تظل زيارة الأربعين نقطة ضوء فارقة في وجداننا؛ ملحمة إيمانية وإنسانية تشع بأسمى صور التكافل والسخاء. نهرٌ يفيض بالعطاء الدافئ والخدمة الصادقة التي تجعل القلوب تفتح أبوابها قبل البيوت والمواكب لكل قاصد. إنها تلك اللحظة الروحية السنوية التي نجدد فيها العهد مع القيم النبيلة التي قضى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، ونستحضر فيها بدمعٍ صادق صبر عقيلة بني هاشم، ومرارة السبي، وثقل الفقد الذي حملته في طريق العودة.
لكن، ويا لمرارة السؤال: هل نسينا حزن زينب في زحمة المظاهر؟
إن ما يوجع القلب اليوم في هذا المسير الشريف، هو تسلل ظواهر غريبة تهدد بسلب الزيارة روحها الخاشعة. لقد بتنا نرى تنافساً يعكّر صفاء الطريق؛ صورٌ تُرفع هنا وهناك، وراياتٌ تتزاحم للانتماءات والفئات، ومقاطع من الطريق تحولت إلى ما يشبه الاستعراض، والتقاط الصور، وإبراز النفوذ والإمكانات. سلوكياتٌ باتت تأخذنا بعيداً عن الغاية الروحية الأساسية التي من أجلها وُطئت هذه الأرض.
إن السيدة زينب (عليها السلام)، وهي تعود بقلبها المفجوع، لن تبحث بين السائرين عن أصحاب سلطة أو المتباهين بالنفوذ، بل تريد أن تلمس أرواحاً “مواسيّة” تشاركها حرقة الفقد، وتتخلق بزهد آل البيت ووقارهم.
ولكي يبقى هذا الطريق حيّاً بنقائه، مستحقاً أن نطلق عليه…. “النهر الحسيني العراقي الثالث”… نهر مسير الأربعين المذكر بالقيم والداعي إلى الإصلاح فإن الأمر لا يحتمل المواربة؛ إذ نحتاج إلى مبادرة أخلاقية ووجدانية شجاعة تتجاوز حدود العتاب السطحي لتصل إلى عمق الحل.
إن تصفية النيات ليست فكرة تُقال، بل هي ممارسة تبدأ بالتجرد الكامل؛ تجريد هذا المسير المبارك من كل ما يفرّق القلوب أو يزرع التمايز بين الزائرين. ينبغي أن يغيب عن الطريق كل اسم لجهة، وكل لافتة تحجم قضية الحسين في زاوية ضيقة، بل وحتى مسميات المواكب التي باتت تتنافس في الحجم والبهرج، لتعود الخدمة كما بدأت: عفوية، بسيطة، ومغمورة بالحب الخالص لله ولوجهه الكريم.
ولكي يستعيد المشهد هيبته الروحية، فإن الحل الأجمل والأكثر عمقاً يكمن في توحيد المظهر كما توحّدت المقاصد؛ أن يرتدي الجمع السائر ثوب السواد الخالي من أي شعار أو علامة فارقة.سوادٌ واحد يذيب الفوارق الطبقية والاجتماعية والسياسية، فلا تُعرف فيه سلطة المسؤول من انكسار الفقير، بل ينصهر الجميع في هوية واحدة هي “هوية الحزن الحسيني”. وأما إخوتنا وضيوفنا من البعثات والزوار القادمين من خارج العراق، فإن من الوفاء وإكرام الضيف أن نيسر خدمتهم وإرشادهم، وذلك بإشارة تنظيمية بسيطة تُوضع على الأكتاف، لا لتمييزهم عن الآخرين مفاضلةً، بل للتعرف عليهم ومد يد العون لهم وإشعارهم بأنا جميعاً أهل في هذا الطريق.
على هذا الطريق، لا قيمة لرايةٍ تُرفع إن لم ترفع معها خَلقاً، ولا معنى لخطوةٍ تُقطع إن لم تقرّبنا من زهد الحسين وحياء زينب. إن خلوص النية ليس نافلة نختارها، بل هو الشقاق الوحيد بين أن يكون المسير هجرةً للروح، أو مجرد عبورٍ ثقيل على أجسادٍ تعبت ولم تصل!
