أسطرة المجرم في سيرة آل كابوني

صورة الكاتب
بقلم: علي جبار عطية
التاريخ: 9 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3249
أسطرة المجرم في سيرة آل كابوني
أسطرة المجرم في سيرة آل كابوني
من الظواهر المحيرة هي ظاهرة الشعبية التي يحظى بها المجرمون عبر التاريخ، وأسطرتها ونمذجتها عبر الحكايات الشفوية، ووسائل الإعلام والأدب والفن والسينما وهي تشكل مادةً دسمةً للتناول لدوافع شتى من بينها محاولة التعبير عن رفض الأفراد للسلطة بأنواعها، والتنفيس عن ذلك عبر ترميز المجرمين أو لعلَّها عملية تعويض عن ميول عدوانية للانتقام من المجتمع أو غير ذلك.  والمجرم شخص يرتكب فعلًا مخالفًا للقانون سواءً كان قانونًا وضعيًا أو سماويًا أو اجتماعيًا على اختلاف المدارس الفكرية.  وعلم الإجرام هو العلم الذي يدرس الظاهرة الإجرامية، وأنماط السلوك الإجرامي.  من بين تلك الشخصيات المثيرة للجدل خلال القرن الماضي توقفتُ عند شخصية الفونس غابرييل كابوني المعروف بـ(آل كابوني) والمشهور بملك شيكاغو، وهو إيطالي ولد في نيويورك، ولكنَّه برز في شيكاغو، واستفاد من قانون حظر الكحول في الولايات المتحدة الأمريكية الذي شرع وطبق من سنة ١٩٢٠م وحتى سنة ١٩٣٣م ليعمل في تهريب الكحول، والأعمال المخالفة للقانون كالدعارة، والتسليب، والقتل، وتجارة الأسلحة بخاصة في الصراع المسلح بين بوليفيا وبارغواي سنوات (١٩٣٢م ــ ١٩٣٥م)، و ميزته أنَّه حريص على ألا يترك دليلًا على جرائمه، ويستطيع السيطرة على علية القوم، واختراق أجهزة الشرطة، ويتمتع بشخصية متناقضة فهو يقتل بدم بارد، ويعطف على العوائل الفقيرة !  مثل هذه الشخصية المثيرة تناولتها الدراما فقد جُسدت شخصية آل كابوني في أعمال درامية منها الفيلم الأمريكي (المنبوذون) /١٩٨٧م للمخرج بريان دي بالما وجسده روبرت دي نيرو، وكذلك فيلم (كابوني) /٢٠٢٠م للمخرج جوش ترانك، وبطولة توم هاردي،وهناك مسلسل تلفزيوني درامي أمريكي طويل (من ٥٦ حلقة) عنوانه (إمبراطورية الممر الخشبي)/٢٠١٠م من تأليف وإنتاج تيرينيس وينتر واشترك في إخراجه وإنتاجه مارتن سكورسيزي، تناول العلاقات المعقدة بين الطبقة السياسية والمجرمين وعصابات الجريمة المنظمة.  ومن الكتب المهمة بهذا الصدد كتاب (كابوني: الرجل والعصر) /١٩٩٤م  للكاتب لورنس بيرغرين الذي يوصف بأنَّه واحد من أدق وأشمل السير الذاتية التي تناولت حياة رجل العصابات الأمريكي الشهير آل كابوني. وصعوده من القاع إلى قمة الجريمة المنظمة، وعلاقاته الفاسدة مع السياسيين والشرطة فضلًا عن سقوطه ومحاكمته بتهمة التهرب الضريبي، وليس لجرائمه الفظيعة .  كذلك ظهر كتاب المؤرخ والصحفي الأمريكي براين بورو (الأعداء العامون)/٢٠٠٤م .  أما كتاب (آل كابون.. حياتي.. سيرة من دم) الذي بين يديَّ فقد نقله إلى العربية إسكندر حمدان وصدر عن دار (إبداع)/٢٠٢١م /القاهرة وجاء في ٢٠٨ صفحات من القطع المتوسط.  في هذا الكتاب يتناول آل كابوني (١٨٩٩م ــ ١٩٤٧م) كأشهر شخصية في عالم الجريمة المنظمة، وقد حظي عند موته بأحسن تابوت من البرونز، وشيعه راكبو مئة سيارة كاديلاك منهم من رفقائه السابقين في سجن الكاتراز إلى الكنيسة الكاثوليكية حتى قيل (لم يحظ أي مجرم من قبل بنهاية بهذا المجد).  لم يُعرف عن آل كابوني بأنه كان كاتبًا أو يدوّن مذكرات أو له كاتب ظل إنّما المرجح أنَّ هذا الكتاب استُل من محاضر التحقيقات التي أجريت معه أو من الحوارات الصحفية وما نشرته وسائل الإعلام وقتها ولعلَّ هناك كاتبًا خفيًا صاغ الحكايات وهي لا تخرج مما حدث بالفعل، وتطابق ما كتبه بعض الذين تناولوا سيرة آل كابوني. في هذا الكتاب يعترف آل كابوني بالقول :(إني لم أكن دائمًا ملتزمًا بالقانون فذلك لأنَّني لطالما التقيت بطريقي أفرادًا أرادوا فرض قانونهم عليَّ). وتقوم فلسفته في الانتقام ببطء، يقول :(الانتقام برأيي طبق يؤكل باردًا). ومع كل المجد المزيف الذي حققه خلال حياته في أعمال الرذيلة إلا أنَّ المثير للدهشة أنَّ القضاء الأمريكي لم يجد تهمةً يوجهها له سوى التهرب الضريبي، وقد حوكم بها سنة ١٩٣١م وأُدين، وكانت العقوبة السجن أحد عشر سنة قضى منها أكثر من سبع سنوات ليخرج، ويمضي ما تبقى من حياته في أعمال لا تخلو من مخالفات وتلاحقه سمعته السيئة أما نهايته فكانت بداء (الزهري).   يقول في نهاية مذكراته :(لم أعشق أبدًا الحياة بهذه القوة إلا عندما أحسست نفسي شديد القرب من الموت). ومع فظاعة جرائمه إلا أنَّه يدعي التدين  يقول : (ربما غدًا أو بعد غد أو الأسبوع المقبل سأذهب لأحاسب عند الرب لأنَّي لطالما بقيت شديد التدين، علموني دائمًا حتى عندما كنت لا أزال في نابولي أنَّه عاجلًا أم آجلًا يجب على المرء فرز حساباته).  أما النتيجة التي ينتهي إليها القارئ في هذا الكتاب أو نظائره فهي معرفة كيف تسير الأمور في المجتمع الأمريكي، ومراكز القوى، ومقاييس النجاح والبطولة فيه، الأمر الذي يسهم في فهم آليات اتخاذ القرار هناك فيقل عنصر المفاجآت و الدهشة في ما يتلقى من مواد إعلامية فالمجتمع الذي يقدر المجرم أكثر من تقديره للعالم أو الأديب أو الفنان يساعد بلا شك على ازدهار الجريمة.

