رقصة الفجر
لم يكن يتخيّل أن الليلة التي طالما انتظرها ستصبح آخر ليالي الحلم. قبل أسابيع قليلة فقط، كانا يجلسان على ضفة دجلة، حيث تمتد الرمال الرطبة كأنها صفحة بيضاء تنتظر أن تُكتب عليها الحكايات. لم يكن معهما سوى صمت النهر، ونسيم الخريف، وبعض الأغصان اليابسة التي جمعاها ليشيدا منها بيتاً صغيراً فوق الرمل.
قال وهو يثبت غصناً عند مدخل البيت:
ـ سيأتي يوم نبني بيتاً يشبه هذا… قد يكون من طين، لكنه سيكون أوسع من الدنيا، لأنك ستكونين فيه.
ابتسمت وهي ترسم بإصبعها نافذة صغيرة على الجدار الرملي، ثم قالت:
ـ أخاف على هذا البيت.
ابتسم بثقة الشباب:
ـ من ماذا؟
رفعت نظرها نحو الماء الذي كان يمضي بلا التفات، وهمست:
ـ من كل شيء… من النهر إذا غضب، ومن الريح إذا هبّت، ومن الناس إذا قرروا أن أحلامنا لا تستحق الحياة.
ضحك يومها، ولم يدرك أن البشر قد يكونون أقدر على هدم البيوت من السيول. فلم تمضِ سوى أيام حتى جاءت الضربة، وصله الخبر متأخراً، كما تصل الأخبار التي تخشى الوجوه أن تحملها. لقد خُطبت لآخر. رفضت، وبكت، واحتجّت بأنها ما تزال صغيرة على الزواج، لكن الكلمة خرجت، وإذا خرجت الكلمة في بعض البيوت أصبحت أقوى من دموع البنات، وأثقل من قلوب الرجال.
لم يعلم أحد كيف عاد إلى الطريق. كان يسير، ولا يدري أين تقوده قدماه. البيوت تمر من حوله بلا ملامح، والأصوات تتكسر في أذنيه كأنها تأتي من مكان بعيد. حتى وجد نفسه، من غير قصد، أمام دجلة.
توقف طويلاً. كان النهر يجري كما اعتاد أن يجري، لا يتوقف لحزن أحد، ولا يلتفت إلى قلب انكسر على ضفته. جلس في المكان نفسه الذي شهد ولادة حلمهما، مدّ يده إلى الرمل، وراح يعيد رسم البيت الصغير.
جدار، ثم نافذة، ثم باب. وحين انتهى، ظل ينظر إليه طويلاً. لم يلبث أن انهار البيت تحت أصابعه.
تنهد وقال:
ـ حتى أنت… لم تنتظر كثيراً.
ساد الصمت، ثم رفع رأسه نحو النهر وسأله:
ـ أأنت الذي أخذتها مني؟
ظل الماء يمضي، كأن الأنهار لا تجيب إلا الذين تعلموا لغة الصمت. ابتسم بمرارة.
ـ أم أنك تعرف أن الأحلام الثقيلة لا تعبر إلى الضفة الأخرى؟
التقط حصاة صغيرة، وألقاها في الماء، تشكلت دوائر واسعة، ثم اختفت. قال وهو يتابعها:
ـ هكذا إذن… حتى الذكرى لا تعيش أكثر من دائرة فوق الماء.
هبّت نسمة خفيفة، فسقط الغصن الذي كان قد غرسه فوق البيت الرملي قبل أسابيع، تناوله بين يديه، وراح يقلبه.
ـ كنتُ أظنك سقفاً… فإذا بك شاهد قبر.
ثم نهض. كانت الشمس تميل نحو المغيب، وقد صبغ الشفق صفحة السماء بلون يشبه جمرة توشك أن تخمد. أدرك أن العودة إلى البيت تعني مواجهة أسئلة لا يملك لها جواباً. سيقرأ الجميع الهزيمة في وجهه قبل أن ينطق.
لذلك مضى نحو أطراف البساتين، حتى بلغ مضخة ماء قديمة تستخدم لري الحقول. جلس فوقها، كان هدير الماء المتبقي في الأنابيب يشبه أنيناً خافتاً. راح يستعيد تفاصيل الأيام الماضية. ضحكتها، البيت الرملي، الوعد الذي قاله لها، ثم أخذ يقارن نفسه بذلك الرجل الذي سيصبح زوجها.
لم يشعر نحوه بالكراهية، بل قال في سرّه:
ـ لعلّه لا يعرف أنه يسكن بيتاً شُيّد فوق أنقاض قلب آخر.
