فم الأبواب
كأي ليل مؤجل عن نهايته، تفتح عينيك، كما لو أن أحدا أعادك خطأ إلى جسدك..
تحسس أصابعك، تتأكد أنها ما تزال معلقة بك.. تنهض، كما اعتدت أن ترتدي ثيابك المهترئة، تلقي على كتفيك معطفك الصوفي الرث، يئن في جيوبه الفراغ، كأنك تحمل تابوتا خاويا أضاع جثته في الطريق..
وتخرج.
الأزقة ضيقة، تخنق الأنفاس كرئة مدخن شره، وتملؤها القطط السوداء. النوافذ عيون قلقة تراقبك من جيوب الجدران، والريح تصفع وجهك الشاحب، تقطعك بصهيلها. ثمة شوارع تمضغك وترميك بساحة الحياة صعلوكا.
تمضي.. تمضي أكثر.. كل شارع يفضي إلى شارع يشبهه، وكل باب يفتح فما آخر. تريد أن تنجو من فم الأبواب، لكن أحلامك الضبابية تشد عينيك بقطعة قماش… كل وجه تصادفه يرتدي أمنياتك القديمة. ثمة أمنية يحققها غيرك، وأنت لست سوى شاهد على أناس لا يستحقونها، ارتدوا شيئًا منك عجزت عن الوصول إليه وأنت تحاول.
في الساحة التي بصقتك الحياة فيها، تتكاثر الأجساد كتماثيل صدئة في عيون المارة. رجال ينبتون من الشقوق، نساء تتدلى من أكتافهن ساعات متوقفة، وباعة صغار في التقاطعات يجرون خلفهم أكياسًا من المناديل، يمسحون تعب جباههم بأذيال قمصانهم الخاوية.
ويهبون ضمير أرتال سود متعفنة بعلبة واحدة، والثانية مجانا.
تبحث عن بقعة لا تعرفك، عن خارطة بلغة مختلفة، عن حجر لم يحفظ ثقل جلستك، أو زاوية لم تلتقط أنفاسك من قبل.
في الطرف الأبعد، حيث ينحني الضوء كغصن مكسور، يجذبك شيء لا اسم له… تتبعه، تجلس.
يتسرب البرد من الحجر إلى عظامك، وتصعد من السور في العمق الذي كان مظلما جذور خفية، تلتف حول ساقيك…
تشعر أن المكان يبتلعك ببطء مدروس.
ترفع رأسك، ترى آثار أصابعك على الحجر..
ترى بقايا أعقاب سجائرك القديمة، ترى ذكرى وأغنية حزينة جالستين قبلك، تنتظران وصولك…
وتدرك، أخيرا، أنك منذ سنوات طويلة لم تغادر هذا المكان، وأن المدينة كلها كانت تدور حولك لتوهمك فقط بأنك تمضي، وتمضي.. تمضي وحدك… يائسا
أبو الحسنين الدعساوي
عدنان لفتة السماوي
التعليقات