حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 22 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 3670
حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري

حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري

تأملات في الموروث الشعبي في كتاب حروف نُسجت على صفحات جنزار للدكتورة سُكرة علي الكبيسي

 

ثمة أصوات لا تنطفئ مهما تعاقبت الأزمنة، لأنها لم تُخلق لتُسمع فحسب، بل لتُعاش وتُورث جيلاً بعد جيل. وحين تتراجع الذاكرة الفردية أمام سطوة الزمن، تنهض الذاكرة الجمعية لتحتفظ بما تبقى من ملامح الإنسان والمكان. من هنا كان الموروث الشعبي أكثر من مجرد حكايات وأهازيج وأشعار؛ إنه السجل الوجداني للأمم، والمرآة التي تعكس ملامح هويتها الثقافية والاجتماعية.

ولعل الفيلسوف الفرنسي “بول ريكور” كان مصيباً حين رأى:

“أن الذاكرة هي الحارس الأمين للهوية”

لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من ذاتها. ولهذا تكتسب الدراسات التي تُعنى بالموروث الشعبي أهمية خاصة، إذ لا تكتفي بتوثيق الماضي، بل تسهم في صيانة الروح التي صنعت ذلك الماضي.

وفي هذا السياق يأتي كتاب “حروف نُسجت على صفحات جنزار” للدكتورة سُكرة علي الكبيسي بوصفه محاولة واعية لاستنطاق الذاكرة الشعبية لمنطقة الشرقاط، واستعادة ما اختزنته من صور وأصوات وتجارب إنسانية ما زالت تنبض بالحياة رغم تبدل الأزمنة، والتي ذكرت فيه “جنزار” وهو على ما يبدو تل مرتفع في منطقة الجرناف في الشرقاط ومكون من مقطعين “جن” و”زار” أي زارها الجن. فالكتاب لا يكتفي بتسجيل الموروث، بل يحوله إلى مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بأرضه وتاريخه ووجدانه.

فالموروث الشعبي، في جوهره، ليس حنيناً عابراً إلى الماضي، ولا بكائية على زمن مضى، بل هو احتفاء بالأصالة واستحضار للقيم الإنسانية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي. وهو ما ورثه الأبناء عن الآباء والأجداد من حكم وتجارب وأمثال وأشعار وحكايات، حتى غدا بناءً ثقافياً متراكماً شاركت في تشييده أجيال متعاقبة.

وقد قال الفيلسوف الألماني “مارتن هايدغر”:

“الإنسان يسكن العالم باللغة”

ولعل اللغة الشعبية هي أكثر اللغات التصاقاً بروح المكان، لأنها خرجت من رحم التجربة اليومية، وحملت نبض الناس البسطاء وأحلامهم وانكساراتهم. لذلك ظل الموروث الشعبي عصياً على الاندثار، إذ لم تستطع الحداثة، على الرغم من صخبها، أن تنتزع تلك الومضات الراسخة في أعماق الوجدان.

ومن بين أبرز تجليات هذا الموروث الشعبي في منطقة الشرقاط فنّا العتابة والزهيري، وهما ليسا مجرد أنماط شعرية شعبية، بل شكلان من أشكال التعبير الوجداني العميق، استطاعا أن يحفظا ذاكرة الإنسان الريفي والبدوي، وأن ينقلا تفاصيل حياته بلغة تجمع بين البساطة والعمق.

فالعتابة ليست أبياتاً تُقال فحسب، بل هي أنين روح تبحث عن متنفس للحزن، ونافذة يطل منها الإنسان على ما يعتمل في داخله من شوق وألم وحنين. إنها ذلك الصوت الخارج من قلب التجربة الإنسانية حين تعجز اللغة المباشرة عن حمل ثقل المشاعر. وتقوم العتابة غالباً على وزن الوافر، وتنتهي أشطرها الثلاثة الأولى بألفاظ متشابهة لفظاً مختلفة معنى، لتأتي القفلة الرابعة مختلفة في اللفظ والمعنى، فتمنح النص بعداً جمالياً قائماً على المفارقة والدلالة المزدوجة. وهذا البناء الفني لم يكن وليد المصادفة، بل يعكس ذكاءً لغوياً وقدرة على تطويع المفردة الشعبية لتؤدي أكثر من معنى في آن واحد. ولعل ما يميز العتابة أنها ولدت من رحم المعاناة الإنسانية، فالشاعر الشعبي لم يكن يكتب في عزلة عن الواقع، بل كان يعيش تفاصيل الحياة بكل ما فيها من أفراح وأحزان، لذلك جاءت العتابة محملة بصدق التجربة، وكأنها دمعة تحولت إلى كلمات.