وسرعان ما أجاب نفسه:
ـ وما ذنبه؟ نحن جميعاً نمشي في طرق رسمتها الأقدار قبل أن نعرف أسماءنا.
رفع بصره نحو السماء، كانت نجمة وحيدة قد سبقت أخواتها. تمتم:
ـ أيتها النجمة… أخبريني، هل يضيع الحب إذا لم يكتمل؟ أم يبقى معلقاً بين الأرض والسماء، يبحث عمّن يؤمن به؟
ولم يجبه سوى صرير الصراصر، وهي تعلن بداية الليل. وما إن تجاوز الليل منتصفه، حتى خيّل إليه أن البيوت قد أطفأت فوانيسها، وأن التعب قد أسكت كل الأصوات.
نهض ببطء. كان يمشي كأن الزمن صار أثقل من قدميه. يتعمد إبطاء خطواته، وكأنه كلما تأخر، تأجلت الحقيقة. وحين اقترب من الدار، بدأ شيء غريب يتسلل إلى وعيه.
في البدء، سمع نغمة بعيدة، أشبه بصوت مزمار يتهادى مع النسيم، ثم لحقتها زغرودة طويلة.
توقف. أدار رأسه باحثاً عن مصدر الصوت، ولم تمض لحظات حتى انفتحت باحة الدار أمامه على مشهد لم يكن يشبه الليل الذي جاء منه. الفوانيس تتراقص فوق الجدران، الرجال يصطفون في حلقة واسعة، والنساء يوزعن التهاني والابتسامات.
ثم ارتفع صوت مألوف:
ـ أين العريس؟ لقد تأخرنا عليه.
التفت حوله، لم يجد أحداً سواه. ابتسم… للمرة الأولى منذ أن سمع خبر خطبتها، امتدت إليه الأيدي.
ـ تفضل… مكانك هنا.
دخل الحلقة كأنها كانت تنتظره منذ زمن بعيد، اصطفت الأكتاف إلى جواره، وتعانقت الأيدي، وانطلقت الدبكة. كان يضرب الأرض بقوة، لا ليوقظ الفرح، بل كأنه ينتزع من التراب حزنه القديم. وفي كل دورة، كان يشعر بأن الأرض تخف تحت قدميه. لم يعد يسمع سوى الإيقاع، ولم يعد يرى سوى وجه واحد. كانت تقف في آخر الباحة بثوب أبيض، يشع بهدوء الفجر.
ابتسمت له. قال، وهو يقترب منها:
ـ ألم ينهدم بيتنا؟
ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الفرح بالحزن، وقالت:
ـ البيوت التي تُبنى بالرمل تنهار… أما التي تُبنى في القلب، فلا يعرف أحد طريقها.
سألها بصوت مرتجف:
ـ إذن… لم ترحلي؟
قالت وهي تنظر نحو الأفق:
ـ الذين نحبهم لا يرحلون… نحن فقط نعجز عن الوصول إليهم.
امتدت يده نحوها، لكن المسافة بينهما أخذت تطول، وتراجعت هي شيئاً فشيئاً، والزغاريد بدأت تخفت، والفوانيس انطفأت واحدة بعد أخرى. أما الإيقاع، فقد تحول إلى طرقات ثقيلة، كأن أحداً يقرع باباً بعيداً. سمع صوتاً خافتاً:
ـ ولدي… إلى من تبتسم؟
ثم جاء الصوت مرة أخرى، أكثر قرباً:
ـ ما الذي تفعله هنا؟
فتح عينيه ببطء. كان الفجر قد بدأ يسكب ضوءه الأول على الحوش. وقف والده أمامه، ينظر إليه في حيرة، بينما بقيت أقدامه تغوص في التراب، كأنها كانت ترقص منذ زمن طويل. تلفّت حوله.
لا فوانيس…
لا دبكة…
لا ثوب أبيض…
فقط سكون الفجر، ورائحة التراب المبتل بنداه. ظل صامتاً، ثم رفع بصره نحو الشرق. كان خيط الضوء يمتد في البعيد، في الجهة التي يمضي إليها دجلة كل صباح.
ابتسم، ابتسامة صغيرة، لم يعرف والده لمن كانت. ثم اتجه بخطوات هادئة نحو الطريق المؤدي إلى النهر، لم ينادِه أحد، ولم يلتفت هو إلى الوراء.
