بناسِها وبدراما الحياةِ تتنفسُهُ البيئةُ على شكلِ دفعاتٍ مِنْ ثنائيةِ : الحياةِ والموت.
سوفَ يلتفتُ المُتلقي لحركةِ الانبعاث إلى أعلى في إيقاعٍ سرديٍّ تصاعدي .تكونُ بؤرتُهُ فضاءً ذاتيِّا يتحولُ سياقيًّا إلى بؤرةِ فضاءٍ موضوعي .فالمدينةُ عندَ الشاوي تَشَكُّلٌ معرفيٌّ يتلاقحُ فيهِ الهدمُ والبناءُ في توازٍ غريب هذا التوازي يُشَكِّلُ عنواناتٍ تمسُّ الجسدَ والروحَ والواقعَ والخيال.الشاوي يشتغلُ على المكانِ باعتبارهِ الفضاءِ الأكثر التصاقا بالفرد. لا تناقضُ في أولوياتِهِ عندَ بثِّ فكرةِ الحياةِ والموتِ في ذلكَ الفضاءِ المكاني .
وهناكَ في مُخَيَّلَةِ الساردِ قوى هي التي تُمَثِّلُ حالةَ التوترِ القصوى بينَ الحياةِ والموتِ والبقاءِ والرحيلِ والأسودِ والأبيض .والمفارقاتُ التي تأتي لاحقًّا بسببِ تولِّدِ الروح الخلَّاقةِ للساردِ وهي تحاولُ أنْ تخلقَ نوعا مِنَ التناغمِ المعرفيِّ للكائنِ البشريِّ باعتبارِهِ مركز الكونِ بعدَ أنْ كانَ يفتعلُ المناخاتِ الذاتية المحدودة والجماعية المنفتحة.
في العمومِ يجدُ المُتلقِّي نفسَهُ أمامَ قانونٍ معرفيِّ مخيفٍ لكنَّهً واقعيٌّ : (كلُّ شيءٍّ يتغيرُ وباستمرارٍ إلَّا التغير.)
هُوَ يرى الفردَ مُغتربّا حتى داخل الدائرةِ الضيِّقةِ معرفيَّا يراهُ قد تحوَّلَ إلى كائنٍ منشغل بالتساؤلاتِ الكونيةِ التي تتطلَّبُ إجابةً صريحةً لكلِّ سؤالٍ جليٍّ أو مَخفيٍّ في هذا العالم .
وتعزيزًا لهذهِ الأولوياتِ نجدُ دائما هذا الانسلاخ والتدني الأخلاقي الذي يهدمُ السرَّ الوظيفي للإنسانِ ويُشرِّعُ قانونَ البقاءِ للأقوى.
وتبقى النظرةُ الرأسماليةُ للفردِ هي التي تتحكمُ في نهايةِ الروايةِ بمجرياتِ السردِ كفكرةٍ فكلُّ شيءٍّ في عالمِ الروايةِ يُعرّضُ في واجهاتِ الباعة.
قد يستمتعُ المُتلقي بجزئياتٍ على حسابِ العملِ كوحدةٍ موضوعيَّةٍ ,فالروايةُ قدْ تُحمَلُ على المجاز. عندما يًتعلَّقُ الأمر بالذاكرَةَ والضميرِ ومحاولةٍ لخلقِ أجواءٍ قريبةِ المدى للتعايشِ السلمِي معَ الذاتِ أولًّا ثُمَّ معَ المجتمع.ومِنْ هذهِ الروايةِ القصيرةِ نلاحظُ قوةَ ملاحظةِ الساردِ لبثِّ الروح في رتابةِ الأحداثِ مِنْ خلالِ جملةٍ مِنَ القواعدِ الإجرائيةِ , كالخيالِ واللغةِ والرمزيةِ وبثِّ روحِ الفلسفةِ وتشكيلِ منظومةٍ مِنَ الأُطرِ المعرفيَّةِ وتسخيرها لخدمةِ النص. في نهايةِ هذهِ المقدمة نرى جميعا بأنَّ الروايةَ رغم قصرها وفَّتْ بطرحِ معالمها وأوصلَتْ ما يريدهُ الساردُ بأمانة إلى المُتُلَقِّي.