ومن الشواهد التي أوردتها الكاتبة قول الشاعر:

أبات الليل چالمحزون عالظن

ونياب الدهر بحشاي عظّن

أنا المچتول يا خِلّان عالظن

ابتهيمه والشهود أنطوا گفا

لا يقف هذا النص عند حدود حادثة فردية، بل يتجاوزها إلى تصوير مأساة إنسانية أوسع، هي مأساة الظلم حين يتحول الظن إلى حقيقة، والشك إلى حكم، والإشاعة إلى مصير. فالشاعر يرسم صورة لإنسان سُلب حقه وحياته بسبب تهمة لم تثبت، ليغدو الظن في النص رمزاً لكل الأحكام المتسرعة التي قد تدمر حياة الأبرياء.

أما عبارة ونياب الدهر بحشاي عظّن، فتجسد الدهر في صورة وحش كاسر يغرس أنيابه في الأحشاء، وكأن الألم لم يعد حدثاً خارجياً، بل صار جزءاً من الجسد والروح. وهنا تتجلى قدرة الشعر الشعبي على تحويل التجربة الفردية إلى صورة إنسانية عامة يتماهى معها المتلقي مهما اختلف الزمان والمكان. فالكلمة الأولى كانت كالمحزون على نعمة الانجاب، والثانية الأنياب في الأحشاء، والثالثة المقتول على الظن،، والقفل إنها كانت تهمة وكان الشهود شهود زور.

وإذا كانت العتابة صوت الوجع الإنساني، فإن الزهيري يبدو أقرب إلى الحكيم الذي يجلس عند مفترق الطرق ليروي خلاصة ما تعلمه من الحياة. فهو بناء شعري يقوم على سبعة أشطر، تتكرر فيها القوافي بطريقة فنية تمنح النص كثافة دلالية ومساحة واسعة للتأمل، فالثلاثة الأولى متشابهة القوافي مختلفة المعنى، والثلاثة الأخرى أيضا متشابهة القوافي مختلفة المعنى، أما السابعة فتكون كالقافية الثلاث الأولى لكنها مختلفة في المعنى.

وقد نُسب هذا الفن إلى الشيخ عبد الله الزهيري، وأصبح مع مرور الزمن من أبرز الفنون الشعرية الشعبية التي تحمل الحكمة والخبرة الحياتية، حتى غدا أشبه بفلسفة شعبية مكثفة تُصاغ بلغة الشعر.

ومن النماذج التي أوردتها الكاتبة قول الملا صالح بن حمد الشبلي:

وآني برؤيا المنام إنباح لي بالسرا

إن الليالي إتحب مسايسه بالسرا

إن جاد حظّك نباتك عالندى بالسرا

وإن شاه حظك لولنّه بالسجي ذابلي

تبلى القرون ونحـن بعدهم ذابلي

الرجح للأكثر إيگولون الحچي ذا بلي

الحگ بالسيف والعاجز إبحسن السرا

في هذا البيت من الزهيري تتجسد رؤية فلسفية للحياة حيث تقوم على فكرة التحول والتبدل. فالليالي لا تستقر على حال، والحظ ليس ثابتاً، والرخاء لا يدوم، كما أن الشدة ليست أبدية. إنها نظرة قريبة من قول الفيلسوف “هرقليطس”:

“لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين”

لأن كل شيء في حالة تغير دائم حتى الماء يتبدل. ويستثمر الشاعر صورة النبات ليجعلها استعارة للإنسان نفسه؛ فإن وافقه الحظ نما وازدهر، وإن عاكسته الظروف ذبل وانكسر. ثم ينتقل إلى حقيقة الزمن الكبرى حين يؤكد أن القرون تبلى، وأن الإنسان جزء من هذه الدورة الكونية التي لا تستثني أحداً.

