الاساطير والحكايات الشعبية تتوارث بين الأجيال

صورة الكاتب
بقلم: رجاء فرج
التاريخ: 24 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 1648
الاساطير والحكايات الشعبية تتوارث بين الأجيال

الاساطير والحكايات الشعبية تتوارث بين الأجيال …

منذ طفولتنا ونحن نستمع لحكايات الجدات في مساءات بغداد الجميلة . كنا نجلس قريباً منها وننصت لقصص عن (الطنطل )و(السعلوة )وأبطال يشبهون الحقيقة أحياناً ويبتعدون عنها أحياناً أخرى. لم نكن نسأل كثيراً كنا فقط نصدق ونخاف ونبتسم. كانت تلك الحكايات بسيطة، لكنها بقيت في داخلنا. واليوم أرى الدهشة نفسها في عيون أطفالي حين تروي لهم والدتي قصص الأمس، وكأن الحكاية لا تكبر… بل تنتقل من جيل إلى جيل.
أتذكر أن جدتي كانت في حالة ارادت ان تمنع اخوتي من الخروج ليلاً تختصر الموضوع بجملة واحدة((لا تطلع بالليل، الطنطل يخطفك )).. او (لا تأكلك السعلوة ..)جملة قصيرة لكنها كانت تُشعل في مخيلتنا صوراًلا تنتهي عن ذلك الكائن الغامض. واليوم أدرك أن هذه الحكايات لم تكن مجرد تخويف، بل وسيلة شعبية لحماية الأطفال بلغة يفهمونها. فالرمز كان أقرب إلى عقولنا من التعليمات المباشرة بل جزء من الأساطير الشعبية التي شكّلت وعينا ومنحتنا لغة رمزية لفهم المجهول.
ومع مرور السنوات، اكتشفت أن الأساطير لم تُخلق لمجرد التسلية، بل لأنها تحمل في طياتها جوهر الإنسان. فهي مرآة لأحلامه ومخاوفه، ولصراعه الأبدي بين الخير والشر، الأمل واليأس. ولهذا، تظل الأساطير خالدة، لأنها ببساطة تتحدث بلسان كل جيل .
اليوم ومع تطور أدوات السرد، لم تعد هذه الحكايات القديمة حبيسة الذاكرة، بل وُلدت من جديد بروح معاصرة. فقصة علاء الدين والمصباح السحري التي روتها الجدات، أصبحت فيلم رسوم متحركة يبهر الأطفال حول العالم، ويأخذهم في رحلة من المغامرات، ومن الخوف الى الشجاعة. أما الأساطير اليونانية مثل أثينا إلهة الحرب أو زيوس سيد الآلهة، فقد تحولت إلى ألعاب فيديو تفاعلية، تمنح اللاعب فرصة أن يعيش أحداث القصة بنفسه، ويختبر صراع القوة والحكمة داخل عالم افتراضي نابض بالحياة. حتى حكاياتنا الشعبية مثل (الطنطل والسعلوة،) يمكن أن نجدها اليوم في أفلام الرعب أو في مسلسلات خيالية، تُعيد تقديمها بأساليب معاصرة وتحوّلها من مجرد وسيلة لتخويف الأطفال إلى رموز ثقافية غنية بالمعاني.
الأساطير تمنحنا أكثر من مجرد قصة؛ إنها تمنحنا شعوراً بالأمان ونحن نواجه مخاوفنا، وتلهمنا الخيال
من ملحمة جلجامش التي خرج فيها البطل من أسوار أوروك باحثاً عن الخلود، إلى قصص شهرزاد التي واجهت الموت بالحكاية، نجد أن الأسطورة في الرافدين لم تكن مجرد خرافة، بل تجربة إنسانية تُلخّص رحلة الإنسان من الخوف إلى المعرفة. جلجامش لم يجد الخلود في نبتةٍ أو في أرضٍ بعيدة، بل وجده ، في الحكاية التي تبقي الإنسان حياً في الذاكرة مهما رحل الجسد.
وما يجعل هذه الأساطير أكثر ثراءً اليوم هو قدرتها على عبور الحدود الثقافية. حين تمتزج الرموز الشرقية بالغربية، ويتلاقى الصوت الشعبي مع التقنيات الرقمية، نصبح أمام إبداع إنساني مشترك يلامس الجميع. الأدباء والفنانون المعاصرون يستلهمون هذه الحكايات ليطرحوا قضايا العدالة والحرية والهوية، والتكنولوجيا بدورها تمنح الأسطورة شكلاً جديداً من الشاشة إلى الواقع الافتراضي، حيث يعيش المتلقي داخل القصة لا مجرد مستمع لها.
بهذا الشكل، لا تبقى الأسطورة مجرد حكاية تُروى عند المساء، بل تتحول إلى لغة جديدة تعبر عن قضايا العصر: المساواة، العدالة، وغيرها . إنها جسر ممتد بين الماضي والحاضر، بين حكايات الجدات في بغداد القديمة وما نحياه نحن اليوم.
فالأسطورة لا تموت أبداً ؛ إنها تولد من جديد مع كل جيل، لتظل نبض خيال يضيء عبر الزمن…

