سيرة المفاتيح

صورة الكاتب
بقلم: عبدالأمیر عسکر
التاريخ: 28 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2574
سيرة المفاتيح

 

(1)
للجدة مفتاح خاص بها، مفتاح منفرد وحيد كما هي احتياجها، صندوق واحد قفل واحد ومفتاح واحد، هذه ممتلكات العمر.
يحمل المفتاح بخيط ويبقى معلق حول خصرها مثل كوكب يعوزه هذا المدار ليبقى في الجدوى، لا يفارق المفتاح هذا الدوران إلا وقت استخدامه، ليعود حيث موضعه، متدل مثل تميمة حفظ يرافق الجدة إلى كل الأمكنة.

(2)
يتشابه مفتاح السيارة مع مفتاح الجدة، وحيد ومعلق إلى خصر السائق، يترجل ليتسبب في فك التوقف، يبقى حيث الرحلة متواصلة، بخلاف مفتاح الجدة، التي ترد سريعًا بعد فتح/ غلق صندوقها؛ خشية ضياع أو سرقة، ولا شأن لمفتاح السيارات بهذا الخشية، فحالما يكون مفتاح السيارة حيث يكون، يبقى من يحرسه، قريب إليه، سائق يجاوره، رفقة حتمية.

(3)
ما يرى تعدد المفتاح عند السجان، مفاتيح عديدة محملة تتشابه في الغرض والشكل وحتى موضع وجودها، فهي لازمة جسد السجان حيث كان ويكون.
سجان وحده يعرف فك هذا التشابه القريب، يعي كيف يختار مفتاحه، ويقدم لأي باب دون أية حيرة، يفتح القفل بدراية كبرى، يحفظ ملمس كل مفتاح، يعرف تراتبية المفاتيح، يتذكر عدد استخدام المفتاح، ذلك سر السجان، أن يملك عديد المفتاح كما لو أنه يتعامل مع مفتاح واحد.

(4)
تتعرض المفاتيح لضياع، ولا تستبدل، تترك فرصة أمام عودتها، ليس هذا احتقار للمفتاح، بل تعلق وتحنن إليه، وهذا ما يحدث لمفتاح العُلّيّة، دائم الضياع، يظهر ويختفي، لا يعوزك أن تتحرى لمعرفة وجود المفتاح في باب العُلّيّة، ارتداد الباب وارتطامه المتوالي؛ يخبرك حالة المفتاح؛ حضوره أم غيابه.
في الأعلى هذا ما يقع، أن يحضر ضجيج ما؛ فهذا قد يجلب لك نذير غياب المفتاح.

(5)
ثمين مفتاح الخزينة، يسكن في مكان فريد، جديد، جميل، لا يتعب لا يصدأ، ينادى عليه بالقليل، فمن يودع الأموال في الخزينة قد لا يرغب بالأخذ الطارئ، فالمفتاح مرتاح يركن طويلًا حتى يقدم لفتح قفل كسول.

(6)
كما أن مفاتيح الدكاكين تتوالى عليها وتيرة واحدة، استخدام واحد في النهار وآخر في الليل، ديدن ثابت طوال العمر، ولو كسر هذا القرار فهذا يعني أن اهمالًا عظيمًا سيقع للمفتاح ثم ترك ورمي ونسيان، إثر تعطل للقفل.

(7)
أكثر مفتاح ينسى، مفتاح باب المطبخ، فمن له أن يستخدمه، من له كل هذا الاهتمام ليتابع غلق وفتح الباب، أمام دخول وخروج مستمر في اليوم، لهذا يبقى المفتاح معلق ولا يغادر القفل، متدل منسي لا ينظر إليه، ليس هذا لامبالاة للمفتاح، بل غدا حر يكفيه أن يحضر ويصنع الكمال للقفل.

رأيت قيامة المفاتيح في علب المهملات عند أبي، يدس فيها تعدد المفتاح، لا يحدده اختيار أو انتقاء، مفاتيحه تختلف بالشكل والحجم وحتى مادة صنعها.
أبي يقرر تأسيس محمية للمفاتيح، فكلما ضاع مفتاح أو تعرض لضرر أو تناقص مفتاح أو كسر مفتاح أو ترك مفتاح بسبب النسخ المتزايدة، تجدها عنده، محفوظة ومصفوفة في صناديق أو مخابئ أو أمكنة شتى، حفظ بدواعي انتقاء أو حنين أو عودة لتذكر، حيث بادر إليه مفتاح في يوم ما.