وهنا لا يبدو الزهيري مجرد نص شعري، بل تأملاً وجودياً في مصير الإنسان، ومحاولة لفهم العلاقة بين القدر والإرادة، وبين القوة والضعف، وبين الحقيقة والوهم.

إن قراءة الموروث الشعبي ليست عودة إلى الوراء، بل هي عودة إلى الجذور التي تمنح الشجرة قدرتها على الاستمرار في مواجهة الريح. فالعتابة والزهيري ليسا بقايا زمن مضى، وإنما أصوات ما زالت تسكن وجدان الناس، وتحمل في ثناياها حكمة الأجداد وتجاربهم ورؤيتهم للحياة.

وإلى جانب كون الدكتورة سُكرة علي الكبيسي باحثة متمرسة في الموروث الشعبي، فهي أيضاً ابنة لهذه البيئة، عاشت تفاصيلها، ولامست أحزانها وأفراحها، وخبرت ما يختزنه هذا الشعر من مشاعر وتجارب. بل إن لها باعاً طويلاً في التأليف والمساجلة الشعرية، إذ تمتلك ناصية العتابة والزهيري، وتشارك في مساجلات عديدة، مما جعل قراءتها لهذين الفنين تنبع من الداخل، من صميم التجربة الإنسانية ذاتها، لا من مجرد تأمل أكاديمي بارد.

ومن أبياتها في العتابة ما يعكس عمق الألم الإنساني المتصل بفقد الأحبة، حيث تقول:

سوى چبدي ونين البوم وانهام

وعلى فراگ الغوالي الگلب ون هام

نشدت الدار وين ارحلوا وانهم

مجافي جوّى حدرات التراب

في هذا النص، تستلهم الشاعرة صورة الكبد الذي يُئن كصوت حادي الرحيل، وتبدو وكأنها توحي بأن لا شيء سوى كبدها يئن من شدة الوجع، مماثلاً لنحيب البوم الناعق بالرحيل. وعلى فراق الأحبة، فقد كاد عقلها أن يضيع من كثرة الوَنين والألم المتكرر. ثم تسأل الدار التي عانت فيها فراقين؛ فراق النشأة الأولى ومن ثم فراق الأحبة ومنهم والدها الذي وافته المنية في آن واحد. وهي وإن كانت تعلم الجواب، إلا أن السؤال ذاته هو عين الألم، ليكون الجواب أنهم تحت التراب، وكأنها تريد أن تسمع من الدار ما يؤكد مصيرها المحتوم، فتضاعف الحسرة على الغياب.

وهذا التكرار الموجع للفقد يدفعها إلى محاولة التنفيس عنه عبر العتابة، غير أنها لم تكتف بذلك، بل لجأت إلى الزهيري عسى أن يبدد ذلك التراكم اليومي للحزن، متحسرة على والدها وديار الأهل، حيث قالت:

مريت ديرة هلي حزين وانبيها

وإن الهوادي علاها البوم ون نيها

ردت آني أگف الدمع عن عيني ون بيها

عيون جوّى الجفن تهمل دموع ودم

والله يعين الفگد اعزاز گلبه ودم

ما تنجلي حسرتي طول العمر مادام

ألفي على ديارهم ما مش حدا بيها

في هذا البيت من الزهيري، تظهر حسرتها وهي تمر على ديار أهلها، فتسألها عن ساكنيها، وإذا بها تستقبلها أصوات البوم النائح على تلك الهوادي الخالية. فتحاول كبح دموعها التي تنهمر بغزارة، لتكتشف أن عيوناً أخرى تحت الجفن تنزف دماً لهذا الفراق، وكأن الألم تجاوز حد الدموع إلى نزيف أعمق. ثم تتوجه إلى الله بالدعاء لمن فقد عزيزاً وغُيب تحت التراب، معترفة بأن حسرتها لن تنجلي طول العمر، ما دامت تعود إلى الديار فلا تجد فيها أحداً يسكنها، وكيف تجد من فارق الحياة إلى الدار الآخرة؟ وهكذا تتجسد في شعرها رؤية وجودية للحزن، حيث يمتزج المكان بالذات، وتصبح الديار شاهداً على الغياب، واللغة مرآة للوجع المتجدد، فلا عزاء إلا في التعبير الشعري الذي يحوّل الفقد الفردي إلى مرثية جماعية للذاكرة والهوية.