دعوةُ القاص مؤيد الشاوي تعبيرٌ عنْ تنميطِ الخطابِ والإفلاتِ مِنَ النمطيِّ المتداول.يجتهدُ المُتلقِّي في قراءتِهِ الأولى للبحثِ عنْ تجنيسٍ مناسبٍ لقناعاتِهِ حتَّى يضعَ إشارةً لمستوى قراءتِهِ..
البدايةُ لافتةٌ بأنّ بابَ الدخولِ بعبارةِ مدائن الزجاج هو دخول بنفس ( قصيدة نثر).رغمَ تناول بعضِ التفعيلاتِ تقاربًا وتباعدًا في أكثر مِنْ رصدٍ قرائي متأنٍ.
فالمتقاربُ والمتداركُ يدخلانِ مِنَ اللاوعيِّ إلى هذا المنجز الذي لا يخلو أيضا من الرجز.
مدائن الزجاج …
أنيابٌ إسمنتية حادة ..
فيضان بشري صاخب
ومَنْ يُدققُ يجدُ غير تلك..
لم تعدْ آريا التي كنتُ أظنُّها رمزَ الفتاةِ النبيلةِ بل هي مكان تتأطر به اللبنات الأساسية للرواية القصيرة التي بين أيدينا.
الصفحةُ الأولى تشعلُ فتيلَ حربِ الجُملِ القصيرةِ التي تحملُ وجوها كثيرة ومتناوبة..
فما وراءَ مدنِ الزجاجِ حربٌ ظاهرةٌ للمُتبصرِ تفيضُ بكلِّ شيء ، حتى بدتِ الوجوهُ بمدٍّ بشري صاخبٍ ، وملامح الإنسان عبارة عن بنى بلا حدود.
الكائنُ البشري يدعونا في خِضَمِّ مجازاتِهِ فهو كائنٌ مُتوجسٌ قَلَبَ شعاعَ الأملَ وكوةِ السلامِ إلى دخولٍ أزلي في ظلامِ التاريخ وتباريحه المؤلمة..
والمدينةُ العُليا وامتدادِ الحقيقةِ هي محطُّ أنظارِ صوراتنا وهي تفتشُ عنِ الحقيقة
الخريطةُ التي تُؤشرُ حماقاتِ الزمنِ تُخبئُ صورَها في المتنِ لتعطي الهامشَ قيمته الأزلية في هذا الوجود.
يعمدُ الكاتبُ إلى زجِّ ما يمكنُ زجَّهُ مِنْ وجهاتِ نظرٍ ليبوحَ بمساحةٍ أكبرَ في خضمِ هذا التطور الهائل .
مؤيد الشاوي يجثمُ على صدورنا منفعلا ومستغلا الأمكنة المرعبة لدى اشاراته العميقة .
فالقبو السفلي والرصاصُ ، والعفنُ، والسوطُ والمقابرُ والجفافُ تشيرُ ولو من بعيدٍ إلى خلاصة العالم.
في داخلِ الروايةِ تقبعُ الرؤى وهي تقومُ بواجبِ الرقيبِ على فرضِ شروطٍ لحكمةِ الحياةِ وما يراد لها.
الألوانُ لا تشتري رغيفا هذه العبارة لا يمكن تفكيكها إلَّا بمعونةِ الكاتب ، إنَّه سرٌّ مِنْ أسرار المهنة .
يقدمُ الشاوي الفعلُ الحركي باعتبارهٍ أسُّ الحكي في الرواية.
تحريكُ الفعلِ الروائي والانغماسُ في وصفِ الأحداثِ، بلغةٍ موجزةٍ ليشعرَ القارئ بأقصرِ الطرقِ للوصول. هو وسطٌ فليسَ بالمملِّ وليسَ بالمقتضب.
كأنَّه هنا يرسمُ مشهدا يؤسسُ فيهِ للحدثِ القادم، مع ملاحظةِ الانتقال من مكانٍ إلى آخر في حركةٍ محسوبةٍ ومحسوسةٍ تتضمنُ جميعَ التفاصيلِ التي يراها صالحة للبوح.