أما الفجر… فكان يواصل رقصته الهادئة فوق صفحة الماء، كأن شيئاً لم يحدث. وبقي السؤال معلقاً في المكان…
هل كان يودّع آخر أحلامه؟ أم كان للمرة الأولى يتعلّم كيف يعيش معها؟
رقصة الفجر
رقصة الفجر
لم يكن يتخيّل أن الليلة التي طالما انتظرها ستصبح آخر ليالي الحلم. قبل أسابيع قليلة فقط، كانا يجلسان على ضفة دجلة، حيث تمتد الرمال الرطبة كأنها صفحة بيضاء تنتظر أن تُكتب عليها الحكايات. لم يكن معهما سوى صمت النهر، ونسيم الخريف، وبعض الأغصان اليابسة التي جمعاها ليشيدا منها بيتاً صغيراً فوق الرمل.
قال وهو يثبت غصناً عند مدخل البيت:
ـ سيأتي يوم نبني بيتاً يشبه هذا… قد يكون من طين، لكنه سيكون أوسع من الدنيا، لأنك ستكونين فيه.
ابتسمت وهي ترسم بإصبعها نافذة صغيرة على الجدار الرملي، ثم قالت:
ـ أخاف على هذا البيت.
ابتسم بثقة الشباب:
ـ من ماذا؟
رفعت نظرها نحو الماء الذي كان يمضي بلا التفات، وهمست:
ـ من كل شيء… من النهر إذا غضب، ومن الريح إذا هبّت، ومن الناس إذا قرروا أن أحلامنا لا تستحق الحياة.
ضحك يومها، ولم يدرك أن البشر قد يكونون أقدر على هدم البيوت من السيول. فلم تمضِ سوى أيام حتى جاءت الضربة، وصله الخبر متأخراً، كما تصل الأخبار التي تخشى الوجوه أن تحملها. لقد خُطبت لآخر. رفضت، وبكت، واحتجّت بأنها ما تزال صغيرة على الزواج، لكن الكلمة خرجت، وإذا خرجت الكلمة في بعض البيوت أصبحت أقوى من دموع البنات، وأثقل من قلوب الرجال.
لم يعلم أحد كيف عاد إلى الطريق. كان يسير، ولا يدري أين تقوده قدماه. البيوت تمر من حوله بلا ملامح، والأصوات تتكسر في أذنيه كأنها تأتي من مكان بعيد. حتى وجد نفسه، من غير قصد، أمام دجلة.
توقف طويلاً. كان النهر يجري كما اعتاد أن يجري، لا يتوقف لحزن أحد، ولا يلتفت إلى قلب انكسر على ضفته. جلس في المكان نفسه الذي شهد ولادة حلمهما، مدّ يده إلى الرمل، وراح يعيد رسم البيت الصغير.
جدار، ثم نافذة، ثم باب. وحين انتهى، ظل ينظر إليه طويلاً. لم يلبث أن انهار البيت تحت أصابعه.
تنهد وقال:
ـ حتى أنت… لم تنتظر كثيراً.
ساد الصمت، ثم رفع رأسه نحو النهر وسأله:
ـ أأنت الذي أخذتها مني؟
ظل الماء يمضي، كأن الأنهار لا تجيب إلا الذين تعلموا لغة الصمت. ابتسم بمرارة.
ـ أم أنك تعرف أن الأحلام الثقيلة لا تعبر إلى الضفة الأخرى؟
التقط حصاة صغيرة، وألقاها في الماء، تشكلت دوائر واسعة، ثم اختفت. قال وهو يتابعها:
ـ هكذا إذن… حتى الذكرى لا تعيش أكثر من دائرة فوق الماء.
هبّت نسمة خفيفة، فسقط الغصن الذي كان قد غرسه فوق البيت الرملي قبل أسابيع، تناوله بين يديه، وراح يقلبه.
ـ كنتُ أظنك سقفاً… فإذا بك شاهد قبر.
ثم نهض. كانت الشمس تميل نحو المغيب، وقد صبغ الشفق صفحة السماء بلون يشبه جمرة توشك أن تخمد. أدرك أن العودة إلى البيت تعني مواجهة أسئلة لا يملك لها جواباً. سيقرأ الجميع الهزيمة في وجهه قبل أن ينطق.
لذلك مضى نحو أطراف البساتين، حتى بلغ مضخة ماء قديمة تستخدم لري الحقول. جلس فوقها، كان هدير الماء المتبقي في الأنابيب يشبه أنيناً خافتاً. راح يستعيد تفاصيل الأيام الماضية. ضحكتها، البيت الرملي، الوعد الذي قاله لها، ثم أخذ يقارن نفسه بذلك الرجل الذي سيصبح زوجها.
لم يشعر نحوه بالكراهية، بل قال في سرّه:
ـ لعلّه لا يعرف أنه يسكن بيتاً شُيّد فوق أنقاض قلب آخر.
