جواز الطمأنينة المفقود 

صورة الكاتب
بقلم: حنان النشمي
التاريخ: 9 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3470
جواز الطمأنينة المفقود 

 

جواز الطمأنينة المفقود 

كُل ما بي الآن يحتاجُ إلى توضيحٍ..

غير أني لا أملك تلك الجرأة التي عوّدتكِ عليها مني، إذ سقطتُ فريسة في شِباك الصدمة الأخيرة التي تركها رحيلي عندكِ، هذا التوضيح يحتاجُ إلى فهمٍ/ جهدٍ أيضًا يا آمنة…. وأنتِ أكثر من يدرك معنى أن يكون الإنسان قاتلًا لنفسِه بطموحِه؟

لهذا قررتُ أن أعيش بهدنةٍ طويلة، هدنة حيادية باردة، حتى صرتُ خالية مني، فكُل ما أذكره أني خرجتُ من شرنقةٍ في أواخر ديسمبر، لكني أين اختفيتُ الآن؟ وأذكر أني في يناير الجاف كُنتُ هُناك.. فلماذا الآن أنا مُبللة بالحنين إلى جملة الاستدراكات؟ كان أولها في محطة القطار على مقعد الانتظار برفقة كبيرة السن الغريبة، وقتذاك تفطنتُ إلى ما فعلتُه معي كان أشبه بالجريمة، وأنا المدانة فيها، كُنتُ وحدي القاتل والشاهد والقاضي، كنتُ المحامي والمضطهد والمتهم… كنتُهم كُلهم أنا!

ثرتُ على نفسي بالاحتجاجات والمطالبات، ورفعتُ معي محاولات الرفض المزمنة، هُناك في المحطة، لوحتُ بمنديل القرار وتبددتُ في فوضى العقل، ولملمتني أحلامي ثم أسقطت لعنتها عليّ، أعرفُ أن مأساتي لا تهون عليكِ، ولا تهون على شجرةِ الصبار التي تنصتت لحديثي وكانت تسخر من إلحاحي، وقتذاك سقط الملح من عيني وشربته مسامات حديقتكِ، فكيف حال الشجيرات الآن؟ ولماذا أكتب لك كُل هذا؟ أنتِ تحديدًا.. رغم معرفتي أن ما من لقاءٍ قريب سيجمعنا!

وأنت تدركين أن هبوط قدري عليكِ لم يكن فجائيًا، لكنه جاء في اللحظة التي احتجتُ فيها أن يشرع لساني بالشرحِ.. فيا صديقتي، أردت أن أهبك بعض أقمصة الصبر، فارتديها، فما زال عندي الكثير من القوة، سأهبكِ بعضها إن شئتِ، قوة تمكّنكِ بقية عمركِ من ألا تخسري أيّ معركةٍ، ولا سيما معارك الصيف الحارقة التي لا تحتملينها، غير أني أعرف أنكِ تُحبين البحر، وعلى وجه التحديد بحر “المهدية”

هُناك على البحرِ…. ما زلتُ أذكر (الجبّانة) وزغاريد الموتى يوم العيد حينما مررنا من بينهم كانوا هادئين جدًا، ويبدو لي أنهم ابتسموا في وجه الوفد الذي رافق العروس.. في ثانيةٍ خاطفة، لم أحتمل قوة هذه الصورة الشعرية، بحر أزرق/ قبر أسمر/ عرس أبيض! أفزعتني من هذه الثانية، قهقهات استمتاعهم، ونكاية بنا نحن الأحياء تركوا القسوة واللامعقولية لنا، لقد احتاطوا هم بالعقلانية، وورثونا “جواز الطمأنينة” ووجوب الرضا بكُل خسارةٍ مع احتضانها بالترحاب اللازم.