ينطلقُ مِنَ الهدفِ بالحركةِ لخلقِ صراعٍ يُرادُ منهُ سحبَ المُتلقي إلى خطِّ النارِ والخوضُ في ماهيةِ الصراعِ الأبدي بينَ الإنسانِ والإنسانِ مِنْ جهةٍ وبينَ الإنسان والبيئة من جهة أخرى.
بعبارةٍ أخرى ، الساردُ يحاولُ خلقَ أفضلِ المساراتِ وربط الأفكار والحوارات مع بعضها بمسبباتها الواقعية والخيالية.
التحوِّلُ هو جوهرُ قضيةِ الكاتبِ وهو يتخطِّى هذا المشهد في تقنية رسم الأحداث .
لا يمكن أنْ تكونَ هناكَ رواية بلا أحداث ، وإنْ كانتْ قاصرةٌ على مُجردِ فكرةٍ .لأنَّ هذا الحدث يُعَبِّر عن قوى متماسكة مِنْ صنعِ الكاتبِ حيثُ تبدأ الأمور بها لتنتهي من خلال مرورها بالعرض التفصيلي للأحداث
أرادَ الشاوي بالحدثِ أنْ يُعزِّزَ أفكارَهُ التي تداخلت فيما
بينها ويجعلها في نمو مضطرد.
هذا الفعلُ يُمهدُ لخلقِ جوٍّ كثيفٍ مِنَ الصراعاتِ الجانبيةِ التي تقومُ على تقاتلِ الأفكار في الواقع .
والحدثُ هنا يهزُّ كيان المتلقي ويجعله على المحك في متابعة القراءة أو إيقافها.
السوي يصرخُ بوجهِ العالمِ مستحضرا الجمالَ قبال القبح والفعل قبال ردة الفعل والحركة قبال السكون
تضجُّ الذاكرةُ الواعيةُ باسترجاعاتٍ كثيرةٍ ينتشلها العقلٌ اللاواعي لخلقِ مفارقاتٍ تغيبُ حينا وتظهر أخرى.
ففي أكثرِ مِنْ وقفةٍ للكاتبِ نراهُ يبني حاجزا مؤقتا للأحداث المتسارعةِ مِنْ خلالِهِ المقصود الزمني في سلسلة من الأحداث مع ملاحظة قدرة المُتلقي في تتبع هذه الأحداث .
نعم هو يعيشُ الماضي ويدركُ قيمةَ الحاضر ويحاولُ أنْ يخلقَ ممرٍا ولو بسيطا للمستقبل المجهول غالبا.وذلكَ مِنْ خلالِ مجموعةٍ مِنَ الأحداثِ المتشابكة .
وهذا يؤيدُ ما هو مُتعارفُ عليهِ مِنْ أنَّ البُنية للزمان والمكان هي بنيةٌ تستندُ إلى مقولاتٍ كثيرةٍ وفلسفيةٍ كثيرةٍ في مجالِ الاسترجاعِ كالاستذكارِ وسبقِ الحدثِ والرجوعِ القسري إلى ما قبلَ الكتابة. يأتي مِنَ المحيطِ إلى الشاطئ ويعودُ إلى المحيطِ مِنْ ذاتِ الشاطئ في محاولةٍ لخلخلةِ نظامِ الروايةِ التي تقومُ على المفارقات والمفاجآت.
يشعرُ الكاتبُ بالحاجةِ إلى الذاتِ والتنفيسِ عنْ هواجسَ ما قبلَ الكتابة .
هذهِ الهواجسُ ربَّما تفقدُ مكانتِها مِنْ خلالِ السياقاتِ المتنوعةِ للحدثِ والمكانِ والزمانِ والوصف. فهو يدعو للوقوفِ طويلًا في جزئية وربط العلاقاتِ بينَ الأفعالِ وتشكيلِ ما يُسمَّى بالنسغ الصاعد. إذن نحن أمام نهايةُ مصالحةٍ معَ تساؤلاتٍ تنتهي وتنهي تشابك خيوط الحدث بلا تفاصيل دقيقة..ونهاية مفتوحةونهاية معقدة وغامضة
ونهاية غريبة ونهاية مصالحة.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
(آريا : مقبرة الظلال) لمؤيد الشاوي..قراءة نقدیة انطباعیة
متعةُ القراءة : إضاءة وانطباع
في البدايةِ سيجدُ القارئُ نفسَهُ أمامَ نصٍّ ( حمَّال أوجه) فيميلُ تارةً إلى وجهٍ وتارة إلى أخرَ. وأنَّهُ محكومٌ بناسِها وبدراما الحياةِ تتنفسُهُ البيئةُ على شكلِ دفعاتٍ مِنْ ثنائيةِ : الحياةِ والموت.