على ضوء ما تقدم، فإن العتابة والزهيري لم يكونا مجرد وسيلتين للتعبير الفني، بل أديا دوراً مهماً في صون الذاكرة الجمعية، ومقاومة النسيان، وحفظ القيم الاجتماعية، بل وتحولا أحياناً إلى وسيلة للنقد الاجتماعي والسياسي عبر الرمز والتلميح والمجاز.

إن قراءة الموروث الشعبي ليست عودة إلى الوراء، بل هي عودة إلى الجذور التي تمنح الشجرة قدرتها على الاستمرار في مواجهة الريح. فالعتابة والزهيري ليسا بقايا زمن مضى، وإنما أصوات ما زالت تسكن وجدان الناس، وتحمل في ثناياها حكمة الأجداد وتجاربهم ورؤيتهم للحياة.

ومن هنا تتجلى أهمية كتاب “حروف نُسجت على صفحات جنزار”، لأنه لا يستحضر الماضي بوصفه ذكرى جامدة، بل يقدمه بوصفه طاقة ثقافية قادرة على إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل. وحين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري، فإنهما لا يرويان حكاية فرد أو مكان فحسب، بل يرويان حكاية الإنسان وهو يقاوم النسيان، ويتمسك بهويته، ويترك أثره في الزمن قبل أن يمضي.

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

على أعتاب الغيب

على أعتاب الغيب

على أعتاب الغيب   ثمة أبوابٌ في الحياة تُفتح باليد، وأخرى تُفتح بالقلب، لكن ثمة…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
9 يوليو 2026
اقرأ المزيد
بين الخذلان والإنصاف السماوي قراءة تأملية في براءة سوني ومأساة العشق للكاتبة زاكيز الزينل

بين الخذلان والإنصاف السماوي قراءة تأملية في براءة سوني ومأساة العشق للكاتبة زاكيز الزينل

بين الخذلان والإنصاف السماوي قراءة تأملية في براءة سوني ومأساة العشق للكاتبة زاكيز الزينل ثمة…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
5 يوليو 2026
اقرأ المزيد
“حدود الامتلاء”

“حدود الامتلاء”

حدود الامتلاء على ضفة دجلة، في إحدى القرى التي كانت تستمد هدوءها من النهر وتقلباتها…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
2 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 22 يوليو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري

تأملات في الموروث الشعبي في كتاب حروف نُسجت على صفحات جنزار للدكتورة سُكرة علي الكبيسي

 

ثمة أصوات لا تنطفئ مهما تعاقبت الأزمنة، لأنها لم تُخلق لتُسمع فحسب، بل لتُعاش وتُورث جيلاً بعد جيل. وحين تتراجع الذاكرة الفردية أمام سطوة الزمن، تنهض الذاكرة الجمعية لتحتفظ بما تبقى من ملامح الإنسان والمكان. من هنا كان الموروث الشعبي أكثر من مجرد حكايات وأهازيج وأشعار؛ إنه السجل الوجداني للأمم، والمرآة التي تعكس ملامح هويتها الثقافية والاجتماعية.

ولعل الفيلسوف الفرنسي “بول ريكور” كان مصيباً حين رأى:

“أن الذاكرة هي الحارس الأمين للهوية”

لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من ذاتها. ولهذا تكتسب الدراسات التي تُعنى بالموروث الشعبي أهمية خاصة، إذ لا تكتفي بتوثيق الماضي، بل تسهم في صيانة الروح التي صنعت ذلك الماضي.

وفي هذا السياق يأتي كتاب “حروف نُسجت على صفحات جنزار” للدكتورة سُكرة علي الكبيسي بوصفه محاولة واعية لاستنطاق الذاكرة الشعبية لمنطقة الشرقاط، واستعادة ما اختزنته من صور وأصوات وتجارب إنسانية ما زالت تنبض بالحياة رغم تبدل الأزمنة، والتي ذكرت فيه “جنزار” وهو على ما يبدو تل مرتفع في منطقة الجرناف في الشرقاط ومكون من مقطعين “جن” و”زار” أي زارها الجن. فالكتاب لا يكتفي بتسجيل الموروث، بل يحوله إلى مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بأرضه وتاريخه ووجدانه.