أما عن أيّامي الآن، فقد خُضبت بطلبِ العِلم، وهذه أولى بشائري إليكِ، واقرئي رسالتي هذه على مسامعِ الجدة “عجمية” وقولي لها: العراقية تشتاق لملوخيتكِ المحرحرة، شوقًا تخافُ أن يتبدد مع الأيّام ويضمحل، شوقًا ترجو أن يبقى مُلتهبًا، بعد صباحات طويلة حدّثتُ أمي عن تنور أمّكِ الطيني، عن خبزها المعجون بالعافية، وعن ملحها المنذور لله، أخبريني يا لبة القلب: أقدامي هنا.. فهل آثاري هناك؟ في بستان الزيتون الذي عرّاه الخريف؟

إيه.. إيه يا ليتني أنتزع الشتاء بأسنان الاحتجاج قبل أن يسلبنا الظلال، فكأنني باتساع الحزن مسؤولة عن تناقض الفصول وتناقص الحظوظ، بينما البرد ممدد في عروقي الآن، تذكرتُ تلك الأيام الساخنة التي نمتُ فيها على حصيرٍ أبحث عن بقعة باردة في خرائط إفريقيا، وتأنيب الخالة الداوي: (كيفاش) للضيف أن ينام فوق حصيرة؟ أين فراش الريش؟.. ظننتُ نفسي كائنًا فضائيًا حينها، وكأنني لم أنم طيلة حياتي فوق حصير، وبين السطح والحديقة خلال الأيام الصيفية في بغداد قبل أن نعرف المولدات الكهربائية.. فرحتُ جدًا بتلك الحياة البسيطة رغم أنها كانت أيامًا قليلة، لكنها كانت مملوءة بالضحكات التي طيَّرتني بين أغصان شجرة اللوز المتوسطة داركم.. ولصوت (بو زنان) المزعج، كُنتُ كالريشة بينكم، أتنقل بين المطبخ والتوابل التي تشبّعتُ بها، وبين شجرة التفاح الحامض التي تكرهينها.. وبين الحانوت و الطاجين الذي أعشقه..

يا آمنة، صوتكِ ما زال محمولًا فوق مراكب أُذني، وعيوني تذوب كالشموع كلما تذكرتكِ، هنا حنينٌ لهناك، تلك اللحظات أبقتني كالقارئة العنيدة والوحيدة مع الكلمات هذه المرة، لم أستطع النوم منذ ذكريات، مخبولة بشيء طارئ لم أعهده من قبل، شيء يؤرجحني بين القلق والغاية،  مسكين هذا القلق!

ماذا لو عرف الإنسان مجهولًا واحدًا من مجاهيل الدهر، ماذا كان سيفعل؟ هل يجرؤ ويتحدى قلقه؟ أم تتناقص مخاوفه مما يمكن حدوثه؟ لماذا نحن ممنوعون إلى هذا الحد من معرفة المصير؟

فأخبرتني: بأنك تأخذين تجاربكِ على محمل الجد، مضطرة للحفاظ على أصابع الحذر كي لا تُستخدم ضدكِ، ملتزمة بالشك في كل الأحداث كخطوة استباقية لرفض الموقف الساخر، في الحقيقةِ.. أعجبتني مواقفكِ الشرسة من جانب الحياة؛ كان ذلك جانبًا واحدًا.. فماذا عن الجوانب الثلاثة المتبقية؟ ماذا ستفعلين معها؟ ماذا يدور في رأسكِ الآن؟ فضولٌ يجزم نفسه بالإلحاح.

ومع هذا .. وفي كل الحالات السوداء الطارئة، الأشد إيلامًا لعديدٍ من الاحتمالات غير الناضجة، سقطتُ سهوًا من عقل مفكر صغير مقتدر -بشكل شبه مؤكد- لمعنى الكلمة وأبعادها الرباعية في وقع النفس البشرية، وهذا ما ميزه عنهم كلهم. وأنتِ أخبريني، بماذا تميزتِ؟ أنا أعرف، لكن هل تعرفين مقدار معرفتي تلك؟ ما الأفعال التي حفظتِها عني غير اتخاذ أسراري مخابئ بين انعكاسات الخطوط في راحة يدكِ؟ ذكرّيني بفعل آخر قمتُ به معكِ على سبيل الرسالة.

أيتها القابعة في ذاكرتي.. من فرط نضجي أنجبتُ سحبًا طويلة، ونثرتُ الغيث في الأزقة، وحكتُ للعصافير أعشاشًا في كل روح وفؤاد، أنا أجاهد كي تبقوا أمامي وليس على الكاغدِ، دافئ هذا الشتاء بذكرياتكم، كلما نظرتُ إلى داخلي رأيتكم وتغطيتُ بكم.. أتحدث مع نفسي، فتعجبني ردودكم.