سوفَ يلتفتُ المُتلقي لحركةِ الانبعاث إلى أعلى في إيقاعٍ سرديٍّ تصاعدي .تكونُ بؤرتُهُ فضاءً ذاتيِّا يتحولُ سياقيًّا إلى بؤرةِ فضاءٍ موضوعي .فالمدينةُ عندَ الشاوي تَشَكُّلٌ معرفيٌّ يتلاقحُ فيهِ الهدمُ والبناءُ في توازٍ غريب هذا التوازي يُشَكِّلُ عنواناتٍ تمسُّ الجسدَ والروحَ والواقعَ والخيال.الشاوي يشتغلُ على المكانِ باعتبارهِ الفضاءِ الأكثر التصاقا بالفرد. لا تناقضُ في أولوياتِهِ عندَ بثِّ فكرةِ الحياةِ والموتِ في ذلكَ الفضاءِ المكاني .
وهناكَ في مُخَيَّلَةِ الساردِ قوى هي التي تُمَثِّلُ حالةَ التوترِ القصوى بينَ الحياةِ والموتِ والبقاءِ والرحيلِ والأسودِ والأبيض .والمفارقاتُ التي تأتي لاحقًّا بسببِ تولِّدِ الروح الخلَّاقةِ للساردِ وهي تحاولُ أنْ تخلقَ نوعا مِنَ التناغمِ المعرفيِّ للكائنِ البشريِّ باعتبارِهِ مركز الكونِ بعدَ أنْ كانَ يفتعلُ المناخاتِ الذاتية المحدودة والجماعية المنفتحة.
في العمومِ يجدُ المُتلقِّي نفسَهُ أمامَ قانونٍ معرفيِّ مخيفٍ لكنَّهً واقعيٌّ : (كلُّ شيءٍّ يتغيرُ وباستمرارٍ إلَّا التغير.)
هُوَ يرى الفردَ مُغتربّا حتى داخل الدائرةِ الضيِّقةِ معرفيَّا يراهُ قد تحوَّلَ إلى كائنٍ منشغل بالتساؤلاتِ الكونيةِ التي تتطلَّبُ إجابةً صريحةً لكلِّ سؤالٍ جليٍّ أو مَخفيٍّ في هذا العالم .
وتعزيزًا لهذهِ الأولوياتِ نجدُ دائما هذا الانسلاخ والتدني الأخلاقي الذي يهدمُ السرَّ الوظيفي للإنسانِ ويُشرِّعُ قانونَ البقاءِ للأقوى.
وتبقى النظرةُ الرأسماليةُ للفردِ هي التي تتحكمُ في نهايةِ الروايةِ بمجرياتِ السردِ كفكرةٍ فكلُّ شيءٍّ في عالمِ الروايةِ يُعرّضُ في واجهاتِ الباعة.
قد يستمتعُ المُتلقي بجزئياتٍ على حسابِ العملِ كوحدةٍ موضوعيَّةٍ ,فالروايةُ قدْ تُحمَلُ على المجاز. عندما يًتعلَّقُ الأمر بالذاكرَةَ والضميرِ ومحاولةٍ لخلقِ أجواءٍ قريبةِ المدى للتعايشِ السلمِي معَ الذاتِ أولًّا ثُمَّ معَ المجتمع.ومِنْ هذهِ الروايةِ القصيرةِ نلاحظُ قوةَ ملاحظةِ الساردِ لبثِّ الروح في رتابةِ الأحداثِ مِنْ خلالِ جملةٍ مِنَ القواعدِ الإجرائيةِ , كالخيالِ واللغةِ والرمزيةِ وبثِّ روحِ الفلسفةِ وتشكيلِ منظومةٍ مِنَ الأُطرِ المعرفيَّةِ وتسخيرها لخدمةِ النص. في نهايةِ هذهِ المقدمة نرى جميعا بأنَّ الروايةَ رغم قصرها وفَّتْ بطرحِ معالمها وأوصلَتْ ما يريدهُ الساردُ بأمانة إلى المُتُلَقِّي.