(9)
عبث يلازم عالم المفاتيح، عندما يرافق مفتاح ويعلق إلى قفل ما بتقارب واضح، فقل هذا ترك عظيم قد حل للمفتاح، مما حصل بهذا التواجد الثنائي هو تجاهل يراد تكريسه إلى المفتاح، القرب الدائم فيما بين قفل ومفتاح، تعطل لكلاهما، إلا لو حدث التقريب لبرهة، لا شائبة لهذا الحدوث، قط.

(10)
توق يدفع الناس لأن يحتفظوا ببعض المفاتيح، فعندما تتناقص أعدادها أو تتعب أو تصاب بكد أو عناء، يبادرون لأن يعيدوا روح المفتاح إلى جسد جديد، فيوصلهم شوق ذلك لأن يأخذوا مفاتيحهم إلى رجل المفاتيح، ليستنسخ لهم المطلوب، ويعيد المفتاح إلى بهجة تشكل وتكوين نظر، مستنسخ المفاتيح معني لبث الفرحة، كما لو أنه يصنع ولادة جديدة للمفتاح.

(11)
يقع المفتاح في تناقض تواجد، كأن يحضر دون مدعاة،
فهذا ما يحدث عندما تتلاصق سيرة المفاتيح مع السارق، تلاصق أزلي وتناقض دائم، فما حاجة السارق لمفتاح دون حاجة، فقد يحدث أن يحمل السارق مفاتيحه المختلفة، رغبة منه لتجربة حظ افتتاح أمام المقفل، ولا يمل من ديدنه العبثي هذا، السارق يتصرف كأنه صاحب البيت رغم لا جدواه أمام ما يحمله من مفاتيح اعتباطية.

(12)
لك حریة اختيار في صناعة سيرة مفاتيحك، لكنما إكراه أن تجمع مفتاحين أو ثلاث لقفل واحد في آن واحد ومكان واحد، توأمة المفاتيح صنعت لديمومة عمر الأقفال، في حال ضياع مفتاح من بين توائم المفاتيح.

عن الکاتب / الکاتبة

عبدالأمیر عسکر
عبدالأمیر عسکر
شاعر . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


سيرة المفاتيح

بقلم: عبدالأمیر عسکر | التاريخ: 28 سبتمبر 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

 

(1)
للجدة مفتاح خاص بها، مفتاح منفرد وحيد كما هي احتياجها، صندوق واحد قفل واحد ومفتاح واحد، هذه ممتلكات العمر.
يحمل المفتاح بخيط ويبقى معلق حول خصرها مثل كوكب يعوزه هذا المدار ليبقى في الجدوى، لا يفارق المفتاح هذا الدوران إلا وقت استخدامه، ليعود حيث موضعه، متدل مثل تميمة حفظ يرافق الجدة إلى كل الأمكنة.

(2)
يتشابه مفتاح السيارة مع مفتاح الجدة، وحيد ومعلق إلى خصر السائق، يترجل ليتسبب في فك التوقف، يبقى حيث الرحلة متواصلة، بخلاف مفتاح الجدة، التي ترد سريعًا بعد فتح/ غلق صندوقها؛ خشية ضياع أو سرقة، ولا شأن لمفتاح السيارات بهذا الخشية، فحالما يكون مفتاح السيارة حيث يكون، يبقى من يحرسه، قريب إليه، سائق يجاوره، رفقة حتمية.

(3)
ما يرى تعدد المفتاح عند السجان، مفاتيح عديدة محملة تتشابه في الغرض والشكل وحتى موضع وجودها، فهي لازمة جسد السجان حيث كان ويكون.
سجان وحده يعرف فك هذا التشابه القريب، يعي كيف يختار مفتاحه، ويقدم لأي باب دون أية حيرة، يفتح القفل بدراية كبرى، يحفظ ملمس كل مفتاح، يعرف تراتبية المفاتيح، يتذكر عدد استخدام المفتاح، ذلك سر السجان، أن يملك عديد المفتاح كما لو أنه يتعامل مع مفتاح واحد.