عن الکاتب / الکاتبة

علي جبار عطية
علي جبار عطية
ناقد . صحفي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أسطرة المجرم في سيرة آل كابوني

بقلم: علي جبار عطية | التاريخ: 9 أغسطس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

أسطرة المجرم في سيرة آل كابوني
من الظواهر المحيرة هي ظاهرة الشعبية التي يحظى بها المجرمون عبر التاريخ، وأسطرتها ونمذجتها عبر الحكايات الشفوية، ووسائل الإعلام والأدب والفن والسينما وهي تشكل مادةً دسمةً للتناول لدوافع شتى من بينها محاولة التعبير عن رفض الأفراد للسلطة بأنواعها، والتنفيس عن ذلك عبر ترميز المجرمين أو لعلَّها عملية تعويض عن ميول عدوانية للانتقام من المجتمع أو غير ذلك.  والمجرم شخص يرتكب فعلًا مخالفًا للقانون سواءً كان قانونًا وضعيًا أو سماويًا أو اجتماعيًا على اختلاف المدارس الفكرية.  وعلم الإجرام هو العلم الذي يدرس الظاهرة الإجرامية، وأنماط السلوك الإجرامي.  من بين تلك الشخصيات المثيرة للجدل خلال القرن الماضي توقفتُ عند شخصية الفونس غابرييل كابوني المعروف بـ(آل كابوني) والمشهور بملك شيكاغو، وهو إيطالي ولد في نيويورك، ولكنَّه برز في شيكاغو، واستفاد من قانون حظر الكحول في الولايات المتحدة الأمريكية الذي شرع وطبق من سنة ١٩٢٠م وحتى سنة ١٩٣٣م ليعمل في تهريب الكحول، والأعمال المخالفة للقانون كالدعارة، والتسليب، والقتل، وتجارة الأسلحة بخاصة في الصراع المسلح بين بوليفيا وبارغواي سنوات (١٩٣٢م ــ ١٩٣٥م)، و ميزته أنَّه حريص على ألا يترك دليلًا على جرائمه، ويستطيع السيطرة على علية القوم، واختراق أجهزة الشرطة، ويتمتع بشخصية متناقضة فهو يقتل بدم بارد، ويعطف على العوائل الفقيرة !  مثل هذه الشخصية المثيرة تناولتها الدراما فقد جُسدت شخصية آل كابوني في أعمال درامية منها الفيلم الأمريكي (المنبوذون) /١٩٨٧م للمخرج بريان دي بالما وجسده روبرت دي نيرو، وكذلك فيلم (كابوني) /٢٠٢٠م للمخرج جوش ترانك، وبطولة توم هاردي،وهناك مسلسل تلفزيوني درامي أمريكي طويل (من ٥٦ حلقة) عنوانه (إمبراطورية الممر الخشبي)/٢٠١٠م من تأليف وإنتاج تيرينيس وينتر واشترك في إخراجه وإنتاجه مارتن سكورسيزي، تناول العلاقات المعقدة بين الطبقة السياسية والمجرمين وعصابات الجريمة المنظمة.  ومن الكتب المهمة بهذا الصدد كتاب (كابوني: الرجل والعصر) /١٩٩٤م  للكاتب لورنس بيرغرين الذي يوصف بأنَّه واحد من أدق وأشمل السير الذاتية التي تناولت حياة رجل العصابات الأمريكي الشهير آل كابوني. وصعوده من القاع إلى قمة الجريمة المنظمة، وعلاقاته الفاسدة مع السياسيين والشرطة فضلًا عن سقوطه ومحاكمته بتهمة التهرب الضريبي، وليس لجرائمه الفظيعة .  