دعوةُ القاص مؤيد الشاوي تعبيرٌ عنْ تنميطِ الخطابِ والإفلاتِ مِنَ النمطيِّ المتداول.يجتهدُ المُتلقِّي في قراءتِهِ الأولى للبحثِ عنْ تجنيسٍ مناسبٍ لقناعاتِهِ حتَّى يضعَ إشارةً لمستوى قراءتِهِ..
البدايةُ لافتةٌ بأنّ بابَ الدخولِ بعبارةِ مدائن الزجاج هو دخول بنفس ( قصيدة نثر).رغمَ تناول بعضِ التفعيلاتِ تقاربًا وتباعدًا في أكثر مِنْ رصدٍ قرائي متأنٍ.
فالمتقاربُ والمتداركُ يدخلانِ مِنَ اللاوعيِّ إلى هذا المنجز الذي لا يخلو أيضا من الرجز.
مدائن الزجاج …
أنيابٌ إسمنتية حادة ..
فيضان بشري صاخب
ومَنْ يُدققُ يجدُ غير تلك..
لم تعدْ آريا التي كنتُ أظنُّها رمزَ الفتاةِ النبيلةِ بل هي مكان تتأطر به اللبنات الأساسية للرواية القصيرة التي بين أيدينا.
الصفحةُ الأولى تشعلُ فتيلَ حربِ الجُملِ القصيرةِ التي تحملُ وجوها كثيرة ومتناوبة..
فما وراءَ مدنِ الزجاجِ حربٌ ظاهرةٌ للمُتبصرِ تفيضُ بكلِّ شيء ، حتى بدتِ الوجوهُ بمدٍّ بشري صاخبٍ ، وملامح الإنسان عبارة عن بنى بلا حدود.
الكائنُ البشري يدعونا في خِضَمِّ مجازاتِهِ فهو كائنٌ مُتوجسٌ قَلَبَ شعاعَ الأملَ وكوةِ السلامِ إلى دخولٍ أزلي في ظلامِ التاريخ وتباريحه المؤلمة..
والمدينةُ العُليا وامتدادِ الحقيقةِ هي محطُّ أنظارِ صوراتنا وهي تفتشُ عنِ الحقيقة
الخريطةُ التي تُؤشرُ حماقاتِ الزمنِ تُخبئُ صورَها في المتنِ لتعطي الهامشَ قيمته الأزلية في هذا الوجود.
يعمدُ الكاتبُ إلى زجِّ ما يمكنُ زجَّهُ مِنْ وجهاتِ نظرٍ ليبوحَ بمساحةٍ أكبرَ في خضمِ هذا التطور الهائل .
مؤيد الشاوي يجثمُ على صدورنا منفعلا ومستغلا الأمكنة المرعبة لدى اشاراته العميقة .
فالقبو السفلي والرصاصُ ، والعفنُ، والسوطُ والمقابرُ والجفافُ تشيرُ ولو من بعيدٍ إلى خلاصة العالم.
في داخلِ الروايةِ تقبعُ الرؤى وهي تقومُ بواجبِ الرقيبِ على فرضِ شروطٍ لحكمةِ الحياةِ وما يراد لها.
الألوانُ لا تشتري رغيفا هذه العبارة لا يمكن تفكيكها إلَّا بمعونةِ الكاتب ، إنَّه سرٌّ مِنْ أسرار المهنة .
يقدمُ الشاوي الفعلُ الحركي باعتبارهٍ أسُّ الحكي في الرواية.
تحريكُ الفعلِ الروائي والانغماسُ في وصفِ الأحداثِ، بلغةٍ موجزةٍ ليشعرَ القارئ بأقصرِ الطرقِ للوصول. هو وسطٌ فليسَ بالمملِّ وليسَ بالمقتضب.
كأنَّه هنا يرسمُ مشهدا يؤسسُ فيهِ للحدثِ القادم، مع ملاحظةِ الانتقال من مكانٍ إلى آخر في حركةٍ محسوبةٍ ومحسوسةٍ تتضمنُ جميعَ التفاصيلِ التي يراها صالحة للبوح.
