زهايمر
مضى زمنٌ طويل على آخر لقاء جمعنا معاً . بدا أكبر من عمره بكثير، كأنه مشرفٌ
على الثمانين برغم انه بعمري تماماً.
حدَّثني بيقينٍ وهدوء قاتل، وعينينٍ زائغتين، وهو يتحاشى إطالةَ النظرِ في وجهي.
شكَكْتُ في البداية أنه قد عَرَفني، لولا أن بادرَ إلى تحيَّتي ونطق باسميَ كاملاً بلفظ واضح سليم.
مدَّ يدهُ إلى جيب سترته الداخلي، وأخرجَ صورةً قديمة تعود إلى سنوات دراستنا الجامعية.
قال:
“انظر إلى هذه المرأة، أكيد أنك تتذكرها؟ إذ لا يمكنك أن تنسى روعتَها وجمالَها”.
ـــ “أووه بالتأكيد، ما لذي ذكّرك بها الآن؟ لقد مضت سنون طوال”.
قال:
— “ومتى نسيتها، حتى أستعيد ذكْراها!، أتعلم أين حلَّت بها الأقدار”؟
ـــ “لماذا”؟
ـــ “وجدتُ هذه الصورة بين مقتنياتي القديمة، قلت لا بدَّ أن أعيدها إليها، ربما تكون بحاجة ماسة إليها”!!
قلت، كي يَعْدل عن تنفيذ فكرته:
ـــ “لا أعتقد ذلك يا صديقي، ربما هي تملكُ نسخَتها”.
ردَّ جازماً:
— “لا، لا، بالتأكيد هي بحاجة إليها”!
ثم أردف قائلا:
ـــ “انظر إليها، تمعَّنْ في ملامح وجهها الملائكي، في خصلات شعرها.
أتَذكرْ؟ كانت الوحيدة التي لها شَعْر ذهبي اللون، مؤسف لم تكن عيناها زرقاوان أو خضراوان وإلا أصبحت نسخة من رومي شنايدر!، مع ذلك فهي كانت أجمل النساء في دفعتنا.
هل تتذكَّر هذه الصورة؟
كنا في سفرة طلابية،
كان الربيع في أوله،
كانت السماء زرقاء،
كانت الحياة جميلة،
لم يكن هناك حروب بعد،
. رغم كل ذي المسرّات، لولاها لما كان لسفرتنا طعمٌ مازالت بهجته تقدح صمت الذاكرة.
كانت رغم وجود الأخريات،
.هي محور الحياة وملكة الجمال في نِزْهَتنا وكلَّنا يعاسيب نسبح في مداراتها.
كانت الأقرب إليَّ من الجميع،
تُحَبّذ الجلوس معي في نادي الطلبة لشعورها بالأمان،
أو ربما لأنها تفضل لعبة الشطرنج مثلي،
أو ربما تكون غشيمة مثلي لا تجيد مَرَح الحب، فتلجأ لهذه المباراة البائسة. والتي لطالما جعلتها تغلبني فيها مرّات عديدة.
كان يكفيني أن يلامس قلبي صوت ضحكتها عندما تشعر بنشوة الفوز والانتصار،
وكانتْ…
وكانتْ…
وكانتْ…”
قاطعنا صبي مراهق، في يده كيس مليء بعلب الأدوية:
ـــ “لنذهب يا جدي، عثرتُ على دواءك”.
عاد ليسألني:
— “ماذا تقول يا (عبد الله)!، كنتَ تعرفُها جيدا”؟
ـــ “نعم، كانت أكثرَهُنَّ لطفاً ووداعةً”.
قال:
— “إذن لابد أن تساعدني في إيصال الصورة”!
ـــ “نعم، لِمَ لا، لكنّها كما أعلم لا تسكن حالياً في مدينتنا، أعدك سأسلمها بيدها حالما أهتدي إلى عنوان منزلها”.
أعاد الصورة داخل ظرف قديم بالٍ ورديّ اللون ، ناولني إياها قائلًا:
ـــ “بلِّغها تحياتي وسلامي كثيراً، قل لها،
أنا هذا الذي تضع رأسها على كتفه الأيمن،
هذا الذي كان كبير الحمقى، الذي كان لا يجيد سوى الفوز بمباراة الشطرنج الغبية،
فخَسَر الدنيا حين أضاعَ قلبه. السلام أمانة يا (عادل) !!يجب عليك إيصاله”.
ـــ “أطمئن، سيصلها بالتأكيد”.
ثم قاده حفيده من يديه كطفل ضرير دون أن يودّعني.
بعد بضع خطوات، رجع إليَّ الحفيد، وأنا ما زلت واقفاً بباب دكّاني، مكتئباً، أشيعه بأسف ونظرات حزينة.
قال:
— “أني اعرفك جيداً، كنت صديق جدِّي وزميله في الجامعة والوظيفة. ربما لا تعلم أنه مريض، لم يتوَصّل الأطباء إلى نوع علّته، يعاني منذ مدة من حالات اضطراب وعدم تركيز، قالوا ربما يكون الخرَف أو الزهايمر”.
قلتُ:
— “خمّنت ذلك من خلال حديثه، خاصة عندما أخطأ بِتذكّر أسمي مرتين، أعتنِ به جيداً، شافاه الله”.
تألمت وحزنت لحاله كثيرًا،
وحينما وصلت إلى منزلي كنت أنظر بعيون دامعة إلى ألسنةِ اللَّهب وهي تلتهم ذكرياتنا وملامحنا وأيامَنا الحلوة في صورته المحترقة.
تخلصت منها سريعا، لا أستطيع الاحتفاظ بهكذا ذكرى موجعة ستعجل في حتفي لاحقاً، لاسيما أن زميلتنا الجميلة قد فارقت الحياة بعد إحالتها إلى التقاعد منذ سنوات، ولا أعتقد أن أبناءها أو أحفادها سيكونون مسرورين بصورتها وهي سافرة ومتكئة على كتف رجل غريب.
حسين عباس عزيمة
التعليقات