فالموروث الشعبي، في جوهره، ليس حنيناً عابراً إلى الماضي، ولا بكائية على زمن مضى، بل هو احتفاء بالأصالة واستحضار للقيم الإنسانية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي. وهو ما ورثه الأبناء عن الآباء والأجداد من حكم وتجارب وأمثال وأشعار وحكايات، حتى غدا بناءً ثقافياً متراكماً شاركت في تشييده أجيال متعاقبة.

وقد قال الفيلسوف الألماني “مارتن هايدغر”:

“الإنسان يسكن العالم باللغة”

ولعل اللغة الشعبية هي أكثر اللغات التصاقاً بروح المكان، لأنها خرجت من رحم التجربة اليومية، وحملت نبض الناس البسطاء وأحلامهم وانكساراتهم. لذلك ظل الموروث الشعبي عصياً على الاندثار، إذ لم تستطع الحداثة، على الرغم من صخبها، أن تنتزع تلك الومضات الراسخة في أعماق الوجدان.

ومن بين أبرز تجليات هذا الموروث الشعبي في منطقة الشرقاط فنّا العتابة والزهيري، وهما ليسا مجرد أنماط شعرية شعبية، بل شكلان من أشكال التعبير الوجداني العميق، استطاعا أن يحفظا ذاكرة الإنسان الريفي والبدوي، وأن ينقلا تفاصيل حياته بلغة تجمع بين البساطة والعمق.

فالعتابة ليست أبياتاً تُقال فحسب، بل هي أنين روح تبحث عن متنفس للحزن، ونافذة يطل منها الإنسان على ما يعتمل في داخله من شوق وألم وحنين. إنها ذلك الصوت الخارج من قلب التجربة الإنسانية حين تعجز اللغة المباشرة عن حمل ثقل المشاعر. وتقوم العتابة غالباً على وزن الوافر، وتنتهي أشطرها الثلاثة الأولى بألفاظ متشابهة لفظاً مختلفة معنى، لتأتي القفلة الرابعة مختلفة في اللفظ والمعنى، فتمنح النص بعداً جمالياً قائماً على المفارقة والدلالة المزدوجة. وهذا البناء الفني لم يكن وليد المصادفة، بل يعكس ذكاءً لغوياً وقدرة على تطويع المفردة الشعبية لتؤدي أكثر من معنى في آن واحد. ولعل ما يميز العتابة أنها ولدت من رحم المعاناة الإنسانية، فالشاعر الشعبي لم يكن يكتب في عزلة عن الواقع، بل كان يعيش تفاصيل الحياة بكل ما فيها من أفراح وأحزان، لذلك جاءت العتابة محملة بصدق التجربة، وكأنها دمعة تحولت إلى كلمات.

ومن الشواهد التي أوردتها الكاتبة قول الشاعر:

أبات الليل چالمحزون عالظن

ونياب الدهر بحشاي عظّن

أنا المچتول يا خِلّان عالظن

ابتهيمه والشهود أنطوا گفا

لا يقف هذا النص عند حدود حادثة فردية، بل يتجاوزها إلى تصوير مأساة إنسانية أوسع، هي مأساة الظلم حين يتحول الظن إلى حقيقة، والشك إلى حكم، والإشاعة إلى مصير. فالشاعر يرسم صورة لإنسان سُلب حقه وحياته بسبب تهمة لم تثبت، ليغدو الظن في النص رمزاً لكل الأحكام المتسرعة التي قد تدمر حياة الأبرياء.

أما عبارة ونياب الدهر بحشاي عظّن، فتجسد الدهر في صورة وحش كاسر يغرس أنيابه في الأحشاء، وكأن الألم لم يعد حدثاً خارجياً، بل صار جزءاً من الجسد والروح. وهنا تتجلى قدرة الشعر الشعبي على تحويل التجربة الفردية إلى صورة إنسانية عامة يتماهى معها المتلقي مهما اختلف الزمان والمكان. فالكلمة الأولى كانت كالمحزون على نعمة الانجاب، والثانية الأنياب في الأحشاء، والثالثة المقتول على الظن،، والقفل إنها كانت تهمة وكان الشهود شهود زور.