هل نسينا حزن زينب في زحمة المظاهر؟
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
هل نسينا حزن زينب في زحمة المظاهر؟
تظل زيارة الأربعين نقطة ضوء فارقة في وجداننا؛ ملحمة إيمانية وإنسانية تشع بأسمى صور التكافل والسخاء. نهرٌ يفيض بالعطاء الدافئ والخدمة الصادقة التي تجعل القلوب تفتح أبوابها قبل البيوت والمواكب لكل قاصد. إنها تلك اللحظة الروحية السنوية التي نجدد فيها العهد مع القيم النبيلة التي قضى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، ونستحضر فيها بدمعٍ صادق صبر عقيلة بني هاشم، ومرارة السبي، وثقل الفقد الذي حملته في طريق العودة.
لكن، ويا لمرارة السؤال: هل نسينا حزن زينب في زحمة المظاهر؟
إن ما يوجع القلب اليوم في هذا المسير الشريف، هو تسلل ظواهر غريبة تهدد بسلب الزيارة روحها الخاشعة. لقد بتنا نرى تنافساً يعكّر صفاء الطريق؛ صورٌ تُرفع هنا وهناك، وراياتٌ تتزاحم للانتماءات والفئات، ومقاطع من الطريق تحولت إلى ما يشبه الاستعراض، والتقاط الصور، وإبراز النفوذ والإمكانات. سلوكياتٌ باتت تأخذنا بعيداً عن الغاية الروحية الأساسية التي من أجلها وُطئت هذه الأرض.
إن السيدة زينب (عليها السلام)، وهي تعود بقلبها المفجوع، لن تبحث بين السائرين عن أصحاب سلطة أو المتباهين بالنفوذ، بل تريد أن تلمس أرواحاً “مواسيّة” تشاركها حرقة الفقد، وتتخلق بزهد آل البيت ووقارهم.
ولكي يبقى هذا الطريق حيّاً بنقائه، مستحقاً أن نطلق عليه…. “النهر الحسيني العراقي الثالث”… نهر مسير الأربعين المذكر بالقيم والداعي إلى الإصلاح فإن الأمر لا يحتمل المواربة؛ إذ نحتاج إلى مبادرة أخلاقية ووجدانية شجاعة تتجاوز حدود العتاب السطحي لتصل إلى عمق الحل.
إن تصفية النيات ليست فكرة تُقال، بل هي ممارسة تبدأ بالتجرد الكامل؛ تجريد هذا المسير المبارك من كل ما يفرّق القلوب أو يزرع التمايز بين الزائرين. ينبغي أن يغيب عن الطريق كل اسم لجهة، وكل لافتة تحجم قضية الحسين في زاوية ضيقة، بل وحتى مسميات المواكب التي باتت تتنافس في الحجم والبهرج، لتعود الخدمة كما بدأت: عفوية، بسيطة، ومغمورة بالحب الخالص لله ولوجهه الكريم.
ولكي يستعيد المشهد هيبته الروحية، فإن الحل الأجمل والأكثر عمقاً يكمن في توحيد المظهر كما توحّدت المقاصد؛ أن يرتدي الجمع السائر ثوب السواد الخالي من أي شعار أو علامة فارقة.سوادٌ واحد يذيب الفوارق الطبقية والاجتماعية والسياسية، فلا تُعرف فيه سلطة المسؤول من انكسار الفقير، بل ينصهر الجميع في هوية واحدة هي “هوية الحزن الحسيني”. وأما إخوتنا وضيوفنا من البعثات والزوار القادمين من خارج العراق، فإن من الوفاء وإكرام الضيف أن نيسر خدمتهم وإرشادهم، وذلك بإشارة تنظيمية بسيطة تُوضع على الأكتاف، لا لتمييزهم عن الآخرين مفاضلةً، بل للتعرف عليهم ومد يد العون لهم وإشعارهم بأنا جميعاً أهل في هذا الطريق.
على هذا الطريق، لا قيمة لرايةٍ تُرفع إن لم ترفع معها خَلقاً، ولا معنى لخطوةٍ تُقطع إن لم تقرّبنا من زهد الحسين وحياء زينب. إن خلوص النية ليس نافلة نختارها، بل هو الشقاق الوحيد بين أن يكون المسير هجرةً للروح، أو مجرد عبورٍ ثقيل على أجسادٍ تعبت ولم تصل!
مجيد قره
التعليقات