 

عن الکاتب / الکاتبة

حنان النشمي
حنان النشمي
شاعرة وقاصة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

ريبوزي (منقوص الأوكسجين)

ريبوزي (منقوص الأوكسجين)

ريبوزي (منقوص الأوكسجين) في مجاز المقابر عبثوا الأحياء.. فـي خضم الأيَّام، هاجرت طيور الأسئلة عن…

صورة الكاتب حنان النشمي
26 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جواز الطمأنينة المفقود 

بقلم: حنان النشمي | التاريخ: 9 أغسطس 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

 

جواز الطمأنينة المفقود 

كُل ما بي الآن يحتاجُ إلى توضيحٍ..

غير أني لا أملك تلك الجرأة التي عوّدتكِ عليها مني، إذ سقطتُ فريسة في شِباك الصدمة الأخيرة التي تركها رحيلي عندكِ، هذا التوضيح يحتاجُ إلى فهمٍ/ جهدٍ أيضًا يا آمنة…. وأنتِ أكثر من يدرك معنى أن يكون الإنسان قاتلًا لنفسِه بطموحِه؟

لهذا قررتُ أن أعيش بهدنةٍ طويلة، هدنة حيادية باردة، حتى صرتُ خالية مني، فكُل ما أذكره أني خرجتُ من شرنقةٍ في أواخر ديسمبر، لكني أين اختفيتُ الآن؟ وأذكر أني في يناير الجاف كُنتُ هُناك.. فلماذا الآن أنا مُبللة بالحنين إلى جملة الاستدراكات؟ كان أولها في محطة القطار على مقعد الانتظار برفقة كبيرة السن الغريبة، وقتذاك تفطنتُ إلى ما فعلتُه معي كان أشبه بالجريمة، وأنا المدانة فيها، كُنتُ وحدي القاتل والشاهد والقاضي، كنتُ المحامي والمضطهد والمتهم… كنتُهم كُلهم أنا!

ثرتُ على نفسي بالاحتجاجات والمطالبات، ورفعتُ معي محاولات الرفض المزمنة، هُناك في المحطة، لوحتُ بمنديل القرار وتبددتُ في فوضى العقل، ولملمتني أحلامي ثم أسقطت لعنتها عليّ، أعرفُ أن مأساتي لا تهون عليكِ، ولا تهون على شجرةِ الصبار التي تنصتت لحديثي وكانت تسخر من إلحاحي، وقتذاك سقط الملح من عيني وشربته مسامات حديقتكِ، فكيف حال الشجيرات الآن؟ ولماذا أكتب لك كُل هذا؟ أنتِ تحديدًا.. رغم معرفتي أن ما من لقاءٍ قريب سيجمعنا!

وأنت تدركين أن هبوط قدري عليكِ لم يكن فجائيًا، لكنه جاء في اللحظة التي احتجتُ فيها أن يشرع لساني بالشرحِ.. فيا صديقتي، أردت أن أهبك بعض أقمصة الصبر، فارتديها، فما زال عندي الكثير من القوة، سأهبكِ بعضها إن شئتِ، قوة تمكّنكِ بقية عمركِ من ألا تخسري أيّ معركةٍ، ولا سيما معارك الصيف الحارقة التي لا تحتملينها، غير أني أعرف أنكِ تُحبين البحر، وعلى وجه التحديد بحر “المهدية”

هُناك على البحرِ…. ما زلتُ أذكر (الجبّانة) وزغاريد الموتى يوم العيد حينما مررنا من بينهم كانوا هادئين جدًا، ويبدو لي أنهم ابتسموا في وجه الوفد الذي رافق العروس.. في ثانيةٍ خاطفة، لم أحتمل قوة هذه الصورة الشعرية، بحر أزرق/ قبر أسمر/ عرس أبيض! أفزعتني من هذه الثانية، قهقهات استمتاعهم، ونكاية بنا نحن الأحياء تركوا القسوة واللامعقولية لنا، لقد احتاطوا هم بالعقلانية، وورثونا “جواز الطمأنينة” ووجوب الرضا بكُل خسارةٍ مع احتضانها بالترحاب اللازم.