وسرعان ما أجاب نفسه:
ـ وما ذنبه؟ نحن جميعاً نمشي في طرق رسمتها الأقدار قبل أن نعرف أسماءنا.
رفع بصره نحو السماء، كانت نجمة وحيدة قد سبقت أخواتها. تمتم:
ـ أيتها النجمة… أخبريني، هل يضيع الحب إذا لم يكتمل؟ أم يبقى معلقاً بين الأرض والسماء، يبحث عمّن يؤمن به؟
ولم يجبه سوى صرير الصراصر، وهي تعلن بداية الليل. وما إن تجاوز الليل منتصفه، حتى خيّل إليه أن البيوت قد أطفأت فوانيسها، وأن التعب قد أسكت كل الأصوات.
نهض ببطء. كان يمشي كأن الزمن صار أثقل من قدميه. يتعمد إبطاء خطواته، وكأنه كلما تأخر، تأجلت الحقيقة. وحين اقترب من الدار، بدأ شيء غريب يتسلل إلى وعيه.
في البدء، سمع نغمة بعيدة، أشبه بصوت مزمار يتهادى مع النسيم، ثم لحقتها زغرودة طويلة.
توقف. أدار رأسه باحثاً عن مصدر الصوت، ولم تمض لحظات حتى انفتحت باحة الدار أمامه على مشهد لم يكن يشبه الليل الذي جاء منه. الفوانيس تتراقص فوق الجدران، الرجال يصطفون في حلقة واسعة، والنساء يوزعن التهاني والابتسامات.
ثم ارتفع صوت مألوف:
ـ أين العريس؟ لقد تأخرنا عليه.
التفت حوله، لم يجد أحداً سواه. ابتسم… للمرة الأولى منذ أن سمع خبر خطبتها، امتدت إليه الأيدي.
ـ تفضل… مكانك هنا.
دخل الحلقة كأنها كانت تنتظره منذ زمن بعيد، اصطفت الأكتاف إلى جواره، وتعانقت الأيدي، وانطلقت الدبكة. كان يضرب الأرض بقوة، لا ليوقظ الفرح، بل كأنه ينتزع من التراب حزنه القديم. وفي كل دورة، كان يشعر بأن الأرض تخف تحت قدميه. لم يعد يسمع سوى الإيقاع، ولم يعد يرى سوى وجه واحد. كانت تقف في آخر الباحة بثوب أبيض، يشع بهدوء الفجر.
ابتسمت له. قال، وهو يقترب منها:
ـ ألم ينهدم بيتنا؟
ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الفرح بالحزن، وقالت:
ـ البيوت التي تُبنى بالرمل تنهار… أما التي تُبنى في القلب، فلا يعرف أحد طريقها.
سألها بصوت مرتجف:
ـ إذن… لم ترحلي؟
قالت وهي تنظر نحو الأفق:
ـ الذين نحبهم لا يرحلون… نحن فقط نعجز عن الوصول إليهم.
امتدت يده نحوها، لكن المسافة بينهما أخذت تطول، وتراجعت هي شيئاً فشيئاً، والزغاريد بدأت تخفت، والفوانيس انطفأت واحدة بعد أخرى. أما الإيقاع، فقد تحول إلى طرقات ثقيلة، كأن أحداً يقرع باباً بعيداً. سمع صوتاً خافتاً:
ـ ولدي… إلى من تبتسم؟
ثم جاء الصوت مرة أخرى، أكثر قرباً:
ـ ما الذي تفعله هنا؟
فتح عينيه ببطء. كان الفجر قد بدأ يسكب ضوءه الأول على الحوش. وقف والده أمامه، ينظر إليه في حيرة، بينما بقيت أقدامه تغوص في التراب، كأنها كانت ترقص منذ زمن طويل. تلفّت حوله.
لا فوانيس…
لا دبكة…
لا ثوب أبيض…
فقط سكون الفجر، ورائحة التراب المبتل بنداه. ظل صامتاً، ثم رفع بصره نحو الشرق. كان خيط الضوء يمتد في البعيد، في الجهة التي يمضي إليها دجلة كل صباح.
ابتسم، ابتسامة صغيرة، لم يعرف والده لمن كانت. ثم اتجه بخطوات هادئة نحو الطريق المؤدي إلى النهر، لم ينادِه أحد، ولم يلتفت هو إلى الوراء.
أما الفجر… فكان يواصل رقصته الهادئة فوق صفحة الماء، كأن شيئاً لم يحدث. وبقي السؤال معلقاً في المكان…
هل كان يودّع آخر أحلامه؟ أم كان للمرة الأولى يتعلّم كيف يعيش معها؟
التعليقات