( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال

صورة الكاتب
بقلم: فاضل الکعبي
التاريخ: 2 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2681
( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال

( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال

قبل أيام كنت في ضيافة عرض مسرحي مؤثّر شهدته قاعة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ، لم أكن قاصداً مشاهدة العرض هذا ، غير أنني وجدت نفسي منشدّاً إليه غاية الانشداد دون قصد مسبق ، وكنت قاصداً الزميل جمال الهاشمي ، الذي قيل لي هناك في القاعة ، والمقصود بها قاعة الاتحاد ، وأنا أدخل القاعة للقاء الهاشمي ، لفت انتباهي جمهور الأطفال متحفّزاً مع جمهور الكبار يأخذ مكانه لمشاهدة العرض هذا ، وما إن دخلت القاعة حتى رحّب بي الزملاء الأعزاء هناك من الأصدقاء الأدباء والكتّاب وأحاطوني بترحابهم الشفيف ، عندها أسرعت لآخذ مكاني بينهم ، و خجلت أن أدير ظهري للعرض وأغادر القاعة ، رغم أنني كنت في عجلة شديدة من أمري ، وفي حال لا يسمح لي بضياع الوقت والانتظار . لكنّني بعد ذلك ، ما إن بدأ العرض هذا بعد دقائق معدودة حتى وجدت نفسي وروحي وحواسي كلها متحفّزة نحو العرض ومشدودة إليه ، لا أدري كيف شدَّني إليه هكذا ، وسحرني بما كان منه ، حتى أنّني لحظتها نسيت حتى الأمر الذي جئت من أجله لهذا المكان ، كل ما كان يشغلني الآن في هذه اللحظات هو متابعة الأطفال وهم يُؤدون أدوارهم في هذا العرض المسرحي الماهر والباهر ، الذي أنساني ما أنا فيه من همّ وغمّ ، وشدّني إلى ما أتى به وعرضه هذا العرض المسرحي (الموجع ) من همّ وغمّ طال آلاف الأطفال واستوطن أجسادهم ، وقضم بمخالبه آمالهم وأحلامهم ، حتى نال من راحتهم وأرواحهم ، وتركهم هياكل مهشمة بأرواح متعبة تمشي على الأرض ، يطاردها ، ويسير معها كظلها ، العوز ، والمرض ، وفقدان الحقوق والآمال . عفواً !!… نسيت أخبركم عن هذا العرض ، فاستنطاق الأوجاع الذاتية مع ما كان من أوجاع عامة تنسيك حتى نفسك ، وهذا ما حصل بالفعل ، كنت أشاهد العرض وأبكي ، وغصة في الأعماق تتبعها غصة أخرى أجّجتها مشاهد الأطفال وهم يؤدون هذا العرض ببراعة فائقة ، وقدرة درامية هائلة تدلل على ما يكتنف هؤلاء الأطفال من وجع حقيقي تلبّس أرواحهم واحساسهم حقاً . العرض المسرحي هذا كان بعنوان ( حقوقنا ليست كلمات ) من تأليف الكاتب حسين محمد شريف واخراج الفنان أحمد كامل ، وعمل الموسيقى له الفنان صدام جبير وصمم الأزياء له السيدة ضي رسول وتمثيل تلميذات مدرسة سامراء الابتدائية للبنات ، وهو ثمرة تعاون بين تربية الرصافة الثالثة واتحاد الادباء والكتاب في العراق ، نادي أدب الطفل . المسرحية عرضت مأساة الأطفال ومعاناتهم مع متطلبات الحياة الكريمة بعد فقدانهم لأبسط الحقوق التي كانوا يطالبون بها حقا وحقيقة في واقع حياتهم المعيشية لا مجرد كلمات يسمعون بها دون تطبيق لها على أرض الواقع . في عرض هذه المسرحية كنت أمام طاقات فتية خلاقة بالتمثيل ، اهرني جدا أداء التلميذات الموهوبات البارعات : ( فاطمة عباس ) وهي تؤدي دور الراوية ، و ( نرجس صفاء ) بدور الفتاة البرجوازية ، و ( رتاج مصطفى ) بدور العاملة ليلة ، و ( جنة احمد ) وهي تؤدي دور بائعة المناديل ، وكذلك ( زهراء رسول ) التي برعت جدا بأدواء دورها ( صابرين ، الطفلة المريضة ) ، أما ( رهف صفاء ) فهي الأخرى كانت بارعة في أداء دور الطفلة المشردة . أمام هذا العرض المسرحي الباهر ، بهذه الطاقات الفنية الفتية نتساءل : أين دور الرعاية والاحتواء لمثل هذه الطاقة التمثيلية البارعة ؟.. كم نتمنى أن تكون هناك فرقة مسرحية تعنى بعروض مسرح الأطفال أو عروض المسرح المدرسي على الأقل داخل المدارس ، يقوم باستثمار طاقات هذه التلميذات البارعات اللواتي أجادنَّ أدوارهن إجادة كاملة من خلال ما قدّمن من براعة في الأداء والتمثيل بأحاسيس عالية وصادقة دفعنا إلى التفاعل معها غاية التفاعل . كل الشكر والتقدير لمن أشرف على هذا العرض وقدمه بهذا المستوى ، ومن أدى به الدور والبراعة من التلميذات المبدعات ومن المشرفين والمؤلف والمخرج ، الشكر والتقدير للزملاء الأعزاء في الاتحاد العزيز وفي إدارة نادي أدب الأطفال على هذا العرض الرائع والمثمر . كنت قد وعدت القائمين على هذا العرض بالكتابة عنه ، لكنّني تأخرت بوعدي بالكتابة لزحمة الالتزامات الأخرى التي حالت دون الكتابة ، وقد أتى الدور الآن عن هذه المسرحية الممتعة والمؤثرة ، ويبدو أن تزامنها جاء عفويا وطبيعيا مع ما يحدث الآن في بلادنا العزيزة التي نهض الخيرون فيها لمطاردة الفاسدين من سراق المال العام ، وهو مال هذا المريض الذي ينشد الدواء دون الحصول عليه ، ومال المريض الذي يحلم بمبلغ من المال لاجراء عمليته الجراحية ، ومال الفقير الذي ينشد لأطفال لقمة بالحلال ، وهو مال هذا الطفل وتلك الطفلة ، وكل الأطفال الآخرين الذين ظهروا في هذه المسرحية وغيرها ينشدون حقوقهم المهدورة ، والسّراق يدفنون الملايين والملايين تحت الأرض في الخلاء ، ويصنعون ملابسهم الداخلية من الذهب المكدس من السحت الحرام بمال مسروق ، فأي ضمير ، وأي روح إنسانية تقبل هذا وهناك من يحتاج لجزء الجزء من بعض هذا المال ؟. فجزء الجزء من أبسط أجزاء الجزء وأدناه وأبسطه بأبسط ما يكون يمكن أن ننعش حقوق الملايين من الأطفال والراشدين وجعلهم ينعمون بالحياة الكريمة المنشودة .