أما عن أيّامي الآن، فقد خُضبت بطلبِ العِلم، وهذه أولى بشائري إليكِ، واقرئي رسالتي هذه على مسامعِ الجدة “عجمية” وقولي لها: العراقية تشتاق لملوخيتكِ المحرحرة، شوقًا تخافُ أن يتبدد مع الأيّام ويضمحل، شوقًا ترجو أن يبقى مُلتهبًا، بعد صباحات طويلة حدّثتُ أمي عن تنور أمّكِ الطيني، عن خبزها المعجون بالعافية، وعن ملحها المنذور لله، أخبريني يا لبة القلب: أقدامي هنا.. فهل آثاري هناك؟ في بستان الزيتون الذي عرّاه الخريف؟

إيه.. إيه يا ليتني أنتزع الشتاء بأسنان الاحتجاج قبل أن يسلبنا الظلال، فكأنني باتساع الحزن مسؤولة عن تناقض الفصول وتناقص الحظوظ، بينما البرد ممدد في عروقي الآن، تذكرتُ تلك الأيام الساخنة التي نمتُ فيها على حصيرٍ أبحث عن بقعة باردة في خرائط إفريقيا، وتأنيب الخالة الداوي: (كيفاش) للضيف أن ينام فوق حصيرة؟ أين فراش الريش؟.. ظننتُ نفسي كائنًا فضائيًا حينها، وكأنني لم أنم طيلة حياتي فوق حصير، وبين السطح والحديقة خلال الأيام الصيفية في بغداد قبل أن نعرف المولدات الكهربائية.. فرحتُ جدًا بتلك الحياة البسيطة رغم أنها كانت أيامًا قليلة، لكنها كانت مملوءة بالضحكات التي طيَّرتني بين أغصان شجرة اللوز المتوسطة داركم.. ولصوت (بو زنان) المزعج، كُنتُ كالريشة بينكم، أتنقل بين المطبخ والتوابل التي تشبّعتُ بها، وبين شجرة التفاح الحامض التي تكرهينها.. وبين الحانوت و الطاجين الذي أعشقه..

يا آمنة، صوتكِ ما زال محمولًا فوق مراكب أُذني، وعيوني تذوب كالشموع كلما تذكرتكِ، هنا حنينٌ لهناك، تلك اللحظات أبقتني كالقارئة العنيدة والوحيدة مع الكلمات هذه المرة، لم أستطع النوم منذ ذكريات، مخبولة بشيء طارئ لم أعهده من قبل، شيء يؤرجحني بين القلق والغاية،  مسكين هذا القلق!

ماذا لو عرف الإنسان مجهولًا واحدًا من مجاهيل الدهر، ماذا كان سيفعل؟ هل يجرؤ ويتحدى قلقه؟ أم تتناقص مخاوفه مما يمكن حدوثه؟ لماذا نحن ممنوعون إلى هذا الحد من معرفة المصير؟

فأخبرتني: بأنك تأخذين تجاربكِ على محمل الجد، مضطرة للحفاظ على أصابع الحذر كي لا تُستخدم ضدكِ، ملتزمة بالشك في كل الأحداث كخطوة استباقية لرفض الموقف الساخر، في الحقيقةِ.. أعجبتني مواقفكِ الشرسة من جانب الحياة؛ كان ذلك جانبًا واحدًا.. فماذا عن الجوانب الثلاثة المتبقية؟ ماذا ستفعلين معها؟ ماذا يدور في رأسكِ الآن؟ فضولٌ يجزم نفسه بالإلحاح.

ومع هذا .. وفي كل الحالات السوداء الطارئة، الأشد إيلامًا لعديدٍ من الاحتمالات غير الناضجة، سقطتُ سهوًا من عقل مفكر صغير مقتدر -بشكل شبه مؤكد- لمعنى الكلمة وأبعادها الرباعية في وقع النفس البشرية، وهذا ما ميزه عنهم كلهم. وأنتِ أخبريني، بماذا تميزتِ؟ أنا أعرف، لكن هل تعرفين مقدار معرفتي تلك؟ ما الأفعال التي حفظتِها عني غير اتخاذ أسراري مخابئ بين انعكاسات الخطوط في راحة يدكِ؟ ذكرّيني بفعل آخر قمتُ به معكِ على سبيل الرسالة.

أيتها القابعة في ذاكرتي.. من فرط نضجي أنجبتُ سحبًا طويلة، ونثرتُ الغيث في الأزقة، وحكتُ للعصافير أعشاشًا في كل روح وفؤاد، أنا أجاهد كي تبقوا أمامي وليس على الكاغدِ، دافئ هذا الشتاء بذكرياتكم، كلما نظرتُ إلى داخلي رأيتكم وتغطيتُ بكم.. أتحدث مع نفسي، فتعجبني ردودكم.