لماذا تبقى بعض قصص الطفولة موجودة في ذاكرتنا، بينما ننسى كثيراً مما قرأناه بعد ذلك؟ لعل الإجابة لا تتعلق بالقصة وحدها، وإنما بالطريقة التي وصلت بها إلينا، وبالمشاعر التي ارتبطت بها. فكثير منا يتذكر تلك اللحظات التي كان يجلس فيها إلى جوار أمه أو جدته ليستمع إلى حكاية تبدأ بعبارة بسيطة: ((كان يا ما كان)) لم يكن الطفل يومها يفكر في أهمية ما يسمعه، لكنه كان يستمع، ويتخيل، ويتابع الأحداث، وينتظر النهاية.
كانت حكايات الجدات جزءاً من حياة أجيال سابقة، تنتقل من شخص إلى آخر دون كتاب أو مطبعة، وتحمل معها شيئاً من ثقافة المجتمع وعاداته وقيمه. وقد تختلف الحكايات من مكان إلى آخر، لكنها تمنح الطفل متعة الاستماع، وتوسع خياله، وتقدم له نماذج من الخير والشر، والشجاعة والخوف، والصدق والخداع، وتجعله يتعرف إلى العالم من خلال شخصيات وأحداث أقرب إليه من النصائح المباشرة.
ولم تكن الجدة، وهي تروي حكايتها، بحاجة إلى أن تقول للطفل: ((تعلم أن تكون صادقً)) أو ((كن شجاع))، كانت الحكاية تقوم بهذه المهمة بطريقة أبسط وأكثر تأثيراً. وكان الذي يحكي القصة يغير صوته حسب الشخصيات والأحداث، فيتابع الطفل الشخصية، ويعيش معها المشكلة، ويرى نتائج اختياراتها، ومن خلال ذلك يبدأ في تكوين موقفه الخاص. وهذه إحدى أهم مزايا الأدب؛ فهو لا يقدم القيم على هيئة تعليمات، وإنما يجعل الطفل يكتشفها من خلال التجربة التي يعيشها مع القصة.
ولعل هذا ما يفسر بقاء بعض الحكايات في الذاكرة. فالطفل لا يتذكر الكلمات وحدها، وإنما يتذكر الشخص الذي رواها، والمكان الذي سمعها فيه، ونبرة الصوت، وما شعر به وهو يتابع أحداثها. ولهذا قد تمر سنوات طويلة وتبقى في الذاكرة حكاية أو شخصية لم نعد نتذكر تفاصيل قصتها، لكننا نتذكر الإحساس الذي تركته فينا.
ومع تغير الحياة، تغيرت طريقة وصول القصة إلى الطفل. لم تعد الحكاية تعتمد على الراوي وحده، بل أصبحت بين صفحات الكتب والمجلات، ثم ظهرت الكتب المصورة، وتطورت وسائل النشر، ووصلت القصة اليوم إلى الطفل من خلال الوسائط الرقمية والتطبيقات والمنصات المختلفة. وهذا التطور أمر طبيعي، لكن تغير الوسيلة لا يعني أن حاجتنا إلى القصة قد تغيرت. فالطفل الذي كان يستمع إلى جدته قبل عقود، والطفل الذي يقرأ اليوم قصة مصورة في كتاب أو على جهاز، يشتركان في حاجة أساسية واحدة؛ أن يجد قصة تحرك فضوله، وتمنحه فرصة للتخيل، وتجعله يريد أن يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك.
لم يعد المهم أن نعيد زمن حكايات الجدات، بل أن نحافظ على قيمة الحكاية في عالم الطفل الجديد. وهنا، وفي هذا الواقع، تتسع مسؤولية الكاتب في أدب الطفل؛ فهو يكتب لطفل يعيش وسط عالم سريع، تتعدد فيه مصادر المعرفة والترفيه، وهذا لا يعني الابتعاد عن القيم أو التخلي عن الدور التربوي لأدب الطفل، وإنما البحث عن طريقة أكثر قرباً من عالم الطفل لتقديم هذه القيم.