 

عن الکاتب / الکاتبة

فاضل الکعبي
فاضل الکعبي
شاعر . ناقد . باحث متخصص بأدب ومسرح وثقافة الأطفال / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال

بقلم: فاضل الکعبي | التاريخ: 2 يوليو 2026

التصنيف: أدب الأطفال

( حقوقنا ليست كلمات ) عرض مسرحي للأطفال

قبل أيام كنت في ضيافة عرض مسرحي مؤثّر شهدته قاعة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ، لم أكن قاصداً مشاهدة العرض هذا ، غير أنني وجدت نفسي منشدّاً إليه غاية الانشداد دون قصد مسبق ، وكنت قاصداً الزميل جمال الهاشمي ، الذي قيل لي هناك في القاعة ، والمقصود بها قاعة الاتحاد ، وأنا أدخل القاعة للقاء الهاشمي ، لفت انتباهي جمهور الأطفال متحفّزاً مع جمهور الكبار يأخذ مكانه لمشاهدة العرض هذا ، وما إن دخلت القاعة حتى رحّب بي الزملاء الأعزاء هناك من الأصدقاء الأدباء والكتّاب وأحاطوني بترحابهم الشفيف ، عندها أسرعت لآخذ مكاني بينهم ، و خجلت أن أدير ظهري للعرض وأغادر القاعة ، رغم أنني كنت في عجلة شديدة من أمري ، وفي حال لا يسمح لي بضياع الوقت والانتظار . لكنّني بعد ذلك ، ما إن بدأ العرض هذا بعد دقائق معدودة حتى وجدت نفسي وروحي وحواسي كلها متحفّزة نحو العرض ومشدودة إليه ، لا أدري كيف شدَّني إليه هكذا ، وسحرني بما كان منه ، حتى أنّني لحظتها نسيت حتى الأمر الذي جئت من أجله لهذا المكان ، كل ما كان يشغلني الآن في هذه اللحظات هو متابعة الأطفال وهم يُؤدون أدوارهم في هذا العرض المسرحي الماهر والباهر ، الذي أنساني ما أنا فيه من همّ وغمّ ، وشدّني إلى ما أتى به وعرضه هذا العرض المسرحي (الموجع ) من همّ وغمّ طال آلاف الأطفال واستوطن أجسادهم ، وقضم بمخالبه آمالهم وأحلامهم ، حتى نال من راحتهم وأرواحهم ، وتركهم هياكل مهشمة بأرواح متعبة تمشي على الأرض ، يطاردها ، ويسير معها كظلها ، العوز ، والمرض ، وفقدان الحقوق والآمال . عفواً !!… نسيت أخبركم عن هذا العرض ، فاستنطاق الأوجاع الذاتية مع ما كان من أوجاع عامة تنسيك حتى نفسك ، وهذا ما حصل بالفعل ، كنت أشاهد العرض وأبكي ، وغصة في الأعماق تتبعها غصة أخرى أجّجتها مشاهد الأطفال وهم يؤدون هذا العرض ببراعة فائقة ، وقدرة درامية هائلة تدلل على ما يكتنف هؤلاء الأطفال من وجع حقيقي تلبّس أرواحهم واحساسهم حقاً . العرض المسرحي هذا كان بعنوان ( حقوقنا ليست كلمات ) من تأليف الكاتب حسين محمد شريف واخراج الفنان أحمد كامل ، وعمل الموسيقى له الفنان صدام جبير وصمم الأزياء له السيدة ضي رسول وتمثيل تلميذات مدرسة سامراء الابتدائية للبنات ، وهو ثمرة تعاون بين تربية الرصافة الثالثة واتحاد الادباء والكتاب في العراق ، نادي أدب