كذلك ظهر كتاب المؤرخ والصحفي الأمريكي براين بورو (الأعداء العامون)/٢٠٠٤م .  أما كتاب (آل كابون.. حياتي.. سيرة من دم) الذي بين يديَّ فقد نقله إلى العربية إسكندر حمدان وصدر عن دار (إبداع)/٢٠٢١م /القاهرة وجاء في ٢٠٨ صفحات من القطع المتوسط.  في هذا الكتاب يتناول آل كابوني (١٨٩٩م ــ ١٩٤٧م) كأشهر شخصية في عالم الجريمة المنظمة، وقد حظي عند موته بأحسن تابوت من البرونز، وشيعه راكبو مئة سيارة كاديلاك منهم من رفقائه السابقين في سجن الكاتراز إلى الكنيسة الكاثوليكية حتى قيل (لم يحظ أي مجرم من قبل بنهاية بهذا المجد).  لم يُعرف عن آل كابوني بأنه كان كاتبًا أو يدوّن مذكرات أو له كاتب ظل إنّما المرجح أنَّ هذا الكتاب استُل من محاضر التحقيقات التي أجريت معه أو من الحوارات الصحفية وما نشرته وسائل الإعلام وقتها ولعلَّ هناك كاتبًا خفيًا صاغ الحكايات وهي لا تخرج مما حدث بالفعل، وتطابق ما كتبه بعض الذين تناولوا سيرة آل كابوني. في هذا الكتاب يعترف آل كابوني بالقول :(إني لم أكن دائمًا ملتزمًا بالقانون فذلك لأنَّني لطالما التقيت بطريقي أفرادًا أرادوا فرض قانونهم عليَّ). وتقوم فلسفته في الانتقام ببطء، يقول :(الانتقام برأيي طبق يؤكل باردًا). ومع كل المجد المزيف الذي حققه خلال حياته في أعمال الرذيلة إلا أنَّ المثير للدهشة أنَّ القضاء الأمريكي لم يجد تهمةً يوجهها له سوى التهرب الضريبي، وقد حوكم بها سنة ١٩٣١م وأُدين، وكانت العقوبة السجن أحد عشر سنة قضى منها أكثر من سبع سنوات ليخرج، ويمضي ما تبقى من حياته في أعمال لا تخلو من مخالفات وتلاحقه سمعته السيئة أما نهايته فكانت بداء (الزهري).   يقول في نهاية مذكراته :(لم أعشق أبدًا الحياة بهذه القوة إلا عندما أحسست نفسي شديد القرب من الموت). ومع فظاعة جرائمه إلا أنَّه يدعي التدين  يقول : (ربما غدًا أو بعد غد أو الأسبوع المقبل سأذهب لأحاسب عند الرب لأنَّي لطالما بقيت شديد التدين، علموني دائمًا حتى عندما كنت لا أزال في نابولي أنَّه عاجلًا أم آجلًا يجب على المرء فرز حساباته).  أما النتيجة التي ينتهي إليها القارئ في هذا الكتاب أو نظائره فهي معرفة كيف تسير الأمور في المجتمع الأمريكي، ومراكز القوى، ومقاييس النجاح والبطولة فيه، الأمر الذي يسهم في فهم آليات اتخاذ القرار هناك فيقل عنصر المفاجآت و الدهشة في ما يتلقى من مواد إعلامية فالمجتمع الذي يقدر المجرم أكثر من تقديره للعالم أو الأديب أو الفنان يساعد بلا شك على ازدهار الجريمة.