(4)
تتعرض المفاتيح لضياع، ولا تستبدل، تترك فرصة أمام عودتها، ليس هذا احتقار للمفتاح، بل تعلق وتحنن إليه، وهذا ما يحدث لمفتاح العُلّيّة، دائم الضياع، يظهر ويختفي، لا يعوزك أن تتحرى لمعرفة وجود المفتاح في باب العُلّيّة، ارتداد الباب وارتطامه المتوالي؛ يخبرك حالة المفتاح؛ حضوره أم غيابه.
في الأعلى هذا ما يقع، أن يحضر ضجيج ما؛ فهذا قد يجلب لك نذير غياب المفتاح.

(5)
ثمين مفتاح الخزينة، يسكن في مكان فريد، جديد، جميل، لا يتعب لا يصدأ، ينادى عليه بالقليل، فمن يودع الأموال في الخزينة قد لا يرغب بالأخذ الطارئ، فالمفتاح مرتاح يركن طويلًا حتى يقدم لفتح قفل كسول.

(6)
كما أن مفاتيح الدكاكين تتوالى عليها وتيرة واحدة، استخدام واحد في النهار وآخر في الليل، ديدن ثابت طوال العمر، ولو كسر هذا القرار فهذا يعني أن اهمالًا عظيمًا سيقع للمفتاح ثم ترك ورمي ونسيان، إثر تعطل للقفل.

(7)
أكثر مفتاح ينسى، مفتاح باب المطبخ، فمن له أن يستخدمه، من له كل هذا الاهتمام ليتابع غلق وفتح الباب، أمام دخول وخروج مستمر في اليوم، لهذا يبقى المفتاح معلق ولا يغادر القفل، متدل منسي لا ينظر إليه، ليس هذا لامبالاة للمفتاح، بل غدا حر يكفيه أن يحضر ويصنع الكمال للقفل.

رأيت قيامة المفاتيح في علب المهملات عند أبي، يدس فيها تعدد المفتاح، لا يحدده اختيار أو انتقاء، مفاتيحه تختلف بالشكل والحجم وحتى مادة صنعها.
أبي يقرر تأسيس محمية للمفاتيح، فكلما ضاع مفتاح أو تعرض لضرر أو تناقص مفتاح أو كسر مفتاح أو ترك مفتاح بسبب النسخ المتزايدة، تجدها عنده، محفوظة ومصفوفة في صناديق أو مخابئ أو أمكنة شتى، حفظ بدواعي انتقاء أو حنين أو عودة لتذكر، حيث بادر إليه مفتاح في يوم ما.

(9)
عبث يلازم عالم المفاتيح، عندما يرافق مفتاح ويعلق إلى قفل ما بتقارب واضح، فقل هذا ترك عظيم قد حل للمفتاح، مما حصل بهذا التواجد الثنائي هو تجاهل يراد تكريسه إلى المفتاح، القرب الدائم فيما بين قفل ومفتاح، تعطل لكلاهما، إلا لو حدث التقريب لبرهة، لا شائبة لهذا الحدوث، قط.

(10)
توق يدفع الناس لأن يحتفظوا ببعض المفاتيح، فعندما تتناقص أعدادها أو تتعب أو تصاب بكد أو عناء، يبادرون لأن يعيدوا روح المفتاح إلى جسد جديد، فيوصلهم شوق ذلك لأن يأخذوا مفاتيحهم إلى رجل المفاتيح، ليستنسخ لهم المطلوب، ويعيد المفتاح إلى بهجة تشكل وتكوين نظر، مستنسخ المفاتيح معني لبث الفرحة، كما لو أنه يصنع ولادة جديدة للمفتاح.

(11)
يقع المفتاح في تناقض تواجد، كأن يحضر دون مدعاة،
فهذا ما يحدث عندما تتلاصق سيرة المفاتيح مع السارق، تلاصق أزلي وتناقض دائم، فما حاجة السارق لمفتاح دون حاجة، فقد يحدث أن يحمل السارق مفاتيحه المختلفة، رغبة منه لتجربة حظ افتتاح أمام المقفل، ولا يمل من ديدنه العبثي هذا، السارق يتصرف كأنه صاحب البيت رغم لا جدواه أمام ما يحمله من مفاتيح اعتباطية.

(12)
لك حریة اختيار في صناعة سيرة مفاتيحك، لكنما إكراه أن تجمع مفتاحين أو ثلاث لقفل واحد في آن واحد ومكان واحد، توأمة المفاتيح صنعت لديمومة عمر الأقفال، في حال ضياع مفتاح من بين توائم المفاتيح.