فالكاتب يستطيع أن يتحدث عن الصداقة، وعن المسؤولية، دون أن يحول القصة إلى نصائح، وعن تقبل الآخر من خلال شخصية أو موقف يجعل الطفل يفكر في الأمر بنفسه. وكلما نجح الكاتب في ذلك، أصبحت القصة أقرب إلى الطفل وأكثر قدرة على البقاء في ذاكرته.
ومن خلال عملي في التعليم، كنت ألاحظ أن الأطفال لا ينجذبون إلى القصص لأنها طويلة أو مليئة بالمعلومات، بل لأنهم يجدون فيها شيئاً قريب منهم؛ شخصية قريبة من أعمارهم، وموقفاً يلامس مشاعرهم، ولغة يستطيعون فهمها دون تعقيد. وعندما يجد الطفل نفسه داخل القصة، يصبح أكثر استعداداً لمرافقة الكتاب مرة بعد مرة.
فالقصة الأولى لا تُعلّم الطفل القراءة فقط، بل تعلّمه الإصغاء، والتخيل، والتعاطف مع الآخرين، وتمنحه فرصة ليرى العالم من زوايا مختلفة. و هنا تأتي مسؤولية الكاتب، كما تأتي مسؤولية الأسرة والمعلم، في اختيار ما يُقدَّم للطفل في سنواته الأولى.
ولعل من الأخطاء التي نقع فيها أحياناً أن ننشغل بما نريد نحن أن يتعلمه الطفل، وننسى ما يحتاج هو إلى أن يشعر به. فالطفل لا يبحث في القصة عن الموعظة المباشرة، وإنما يبحث عن المتعة، والدهشة، والمغامرة، وعندما يعيش هذه التجربة بصدق، فإن القيم الجميلة تصل إليه بصورة طبيعية ودون تكلف.
وقد يكون الفرق الأكبر بين حكاية الأمس وقصة اليوم هو أن الطفل أصبح أمام خيارات أكثر من الماضي. ربما كانت الحكاية التي ترويها الجدة هي نافذته الأولى إلى عالم مختلف، أما اليوم فهناك الكتاب والمجلة والشاشة والألعاب ووسائل التواصل وغيرها. ولذلك أصبح على أدب الطفل أن ينافس هذه الوسائل من خلال القصة الجيدة، والشخصية القريبة من الطفل، والفكرة التي تستحق أن تُروى.
ومع ذلك، لا أرى أن التكنولوجيا ينبغي أن تكون خصماً لأدب الطفل. فالوسيلة الرقمية يمكن أن تكون نافذة جديدة للقصة إذا أحسن استخدامها، كما يمكن للكتاب الورقي أن يبقى حاضراً إذا عرفنا كيف نقدمه للطفل بطريقة محببة. المشكلة ليست في الوسيلة بقدر ما هي في المحتوى الذي نقدمه من خلالها، وفي قدرتنا على فهم الطفل الذي نكتب له.
وهنا يعود بنا الحديث إلى البداية. لماذا بقيت بعض قصص طفولتنا في الذاكرة؟ لأنها لم تكن مجرد كلمات سمعناها أو صفحات قرأناها، بل كانت تجربة عشناها. وربما لهذا السبب لا يمكن للكاتب أن يستهين بالقصة الأولى.
إن القصة الأولى ليست بالضرورة أفضل قصة سيقرأها الطفل في حياته، لكنها قد تكون القصة التي تفتح أمامه أول أبواب المعرفة والقيم. ومن مسؤوليتنا، ككتّاب ومربين وأولياء أمور، أن نحرص على أن يجد الطفل أمامه عالماً يحترم عقله، ويغذي خياله، دون أن يحوله إلى متلقٍ لمجموعة من الدروس.
فالحكاية التي كانت تبدأ قديماً بصوت الجدة، يمكن أن تبدأ اليوم من صفحة كتاب، أو من قصة يقرأها المعلم في الصف، أو من أب يجلس إلى جانب طفله قبل النوم. تغيرت الطرق، لكن الحاجة بقيت كما هي.
قد ننسى تفاصيل كثيرة من طفولتنا، لكن بعض الحكايات تبقى معنا لأنها ارتبطت بأول دهشة اكتشفنا فيها أن الكلمات تستطيع أن تأخذنا إلى مكان لم نذهب إليه من قبل.
انتصار الحسین
مجلة الجُمان
طارق العمراوي
التعليقات