ينطلقُ مِنَ الهدفِ بالحركةِ لخلقِ صراعٍ يُرادُ منهُ سحبَ المُتلقي إلى خطِّ النارِ والخوضُ في ماهيةِ الصراعِ الأبدي بينَ الإنسانِ والإنسانِ مِنْ جهةٍ وبينَ الإنسان والبيئة من جهة أخرى.
بعبارةٍ أخرى ، الساردُ يحاولُ خلقَ أفضلِ المساراتِ وربط الأفكار والحوارات مع بعضها بمسبباتها الواقعية والخيالية.
التحوِّلُ هو جوهرُ قضيةِ الكاتبِ وهو يتخطِّى هذا المشهد في تقنية رسم الأحداث .
لا يمكن أنْ تكونَ هناكَ رواية بلا أحداث ، وإنْ كانتْ قاصرةٌ على مُجردِ فكرةٍ .لأنَّ هذا الحدث يُعَبِّر عن قوى متماسكة مِنْ صنعِ الكاتبِ حيثُ تبدأ الأمور بها لتنتهي من خلال مرورها بالعرض التفصيلي للأحداث
أرادَ الشاوي بالحدثِ أنْ يُعزِّزَ أفكارَهُ التي تداخلت فيما
بينها ويجعلها في نمو مضطرد.
هذا الفعلُ يُمهدُ لخلقِ جوٍّ كثيفٍ مِنَ الصراعاتِ الجانبيةِ التي تقومُ على تقاتلِ الأفكار في الواقع .
والحدثُ هنا يهزُّ كيان المتلقي ويجعله على المحك في متابعة القراءة أو إيقافها.
السوي يصرخُ بوجهِ العالمِ مستحضرا الجمالَ قبال القبح والفعل قبال ردة الفعل والحركة قبال السكون
تضجُّ الذاكرةُ الواعيةُ باسترجاعاتٍ كثيرةٍ ينتشلها العقلٌ اللاواعي لخلقِ مفارقاتٍ تغيبُ حينا وتظهر أخرى.
ففي أكثرِ مِنْ وقفةٍ للكاتبِ نراهُ يبني حاجزا مؤقتا للأحداث المتسارعةِ مِنْ خلالِهِ المقصود الزمني في سلسلة من الأحداث مع ملاحظة قدرة المُتلقي في تتبع هذه الأحداث .
نعم هو يعيشُ الماضي ويدركُ قيمةَ الحاضر ويحاولُ أنْ يخلقَ ممرٍا ولو بسيطا للمستقبل المجهول غالبا.وذلكَ مِنْ خلالِ مجموعةٍ مِنَ الأحداثِ المتشابكة .
وهذا يؤيدُ ما هو مُتعارفُ عليهِ مِنْ أنَّ البُنية للزمان والمكان هي بنيةٌ تستندُ إلى مقولاتٍ كثيرةٍ وفلسفيةٍ كثيرةٍ في مجالِ الاسترجاعِ كالاستذكارِ وسبقِ الحدثِ والرجوعِ القسري إلى ما قبلَ الكتابة. يأتي مِنَ المحيطِ إلى الشاطئ ويعودُ إلى المحيطِ مِنْ ذاتِ الشاطئ في محاولةٍ لخلخلةِ نظامِ الروايةِ التي تقومُ على المفارقات والمفاجآت.
يشعرُ الكاتبُ بالحاجةِ إلى الذاتِ والتنفيسِ عنْ هواجسَ ما قبلَ الكتابة .
هذهِ الهواجسُ ربَّما تفقدُ مكانتِها مِنْ خلالِ السياقاتِ المتنوعةِ للحدثِ والمكانِ والزمانِ والوصف. فهو يدعو للوقوفِ طويلًا في جزئية وربط العلاقاتِ بينَ الأفعالِ وتشكيلِ ما يُسمَّى بالنسغ الصاعد. إذن نحن أمام نهايةُ مصالحةٍ معَ تساؤلاتٍ تنتهي وتنهي تشابك خيوط الحدث بلا تفاصيل دقيقة..ونهاية مفتوحةونهاية معقدة وغامضة
ونهاية غريبة ونهاية مصالحة.
التعليقات