تأملات في أدب الأطفال (2)
الطفل الذي يقرأ اليوم يقود الغد
حين نتحدث عن مستقبل المجتمعات فإننا نفكر في العلماء والمبدعين والقادة الذين يسهمون في نهضتها، لكننا قد ننسى أن البداية الحقيقية لكل ذلك تبدأ من طفل يقرأ كتاباً. فالقراءة ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل هي عملية بناء متكاملة للعقل والخيال والشخصية، ولهذا يمكن القول إن الطفل الذي يقرأ اليوم هو من يقود الغد.
وتعد القراءة في سنوات الطفولة من أهم الوسائل التي تنمي التفكير والقدرة على التحليل والتعبير. فمن خلال القصص والحكايات يتعرف الطفل إلى أفكار جديدة وشخصيات مختلفة وتجارب إنسانية متنوعة، فيتعلم فهم الآخرين واحترامهم، وتتسع رؤيته للعالم من حوله. كما تمنحه القراءة فرصة لاكتشاف ذاته وتنمية خياله وقدرته على الإبداع.
ورغم الانتشار الواسع للوسائل الإلكترونية، ما زال للكتاب الورقي مكانته الخاصة في عالم الطفل. فالطفل عندما يمسك الكتاب ويتصفح صفحاته ويتأمل رسوماته يعيش تجربة حسية ومعرفية متكاملة تساعده على التركيز والتفاعل مع النص بصورة أعمق. كما أن الكتاب الورقي يبعده عن المشتتات الكثيرة التي ترافق الأجهزة الإلكترونية، ويمنحه علاقة أكثر هدوءاً واستقراراً مع القراءة.
لكن حب القراءة لا يولد وحده، بل يحتاج إلى من يرعاه ويشجعه. ويبدأ ذلك من البيت عندما يرى الطفل أفراد أسرته يقرؤون ويهتمون بالكتاب، وعندما يجد من يقرأ له قصة أو يناقشه فيما قرأه. ثم يأتي دور المدرسة التي لا ينبغي أن تكتفي بتعليم القراءة بوصفها مهارة دراسية، بل تجعل منها نشاطاً ممتعاً ومحبباً، من خلال المكتبات المدرسية والأنشطة الثقافية والمسابقات القرائية.
وأستحضر هنا تجربة شخصية ما زلت أعدّها من أجمل تجاربي في تشجيع الأطفال على القراءة.
ففي إحدى سنوات عملي في التدريس، وقبل بدء الفصل الدراسي الثاني بعد عطلة نصف السنة، كنت أبحث عن وسيلة أشجع بها طلبتي على قراءة القصص او المجلات المهتمة بالطفولة . في ذلك الوقت لم أكن قد بدأت كتابة قصص الأطفال، بل كنت شغوفة بالقراءة والترجمة… وكانت لدي مجموعة من النصوص المسرحية للأطفال أهداها لي مؤلفها.
لفت انتباهي نص مسرحي بعنوان «القرد الذكي»، فوجدته مناسباً للفئة العمرية من طالباتي . وبحكم اختصاصي في اللغة الإنكليزية خطرت لي فكرة أن أجمع بين هدفين في مشروع واحد.. تشجيع الأطفال على القراءة والاستمتاع بالنص المسرحي من جهة، ومساعدتهم على تعلم اللغة الإنكليزية بطريقة ممتعة وبعيدة عن الملل من جهة أخرى.
قمت بترجمة النص وإعداده للطباعة بصورة ملونة وجذابة
وتبنّى اتحاد أدباء ميسان إصدار النص في كتيب ملون وجميل، مما ساعد على وصوله إلى الأطفال بصورة أكثر جاذبية
فحقق الفائدة التعليمية والتربوية التي كنت أطمح إليها. وكانت سعادتي كبيرة عندما وجدت أن التجربة لاقت قبولاً وتشجيعاً بين الطلبة.
وبعد نجاح التجربة قررت أن يتجاوز أثرها حدود صفوفي الدراسية، فتبرعت بعدد من النسخ إلى مكتبات المدارس، كما قدمت نسخاً إلى مديرية التربية في بغداد لتتولى توزيعها على المكتبات المدرسية الأخرى، ليكون الكتاب متاحاً لأكبر عدد ممكن من الأطفال.
لقد أكدت لي تلك التجربة أن الطفل يقبل على القراءة عندما نقدم له الكتاب المناسب بالطريقة المناسبة. فالطفل لا يرفض القراءة في ذاتها، بل يحتاج إلى من يوجهه نحو عالمها الجميل. ومن هنا فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة والكاتب والمؤسسات الثقافية تتكامل في صناعة جيل قارئ.
ومنذ ذلك الوقت ايقنت بأن الطفل عندما يجد الكتاب المناسب يكتشف بنفسه متعة القراءة.وان كل كتاب يقع بين يدي طفل اليوم هو بذرة لمستقبل أفضل. والطفل الذي يعتاد القراءة لا يكتسب المعرفة فحسب، بل يكتسب القدرة على التفكير والإبداع واتخاذ القرار. لذلك فإن تشجيع الأطفال على القراءة ليس نشاطاً ثقافياً عابراً، بل استثمار حقيقي في بناء جيل المستقبل .
فاضل الکعبي
م.م عامر هاتو الازيرجاوي
التعليقات