وإذا كانت العتابة صوت الوجع الإنساني، فإن الزهيري يبدو أقرب إلى الحكيم الذي يجلس عند مفترق الطرق ليروي خلاصة ما تعلمه من الحياة. فهو بناء شعري يقوم على سبعة أشطر، تتكرر فيها القوافي بطريقة فنية تمنح النص كثافة دلالية ومساحة واسعة للتأمل، فالثلاثة الأولى متشابهة القوافي مختلفة المعنى، والثلاثة الأخرى أيضا متشابهة القوافي مختلفة المعنى، أما السابعة فتكون كالقافية الثلاث الأولى لكنها مختلفة في المعنى.

وقد نُسب هذا الفن إلى الشيخ عبد الله الزهيري، وأصبح مع مرور الزمن من أبرز الفنون الشعرية الشعبية التي تحمل الحكمة والخبرة الحياتية، حتى غدا أشبه بفلسفة شعبية مكثفة تُصاغ بلغة الشعر.

ومن النماذج التي أوردتها الكاتبة قول الملا صالح بن حمد الشبلي:

وآني برؤيا المنام إنباح لي بالسرا

إن الليالي إتحب مسايسه بالسرا

إن جاد حظّك نباتك عالندى بالسرا

وإن شاه حظك لولنّه بالسجي ذابلي

تبلى القرون ونحـن بعدهم ذابلي

الرجح للأكثر إيگولون الحچي ذا بلي

الحگ بالسيف والعاجز إبحسن السرا

في هذا البيت من الزهيري تتجسد رؤية فلسفية للحياة حيث تقوم على فكرة التحول والتبدل. فالليالي لا تستقر على حال، والحظ ليس ثابتاً، والرخاء لا يدوم، كما أن الشدة ليست أبدية. إنها نظرة قريبة من قول الفيلسوف “هرقليطس”:

“لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين”

لأن كل شيء في حالة تغير دائم حتى الماء يتبدل. ويستثمر الشاعر صورة النبات ليجعلها استعارة للإنسان نفسه؛ فإن وافقه الحظ نما وازدهر، وإن عاكسته الظروف ذبل وانكسر. ثم ينتقل إلى حقيقة الزمن الكبرى حين يؤكد أن القرون تبلى، وأن الإنسان جزء من هذه الدورة الكونية التي لا تستثني أحداً.

وهنا لا يبدو الزهيري مجرد نص شعري، بل تأملاً وجودياً في مصير الإنسان، ومحاولة لفهم العلاقة بين القدر والإرادة، وبين القوة والضعف، وبين الحقيقة والوهم.

إن قراءة الموروث الشعبي ليست عودة إلى الوراء، بل هي عودة إلى الجذور التي تمنح الشجرة قدرتها على الاستمرار في مواجهة الريح. فالعتابة والزهيري ليسا بقايا زمن مضى، وإنما أصوات ما زالت تسكن وجدان الناس، وتحمل في ثناياها حكمة الأجداد وتجاربهم ورؤيتهم للحياة.

وإلى جانب كون الدكتورة سُكرة علي الكبيسي باحثة متمرسة في الموروث الشعبي، فهي أيضاً ابنة لهذه البيئة، عاشت تفاصيلها، ولامست أحزانها وأفراحها، وخبرت ما يختزنه هذا الشعر من مشاعر وتجارب. بل إن لها باعاً طويلاً في التأليف والمساجلة الشعرية، إذ تمتلك ناصية العتابة والزهيري، وتشارك في مساجلات عديدة، مما جعل قراءتها لهذين الفنين تنبع من الداخل، من صميم التجربة الإنسانية ذاتها، لا من مجرد تأمل أكاديمي بارد.