عن الکاتب / الکاتبة

رجاء فرج
رجاء فرج
باحثة وکاتبة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاساطير والحكايات الشعبية تتوارث بين الأجيال

بقلم: رجاء فرج | التاريخ: 24 فبراير 2026

التصنيف: أدب الأطفال

الاساطير والحكايات الشعبية تتوارث بين الأجيال …

منذ طفولتنا ونحن نستمع لحكايات الجدات في مساءات بغداد الجميلة . كنا نجلس قريباً منها وننصت لقصص عن (الطنطل )و(السعلوة )وأبطال يشبهون الحقيقة أحياناً ويبتعدون عنها أحياناً أخرى. لم نكن نسأل كثيراً كنا فقط نصدق ونخاف ونبتسم. كانت تلك الحكايات بسيطة، لكنها بقيت في داخلنا. واليوم أرى الدهشة نفسها في عيون أطفالي حين تروي لهم والدتي قصص الأمس، وكأن الحكاية لا تكبر… بل تنتقل من جيل إلى جيل.
أتذكر أن جدتي كانت في حالة ارادت ان تمنع اخوتي من الخروج ليلاً تختصر الموضوع بجملة واحدة((لا تطلع بالليل، الطنطل يخطفك )).. او (لا تأكلك السعلوة ..)جملة قصيرة لكنها كانت تُشعل في مخيلتنا صوراًلا تنتهي عن ذلك الكائن الغامض. واليوم أدرك أن هذه الحكايات لم تكن مجرد تخويف، بل وسيلة شعبية لحماية الأطفال بلغة يفهمونها. فالرمز كان أقرب إلى عقولنا من التعليمات المباشرة بل جزء من الأساطير الشعبية التي شكّلت وعينا ومنحتنا لغة رمزية لفهم المجهول.
ومع مرور السنوات، اكتشفت أن الأساطير لم تُخلق لمجرد التسلية، بل لأنها تحمل في طياتها جوهر الإنسان. فهي مرآة لأحلامه ومخاوفه، ولصراعه الأبدي بين الخير والشر، الأمل واليأس. ولهذا، تظل الأساطير خالدة، لأنها ببساطة تتحدث بلسان كل جيل .
اليوم ومع تطور أدوات السرد، لم تعد هذه الحكايات القديمة حبيسة الذاكرة، بل وُلدت من جديد بروح معاصرة. فقصة علاء الدين والمصباح السحري التي روتها الجدات، أصبحت فيلم رسوم متحركة يبهر الأطفال حول العالم، ويأخذهم في رحلة من المغامرات، ومن الخوف الى الشجاعة. أما الأساطير اليونانية مثل أثينا إلهة الحرب أو زيوس سيد الآلهة، فقد تحولت إلى ألعاب فيديو تفاعلية، تمنح اللاعب فرصة أن يعيش أحداث القصة بنفسه، ويختبر صراع القوة والحكمة داخل عالم افتراضي نابض بالحياة. حتى حكاياتنا الشعبية مثل (الطنطل والسعلوة،) يمكن أن نجدها اليوم في أفلام الرعب أو في مسلسلات خيالية، تُعيد تقديمها بأساليب معاصرة وتحوّلها من مجرد وسيلة لتخويف الأطفال إلى رموز ثقافية غنية بالمعاني.
الأساطير تمنحنا أكثر من مجرد قصة؛ إنها تمنحنا شعوراً بالأمان ونحن نواجه مخاوفنا، وتلهمنا الخيال
من ملحمة جلجامش التي خرج فيها البطل من أسوار أوروك باحثاً عن الخلود، إلى قصص شهرزاد التي واجهت الموت بالحكاية، نجد أن الأسطورة في الرافدين لم تكن مجرد خرافة، بل تجربة إنسانية تُلخّص رحلة الإنسان من الخوف إلى المعرفة. جلجامش لم يجد الخلود في نبتةٍ أو في أرضٍ بعيدة، بل وجده ، في الحكاية التي تبقي الإنسان حياً في الذاكرة مهما رحل الجسد.
وما يجعل هذه الأساطير أكثر ثراءً اليوم هو قدرتها على عبور الحدود الثقافية. حين تمتزج الرموز الشرقية بالغربية، ويتلاقى الصوت الشعبي مع التقنيات الرقمية، نصبح أمام إبداع إنساني مشترك يلامس الجميع. الأدباء والفنانون المعاصرون يستلهمون هذه الحكايات ليطرحوا قضايا العدالة والحرية والهوية، والتكنولوجيا بدورها تمنح الأسطورة شكلاً جديداً من الشاشة إلى الواقع الافتراضي، حيث يعيش المتلقي داخل القصة لا مجرد مستمع لها.
بهذا الشكل، لا تبقى الأسطورة مجرد حكاية تُروى عند المساء، بل تتحول إلى لغة جديدة تعبر عن قضايا العصر: المساواة، العدالة، وغيرها . إنها جسر ممتد بين الماضي والحاضر، بين حكايات الجدات في بغداد القديمة وما نحياه نحن اليوم.
فالأسطورة لا تموت أبداً ؛ إنها تولد من جديد مع كل جيل، لتظل نبض خيال يضيء عبر الزمن…