الطفل . المسرحية عرضت مأساة الأطفال ومعاناتهم مع متطلبات الحياة الكريمة بعد فقدانهم لأبسط الحقوق التي كانوا يطالبون بها حقا وحقيقة في واقع حياتهم المعيشية لا مجرد كلمات يسمعون بها دون تطبيق لها على أرض الواقع . في عرض هذه المسرحية كنت أمام طاقات فتية خلاقة بالتمثيل ، اهرني جدا أداء التلميذات الموهوبات البارعات : ( فاطمة عباس ) وهي تؤدي دور الراوية ، و ( نرجس صفاء ) بدور الفتاة البرجوازية ، و ( رتاج مصطفى ) بدور العاملة ليلة ، و ( جنة احمد ) وهي تؤدي دور بائعة المناديل ، وكذلك ( زهراء رسول ) التي برعت جدا بأدواء دورها ( صابرين ، الطفلة المريضة ) ، أما ( رهف صفاء ) فهي الأخرى كانت بارعة في أداء دور الطفلة المشردة . أمام هذا العرض المسرحي الباهر ، بهذه الطاقات الفنية الفتية نتساءل : أين دور الرعاية والاحتواء لمثل هذه الطاقة التمثيلية البارعة ؟.. كم نتمنى أن تكون هناك فرقة مسرحية تعنى بعروض مسرح الأطفال أو عروض المسرح المدرسي على الأقل داخل المدارس ، يقوم باستثمار طاقات هذه التلميذات البارعات اللواتي أجادنَّ أدوارهن إجادة كاملة من خلال ما قدّمن من براعة في الأداء والتمثيل بأحاسيس عالية وصادقة دفعنا إلى التفاعل معها غاية التفاعل . كل الشكر والتقدير لمن أشرف على هذا العرض وقدمه بهذا المستوى ، ومن أدى به الدور والبراعة من التلميذات المبدعات ومن المشرفين والمؤلف والمخرج ، الشكر والتقدير للزملاء الأعزاء في الاتحاد العزيز وفي إدارة نادي أدب الأطفال على هذا العرض الرائع والمثمر . كنت قد وعدت القائمين على هذا العرض بالكتابة عنه ، لكنّني تأخرت بوعدي بالكتابة لزحمة الالتزامات الأخرى التي حالت دون الكتابة ، وقد أتى الدور الآن عن هذه المسرحية الممتعة والمؤثرة ، ويبدو أن تزامنها جاء عفويا وطبيعيا مع ما يحدث الآن في بلادنا العزيزة التي نهض الخيرون فيها لمطاردة الفاسدين من سراق المال العام ، وهو مال هذا المريض الذي ينشد الدواء دون الحصول عليه ، ومال المريض الذي يحلم بمبلغ من المال لاجراء عمليته الجراحية ، ومال الفقير الذي ينشد لأطفال لقمة بالحلال ، وهو مال هذا الطفل وتلك الطفلة ، وكل الأطفال الآخرين الذين ظهروا في هذه المسرحية وغيرها ينشدون حقوقهم المهدورة ، والسّراق يدفنون الملايين والملايين تحت الأرض في الخلاء ، ويصنعون ملابسهم الداخلية من الذهب المكدس من السحت الحرام بمال مسروق ، فأي ضمير ، وأي روح إنسانية تقبل هذا وهناك من يحتاج لجزء الجزء من بعض هذا المال ؟. فجزء الجزء من أبسط أجزاء الجزء وأدناه وأبسطه بأبسط ما يكون يمكن أن ننعش حقوق الملايين من الأطفال والراشدين وجعلهم ينعمون بالحياة الكريمة المنشودة .