ومن أبياتها في العتابة ما يعكس عمق الألم الإنساني المتصل بفقد الأحبة، حيث تقول:

سوى چبدي ونين البوم وانهام

وعلى فراگ الغوالي الگلب ون هام

نشدت الدار وين ارحلوا وانهم

مجافي جوّى حدرات التراب

في هذا النص، تستلهم الشاعرة صورة الكبد الذي يُئن كصوت حادي الرحيل، وتبدو وكأنها توحي بأن لا شيء سوى كبدها يئن من شدة الوجع، مماثلاً لنحيب البوم الناعق بالرحيل. وعلى فراق الأحبة، فقد كاد عقلها أن يضيع من كثرة الوَنين والألم المتكرر. ثم تسأل الدار التي عانت فيها فراقين؛ فراق النشأة الأولى ومن ثم فراق الأحبة ومنهم والدها الذي وافته المنية في آن واحد. وهي وإن كانت تعلم الجواب، إلا أن السؤال ذاته هو عين الألم، ليكون الجواب أنهم تحت التراب، وكأنها تريد أن تسمع من الدار ما يؤكد مصيرها المحتوم، فتضاعف الحسرة على الغياب.

وهذا التكرار الموجع للفقد يدفعها إلى محاولة التنفيس عنه عبر العتابة، غير أنها لم تكتف بذلك، بل لجأت إلى الزهيري عسى أن يبدد ذلك التراكم اليومي للحزن، متحسرة على والدها وديار الأهل، حيث قالت:

مريت ديرة هلي حزين وانبيها

وإن الهوادي علاها البوم ون نيها

ردت آني أگف الدمع عن عيني ون بيها

عيون جوّى الجفن تهمل دموع ودم

والله يعين الفگد اعزاز گلبه ودم

ما تنجلي حسرتي طول العمر مادام

ألفي على ديارهم ما مش حدا بيها

في هذا البيت من الزهيري، تظهر حسرتها وهي تمر على ديار أهلها، فتسألها عن ساكنيها، وإذا بها تستقبلها أصوات البوم النائح على تلك الهوادي الخالية. فتحاول كبح دموعها التي تنهمر بغزارة، لتكتشف أن عيوناً أخرى تحت الجفن تنزف دماً لهذا الفراق، وكأن الألم تجاوز حد الدموع إلى نزيف أعمق. ثم تتوجه إلى الله بالدعاء لمن فقد عزيزاً وغُيب تحت التراب، معترفة بأن حسرتها لن تنجلي طول العمر، ما دامت تعود إلى الديار فلا تجد فيها أحداً يسكنها، وكيف تجد من فارق الحياة إلى الدار الآخرة؟ وهكذا تتجسد في شعرها رؤية وجودية للحزن، حيث يمتزج المكان بالذات، وتصبح الديار شاهداً على الغياب، واللغة مرآة للوجع المتجدد، فلا عزاء إلا في التعبير الشعري الذي يحوّل الفقد الفردي إلى مرثية جماعية للذاكرة والهوية.

على ضوء ما تقدم، فإن العتابة والزهيري لم يكونا مجرد وسيلتين للتعبير الفني، بل أديا دوراً مهماً في صون الذاكرة الجمعية، ومقاومة النسيان، وحفظ القيم الاجتماعية، بل وتحولا أحياناً إلى وسيلة للنقد الاجتماعي والسياسي عبر الرمز والتلميح والمجاز.

إن قراءة الموروث الشعبي ليست عودة إلى الوراء، بل هي عودة إلى الجذور التي تمنح الشجرة قدرتها على الاستمرار في مواجهة الريح. فالعتابة والزهيري ليسا بقايا زمن مضى، وإنما أصوات ما زالت تسكن وجدان الناس، وتحمل في ثناياها حكمة الأجداد وتجاربهم ورؤيتهم للحياة.

ومن هنا تتجلى أهمية كتاب “حروف نُسجت على صفحات جنزار”، لأنه لا يستحضر الماضي بوصفه ذكرى جامدة، بل يقدمه بوصفه طاقة ثقافية قادرة على إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل. وحين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري، فإنهما لا يرويان حكاية فرد أو مكان فحسب، بل يرويان حكاية الإنسان وهو يقاوم النسيان، ويتمسك بهويته، ويترك أثره في الزمن قبل أن يمضي.